إن من يمشي في أزقة منفوحة القديمة جنوبي مدينة الرياض على الرغم من تهدم بيوتها ليشم رائحة الأعشى، لأن عطر التاريخ ينفحك من بعيد، فكأن الأعشى يتهادى أمامك، وكأن جُهُنَّاماً خصم الأعشى اللدود يتربص بشاعر منفوحة، فيرد عليه قوله مرة بعد أخرى.
إن هذه القرية الهادئة جديرة بالالتفات إليها من جديد، بعدما اتجهنا الى السياحة، فالاعشى صاحب المعلقة المشهورة، التي علقتها قريش على الكعبة في آخر العصر الجاهلي من هذه القرية، وهو معروف في امتداد الوطن العربي والاسلامي، ومعروف في مؤسسات الاستشراق، والأقسام الشرقية في الجامعات الأوربية، وهو الوحيد من بين اصحاب المعلقات الذي يستوطن قرية ويسكن في دار بنيت باللبن والطين، فقريته معروفة وهي منفوحة وداره معروفه فيها كما ذكرها التاريخ، ولم يعرف ان امرأ القيس وطرفة وزهيراً ولبيداً وعنترة وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة والنابغة الذبياني وعبيد بن الأبرص الأسدي لم يعرف عنهم الاستقرار في قرية او السكن في دار طين او حجرة، فهؤلاء هم اصحاب المعلقات العشر اختص منهم الأعشى بالجمع بين قوة الشعر والتحضر، فهو جدير بالمحافظة على قريته.
إنني أهيب بصاحب السمو الملكي أمير منطقة الرياض الأمير سلمان بن عبدالعزيز وبصاحب السمو الملكي الأمير سطام بن عبدالعزيز نائب أمير منطقة الرياض، وبصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان المسؤول عن السياحة، أهيب بهم ان يلتفتوا إلى ما تبقى من منفوحة، فترمم بيوتها الطينية، ويلتمس مكان بيت الأعشى بوساطة أهل الخبرة، ومنهم الشيخ عبدالله بن خميس، ومن ثم وضع لوحة تشير الى موضع بيته، لقد شرع في ترميم الدرعية، فعادت لتلك المدينة مكانتها التاريخية، وها نحن ننتظر ترميم بيوت منفوحة، وأزقتها، وأبراجها، وسورها، ونخيلها، لتحتل مكانتها التاريخية وتكون مقصداً للسياح، فهي بجوار العاصمة الرياض، التي تبحث عن الجذب السياحي وتهيء له كما شاهدنا في احتفالات العيد الماضي، ان وجود منفوحة السياحية في جنوبي الرياض، والدرعية السياحية في الشمال الغربي من الرياض، والجنادرية في الشمال الشرقي من الرياض ليعزز مكانة الرياض السياحية وقد اشار التاريخ الى مايساعدنا على التعرف على موضع بيت الأعشى، قال الأصفهاني في كتابه الأغاني «أخبرني ابو الحسن الاسدي، قال حدثنا علي بن سليمان النوفلي، قال حدثنا ابي، قال: أتيت اليمامة والياً عليها، فمررت بمنفوحة، وهي منزل الأعشى، التي يقول فيها: بِشَطِّ مَنْفُوحة فالحَاجِر.فقلت أهذي قرية الأعشى؟ قالوا نعم. فقلت: أين منزله؟ قالوا: ذاك وأشاروا إليه. إن سكان مدينة الرياض ليعتزون بالأعشى صاحب المعلقة والشعر المؤثر، فمدينة الرياض امتدت الى منفوحة وأصبحت قرية الأعشى جزءاً من جنوبي مدينة الرياض.
لقد كان الأعشى مؤثراً في عصره، فهو لسان قبيلته قيس ابن ثعلبة، فعندما استنجدت فُطَيْمَة بنت شرحبيل بن عوسجة بقومها بني قيس بن ثعلبة حماية لابنيها افلت وشهاب أنجدتها بنو قيس بن ثعلبة، ووقفت ضد يزيد بن مُسّهِر وقومه بني شيبان، وصنع شاعرها الأعشى اجود قصيدة قالها وهي المعلقةالتي يفتخر فيها بانتصار قومه بني قيس بن ثعلبة على بني شيبان في يوم الحنو الذي اثاره النزاع حول بني فطيمة، فقد انتصر بنو قيس ابن ثعلبة على بني شيبان في هذا اليوم الذي يقول فيه الأعشى:
نحن الفوارس يوم لحِنْوِ ضاحية جنبي فطيمة، لاميل ولا عُزُلُ |
ويقول:
ونحن غداة العين يوم فطيمةٍ منعنا بني شيبان شرب مُحَلِّم |
فانتصار الأعشى لفطيمة يعرضه شعره القوي والمؤثر في بني شيبان، بل ان فطيمة علامة نصر في شعر الأعشى، فالأعشى يطلق على يوم الحنو يوم فطيمة، اشارة الى الوقوف معها ضد بني شيبان، فاذا كانت القبيلة حاربت من اجل فطيمة فان شعر الأعشى في ذلك اليوم بقي مخلدا مفاخر القبيلة الى يومنا هذا، واذا كان الأعشى قد انتصر لفطيمة في شعره فان امرأة اخرى تدعى هريرة غلبته على امره، فاكتفى بالاشادة بها في شعره، على الرغم من نظرتها الدونية لشاعر منفوحة، الذي يظهر في قوله «صدت هريرة عنا ماتكلمنا»، وقوله:
أأن رأت رجلاً أعشى أضَرَّ به ريب المنون ودهر مفندٌ خَبِلُ |
اما الاشادة بها فتحتل صدر معلقته التي استهلها بذكرها في قوله:
ودع هريرة ان الركب مرتحل وهل تطيق وداعا ايها الرجل |
وهريرة هذه امة لبشر بن عمرو بن مرثد، وكان بشر من المقربين عند ملك الحيرة النعمان بن المنذر، وهريرة واحدة من جواري الحيرة تعلمت غناء النصب وهو نوع من الغناء، وبرعت فيه وقد ساءت العلاقة بين سيدها بشر وملك الحيرة النعمان ابن المنذر فهرب بشر من الحيرة ومعه جاريته هريرة الى اليمامة واستقر في منفوحة.
|