| محليــات
في رواية مائة عام من العزلة للكاتب الكولمبي الشهير غاسيا ماركيز، قرر اب الاسرة ان يرحل من مدينة صغيرة ابتناها هو وبعض زملائه ليبحث عن مكان افضل فرفضت زوجته قائلة إن هذا المكان قد اصبح وطننا، فرد عليها الزوج إن هذا ليس وطننا، ان وطنك هو المكان الذي لك فيه موتى، فإذا لم يكن لك موتى في هذا المكان فليس لك فيه جذور مهما حاولت الانتماء إليه..
وبوفاة محمد العلي يكون هو أول ممثل سعودي يموت، يمكن ان نقول الآن: أصبح للفن الدرامي جذور في بلادنا، لم يعد هذا الفن غريباً او ضيفاً فله تحت تراب الوطن انسان، اصبح للفن الدرامي تاريخ وجذور وترحم، لا أعرف ممثلا سعوديا مات قبل ذلك باستثناء الفنان لطفي زيني، ولكن زيني مات كرجل اعمال لا كممثل لانه لم يجعل حياته وفية بالكامل للفن الدرامي، ليس من السهل التأمل في الطريق الذي اختطه محمد العلي ليكون طريق حياته الوحيد فهي نفس الطريق المتعرجة والصعبة والمؤلمة التي يسير عليها الفن الدرامي في المملكة. فرص متواضعة وحرية محدودة وتمويل ضئيل وتدني نسبة الاعتراف والمودة. نفق طويل مظلم بلا ضوء في آخره.
اعتدنا ان نسمع عن وفاة الفنانين في كل مكان في العالم، ففي كل فترة نسمع ان هناك ممثلاً صاحب فيلم كذا والحاصل على جائزة كذا مات، ونسمع ايضا ان هذا مات بعد ان بلغ الثمانين او التسعين، لم تكن تلك الاخبار جزءا من ثقافتنا واخبارنا فعمر الفنانين في بلادنا قصيرة كعمر الفن وعددهم قليل لايشجع الموت ان يجعل منهم مادة اخبارية.
ولكن الله اختار محمد العلي ليكون اول جذور الفن الدرامي في تربة هذا الوطن، وبذلك يكون عميد الفن الدرامي السعودي رغم انه لم يتعد بعد الخامسة والخمسين من عمره، لقد دخل التاريخ بفنه ثم عاد ليدخله بموته المبكر.
كنت اخطط للتعاون معه. كنت ارى فيه فنانا يمكن ان يلعب ادوارا مميزة.
فالظروف لم تكن عادلة مع مواهبه، لقد فرض عليه الواقع ان ينحصر في الكوميديا والاعمال الخفيفة، كانت روحه الشعبية المميزة ستجد طريقها الحقيقي لو ان المسرح السعودي الذي بدأت طلائعه في الثمانينات بقي على قيد الحياة، ولكن قدر فناني المملكة في هذا الزمن انهم لن يكونوا سوى جذور لفنانين سيأتون في الأزمنة القادمة ويتحدثون عنهم كأسلاف.
فاكس 4702164
|
|
|
|
|