أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Friday 2nd November,2001 العدد:10627الطبعةالاولـي الجمعة 17 ,شعبان 1422

تحقيقات

مأكولات زمن العولمة ترصدها «الجزيرة »
محلات الفول والكوارع تجدد نفسها على الطريقة الأمريكية
القاهرة تحقيق شريف صالح
زمان...!
كلمة مفعمة بالشجن.. بالحسرة على ماضٍ تولى.. زمان القيم والنبل والمحبة والتقاليد.. الآن، اللزوجة والقبح والزيف والفوضى والأنانية واللامبالاة.. وكلام لا نهاية له عما يسميه البعض «تلطفا» شيوع القيم الاستهلاكية، والحقيقة أنها الهوية تنخلع من جذورها.. في السينما، في العمارة، في الأزياء، في الطعام، في العادات.. دائما يتم تغييب الهوية لحساب تقاليع مستوردة من هنا أو هناك.. الطعام على سبيل المثال كانت له تقاليد وعادات عربية رائعة.. الآن، تراجع كل هذا أمام هجمة الكولا و(التيك آو اي). الخدمة الخارجية بالنسبة للمطاعم أو التوصيل للمنازل ايضاً.
واصبح قدر الانسان العربي من المحيط إلى الخليج أن يردد نفس اللحن المميز: «زمان.. وأيام زمان..»!!
في تاريخ الغذاء
اهتم الإنسان بالتاريخ لكل شيء، لكن تاريخ الغذاء ظل «مهضوما» حقه. فلا يدري الكثيرون كيف تعامل الانسان البدائي بذاكرته البيضاء مع ألوان الطعام؟!
الحقيقة أن الانسان الأول كان يسير في الغابات وراء الصيد والمجهول، ويرتبط سلوكه الغذائي بما تطرحه البيئة المحيطة به. فهو يأكل «قطفا» أو «زرعا»، ابن الصحراء يعتمد على الخراف والجديان وابن الوادي يأكل الحنطة والشعير. وعندما أوقد النار الأولى عرف الطهي. ولأن البيئة محدودة افتقر الغذاء إلى التنوع وكان هناك توق إلى بيئة أخرى وغذاء أفضل.
مع استئناس الحصان تطورت المواصلات وخرج الانسان ليملأ سلال الغذاء بأنواع جديدة، يتبادل مع أخيه الانسان الحنطة بالفاكهة ويقايض الثمار بالخراف، أو يرتحل إلى السواحل والشواطئ ليكتشف الأسماك.
ألوان من الغذاء ترتبط بما تطرحه البيئة كنمط غذائي يتماشى جيلا بعد جيل مع الذوق العام لأهل المكان. فأبناء الاسكندرية لأنها على البحر يحبون السمك، والفلاحون في الارياف يزرعون الازر لانه وجبتهم الغذائية المفضلة. وشيئا فشيئا يصبح لكل شهرته في وجبات بعينها مثل الكشري المصري أو البيتزا الايطالية أو الهامبورجر الأمريكي أو الكسكسي المغربي.
وكما تأثر الغذاء قديما بتطور المواصلات «استئناس الحصان» وبظهور العامل الاقتصادي «نظام المقايضة» تأثر حديثا بمنجزات العلم وطرق الدعاية المثيرة لعصر السندوتشات!
عولمة الغذاء
يقول د. عبدالرحيم الكريمي أستاذ تكنولوجيا الغذاء بجامعة عين شمس إن الطعام لم يعد مجرد سلعة خاضعة لقانون العرض والطلب فحسب، بل أصبح مرتبطا بالدولار وبأمريكا كقوة عظمى. فهناك احتكارات لتجارة القمح، وهناك سلاسل الطعام الأمريكي تجتاح الكرة الأرضية: ماكدونالدز كنتاكي بيتزا هت. فنحن نتعامل مع نمط غذائي دولاري (مرتبط بالدولار) يختلف عن النمط الغذائي التقليدي (المرتبط بالبيئة)، وعلى الجمهور أن يأكل بسرعة (تيك أواي) تتناسب مع الدورة السريعة لرأس المال.
أغلب الوجبات كما يرى د. عبدالرحيم تعتمد على مكسبات طعم، تتم دراستها بعناية تبعا لذوق الجمهور العام حتى تكون مغرية ولذيذة.
فالترويج لهذه الوجبات يعتمد على الطعوم الصناعية غير المكلفة التي قد تكون ضارة أو سامة على المدى البعيد. كذلك تنتشر هذه الوجبات تحت تأثير الدعاية رغم افتقادها لعناصر غذائية مهمة، لانها تعتمد على الاشباع الوهمي أو الاحساس المؤقت بالشبع ثم سرعان ما يشعر المستهلك بأنه جائع، خصوصا مع وجود مشروبات الكولا.. وتكون النتيجة الوقوع في شرك هذه الدورة السريعة والمكلفة، بعكس وجبة محلية، كالفول المدمس الذي يسميه البعض مسمار البطن لأنه يبقى في المعدة فترة طويلة قبل أن يذوب وبالتالي يكتفي الفرد بالقليل منه حتى يعود إلى بيته في نهاية اليوم.
المعدة.. طريق الهلاك!
يؤكد د. الكريمي أن الجشع التجاري والتطور التكنولوجي الهائل في «تصنيع» الغذاء قد يؤثران بالسلب على الصحة العامة للانسان، خصوصاً أن معظم الوجبات المصنعة والمتداولة في أشهر المطاعم تفتقر إلى عناصر غذائية أساسية كالاملاح والفيتامينات، فهي تخلو عادة من وجود الخضروات والفواكه. والطعام بطبيعته يمكن أن يكون طاقة بناء للجسم إن كان مكتملا ومراعيا لطبيعة المجهود الذي يبذله كل شخص. ويمكن بالمقابل أن يكون طاقة هدم ان افتقر لعناصر أساسية أو لم يراع الفروق الشخصية، لأن الرجل الرياضي أو صاحب الجهد العضلي يحتاج إلى بروتينات تفوق الرجل الذي يعتمد على مجهود ذهني، والأخير تكون حاجته أكثر إلى الفسفور والفيتامينات.
تتفق د. هناء صدقي أستاذة التغذية بالمركز القومي للبحوث بشأن أكلات (التيك آواي) التي تعطي طاقة أو سعرات حرارية بسبب كثافة الدهون لكنها تفتقر إلى ما هو أساسي. كما أن هذه الوجبات ترتكز على «التصنيع» وليس الطهي العادي، بما يعني أنها تحتاج إلى شروط ومواصفات صحية قياسية. فمثلا الدجاج الجاهز يقلى في الزيت، ويجب عدم استعمال الزيت أكثر من مرتين أو ثلاث، لأن استعمال الزيت المغلي عدة مرات يتسبب في نمو مواد مسرطنة. وفي أمريكا يتم التشديد على هذا أما في بلادنا فمن يضمن عدد مرات الاستعمال؟!
كذلك الهامبورجر والكلام للدكتورة هناء تسبب في تسمم 170 فرداً باطلانطا، لأنه يحتاج إلى درجة حرارة من 80 إلى 90 للقضاء على الميكروبات، وما يحدث أن المطاعم تكتفي بطهي السطح الخارجي فحسب بينما العمق لا تصل إليه درجة الحرارة المطلوبة وهنا تكمن الخطورة. نفس الكلام ينطبق على اللانشون الذي يتم تصنيعه تحت درجة بخار عالية. وعدم توافر شروط التصنيع والتخزين والتجهيز والنظافة يمكن أن يتسبب في كارثة بسهولة!
بالنسبة للمشروب الرسمي المصاحب لهذه الوجبات، تقول د. هناء : إنه من المؤسف أن هذا المشروب أصبح في أيدي الصغار مع الوجبات أو وقت التسلية وتحول إلى ادمان رغم أنه يسبب السمنة ويخل بالنسبة اللازمة لتكوين وصلابة العظام، وهي نسبة تقوم على التوازن بين الكالسيوم والفسفور. ولكن هذا المشروب المكون من حامض الفسفوريك يخل بالتوازن ويتسبب في هشاشة ولين العظام.
هموم كل بيت
علاوة على المخاوف الصحية، ترى د. هناء صدقي أن مطاعم (التيك آواي) اضافت اعباء مالية لا تطاق، لأن أغلب الوجبات تفوق مستوى دخل الأسر المتوسطة، فمثلا لكي تتناول الاسرة المكونة من أربعة أفراد وجبة دجاج كنتاكي تحتاج في المتوسط إلى أربعين جنيها، ولا تسمح موارد الأسر بهذا يوميا. لذلك تقدم د. هناء نصيحة لربة البيت بأن تغير من طريقة طهي الطعام المعقدة وتبحث عن وجبات سريعة وجذابة تعدها بنفسها.
نفس النصيحة يشدد عليها د. الكريمي، حيث يجب الحذر من الطعام المصنع خارج البيت وبمصادر غير معلومة. ويرى أن الوجبات المحلية أفضل لأنها تعتمد على عناصر غذائية طبيعية ومتكاملة.
تختلط المخاوف الصحية بالعبء الاقتصادي على الأسر. فكيف تتعامل ربة البيت مع الموقف؟.. الحاجة عزيزة أبو الفتوح ربة منزل تحب أن يتناول أولادها الوجبات في البيت ومن عمل يديها. ومن جانبها تستعين بالكتب وبنصائح الجارات في اعداد الطعام والحلويات حتى لا يضطر الاولاد الى الذهاب إلى المطاعم.
وترى رضوى فرغلي (زوجة شابة) أن فكرة الأكل في المطاعم ليست حديثة ولكن الجديد هو تنوع المطاعم والاذواق. فالآن تنتشر مطاعم أمريكية وصينية وهندية وشامية بجانب المطاعم المصرية. وأي انسان يحب التغيير والخروج مع الأهل والاصدقاد كطقس أو سهرة في مطعم او ناد، لكن من الصعب لاسباب كثيرة ان يحدث هذا يوميا، خصوصاً أن لدي وساوس فيما يخص النظافة وانتشار العدوى وأمراض الكبد.
من الجيل القديم، ترى الحاجة ام علي 60 سنة ان الناس لم تعد مثل زمان، فكان الضيف يشعر انه صاحب بيت ولا ينصرف إلا بعد تناول «عيش وملح» مع صاحب البيت، وكانت البيوت كلها أهل كرم. التي تصنع طبقا من الحلوى أو العاشوراء ترسل مثله لجارتها أو لأهلها. الآن، كل واحد في حاله، والضيف يأتي ويذهب على كوب شاي لا أكثر. وزمان والكلام للحاجة أم علي كان الأكل في المطاعم عيب وكان لابد ان الاسرة كلها تتجمع على المائدة، الآن كل واحد يختار المطعم المناسب له ويأكل ويعيش مع نفسه.
الفول والكشري والكوارع
على الجانب الآخر، وكما حدث تغير واضح في النمط الغذائي التقليدي للاسرة، حدث ايضا تغير يشبه الطفرة، فيما يتعلق بمطاعم ومحلات الأكل الشعبي، التي اعتادت على الاستقرار قبل أن تشتعل المنافسة بينها وبين مطاعم العولمة و(التيك آواي).
البعض يرى أن هذه المطاعم سوف تغلق أبوابها في المستقبل وأن مصيرها، إلى الانقراض، بينما يراهن البعض الآخر على استمرارها وقدرتها على المنافسة. في ميدان باب اللوق، وأمام كشري لوكس التقينا بالعم سمير الذي أكد أن هناك تغيرات في سوق المطاعم لكنها لم تضر كثيرا، لأن مطعم الكشري له زبون معروف هو الموظف وابن البلد والرجل البسيط، على حين أن المطاعم الأمريكية تلعب على جذب طلبة الجامعة الأمريكية في التحرير أو الطلبة أولاد الذوات والسياح الأجانب. مع العلم أن كثيرا من السياح يفضلون الطعام البلدي وبخاصة الكشري.
وانتقلت فكرة السلاسل إلى مطاعم الفول والطعمية رغم تحفظ البعض. فالجحش أشهر مطعم للفول والطعمية في السيدة زينب الذي يتباهى باسمه مرسوما ومكتوبا اكتفى بمحل واحد وببقاء المحل على حالة دون ديكورات جديدة أو بهرجة. بعكس البغل الذي انتشرت محلاته في المحلة والمنصورة والقاهرة، ومن نوادره أنه اعلن عن جائزة «سيارة» لمن يسمي ابنه البغل على اسم المحل!! أيضا افتتح الدمياطي فرعا بالمهندسين واضاف اليه خدمة توصيل الطلبات للمنازل في سابقة غير معهودة لمطاعم الفول والطعمية. كثيرون يرون أن فكرة السلاسل تعد دعاية كبيرة للمطعم ودليل على نجاحه وزيادة عدد الزبائن، بينما يرى آخرون ان الحفاظ على التقاليد القديمة وطقوس المطعم أفضل، حتى لا يخسر المطعم زبائنه. هكذا تتباين الردود حول أهمية التغيير والخوف من أن تكون مغامرة غير مأمونة. لكن الأكيد كما يذكر محمد السيد 35 سنة من مطعم آخر ساعة، أن انتشار المطاعم الأجنبية أوجد نوعا من المنافسة في السوق، وجعل المطاعم البلدية تعتني بخدمة الزبائن والارتقاء بمستوى النظافة. فقديما، كنا نرى مطاعم الفول والطعمية لا تهتم باخفاء المطبخ أو عمليات الغسل والتقطيع والتقشير، الآن هناك مخازن جانبية يتم فيها كل هذا بعيداً عن أعين الجمهور للحفاظ على نظافة وجاذبية المطعم.
السباق الرهيب
إذن تحول الأمر إلى حلبة سباق رهيب، بين المطاعم البلدية التي تسعى إلى تجديد دمائها وتغيير جلدها، وبين المطاعم العولمية التي تعتمد على رأس مال متوحش وإدارة عالمية لا تضع لافتة جديدة لمطعم إلا بعد دراسة عميقة لاحتمالات السوق. فكلا النوعين من المطاعم يسعى وراء المستهلك أينما كان، في محاولة لزحزحته بعيداً عن مائدة البيت العامرة بالطعام وحضور الأهل ودفء الحياة.
وفي خاتمة المطاف يتحمل المستهلك وحده فاتورة العبء الاقتصادي وفاتورة المشاكل الصحية. ففي دراسة احصائية حديثة أكد د. عبدالعزيز معتوق استشاري أمراض الباطنية والسكر بمستشفى الملك فهد أن عدد المصابين بداء السكر في دول مجلس التعاون الخليجي تجاوز سبعة ملايين وأن 40% من هؤلاء لا يعرفون أنهم مصابون بالمرض. وأرجع الدكتور معتوق تفشي المرض إلى عدة أسباب أهمها أن دول الخليج اخترقت بعادات غذائية غريبة ومدمرة للصحة والمعروفة بالأكلات السريعة والجاهزة (التيك آواي) ابتداء من الأطفال وحتى كبار السن.
وفي احصائية للمكتب التنفيذي للأمم المتحدة باقليم شرق المتوسط ذكر أن الفرد الخليجي تضاعفت نسبة استهلاكه للبروتينات مرتين وللنشويات أربعة اضعاف وللدهون سبعة اضعاف فيما بين عامي 1961 إلى 1990م، وكان من نتيجة هذا أن أصبحت البدانة عاهة صحية مميتة!! فالمستهلك العربي يُفترس وحيداً على مائدة باردة بأحد المطاعم الراقية، ولا يملك إلا أن يتململ في وحدته، يا سلام على طعام أيام زمان! ورغم كل الشجن والمرارة والاعتراض داخل قلب الكلمة، لكنها لا تكفي وحدها لحدوث تغير ايجابي، فهي ليست المفتاح السحري للانفلات من ربقة هذا النمط الغذائي المخيف والقاتل.

أعلـىالصفحةرجوع

















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved