أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Friday 11th January,2002 العدد:10697الطبعةالاولـي الجمعة 27 ,شوال 1422

الثقافية

قصة قصيرة
الرسالة
ما تزال في جيبي!
إلى العزيز خالد.. مع خالص حبي وتقديري..
قالت.. وما أسخفها.. (اكتبي رسالة للأسير.. فيما لا يزيد عن خمسة عشر سطراً!)
بكل القهر.. بكل الغضب.. بكل الكراهية! سأستل قلمي.. لأكتب لك تلك الرسالة. لا لسبب.. إلا لأنها طلبت مني ذلك.. بل وجعلته موضوعاً لامتحان التعبير (حكم القوي على الضعيف) هيا لنكتب.. لحظة.. سأمزج بالحبر بعض دموعي.
ربما سيصبح خطي أجمل.. أتدري يا خالد.. أتدري.. مئات الأفكار تزاحمني في هذه اللحظة.. ماذا أقول عندما تنتحر الكلمات على رصيف الذكريات؟ براكين تتفجر.. نظرة حقد تلك التي أرمق بها مدرَّستي.. ألم تجدي موضوعاً غير هذا؟! مساكين.. يظنون أنهم بذلك.. يشاركوننا فقدكم.. بتلك الشرائط الصفراء التي نعلقها على حقائبنا المدرسية.. «لن ننساكم».. لا تعليق!!
على فكرة.. ما زالت الحقائب المدرسية تحمل على الظهر.. وما زالت كتبنا بثقل الحجارة.. وما زال طريق الذهاب إلى المدرسة غير مرصوف.. بالأمس.. عانيت من أرق مزعج.. لعله بسبب القهوة التي أدمنتها.. أو ربما بسبب الفلم الذي رأيته.. أو ربما.. لأن النوم والاستيقاظ أصبحا بلا معنى.. أيامنا تسير كالتوائم المتشابهة.. في العادة عندما نرى توأماً في الشارع أو في السوق نبتسم بسرور «منظرهما لطيف!» ولكن توائم الأيام كريهة.. ملامحها رماد ينزف.. وعيون بيضاء صدئة.. هكذا اتخيلها.. سأرسب في اختبار التعبير حتماً.. ثرثرتي أبعد ما تكون عن قضية الأسير.. ربما لأن لي أخا هناك.. بين قضبان الظلم.. أسر عندما كان في التاسعة من عمره.. لا زلت أحاول أن أقنع أمي بأنه قد مات.. سيريحها ذلك.. سيريحني أنا الأخرى... لكنها دموعها الرافضة للتصديق تخرسني دائماً.. أبتلع حروفي وأبقى أنتظر.. عند الشرفة أنتظر.. وأنام على الرخام البارد.. أنتظر عودتك المزعومة.. أمي مريضة جداً يا خالد.. تعاني من ضعف في القلب.. على عكسها أصبحت قاسية متحجرة.. أطرافي ترتعد بقسوة.. اذ أنا أخط لك هذه السطور ولكنني أحاول أن أتماسك.. لكي لا أبكي.. لا أدري لماذا.. يجب أن لا أبكي.. وكأن هناك من يصرخ داخل أذني «لا تبك!» قد يكون هذا الصوت الذي أسمعه صوتك.. لم أكن أبداً أختاً مطيعة لك.. ولكنني اليوم كذلك.. عنيدة جداً أنا.. لم أتغير.. أحاول قدر ما أستطيع أن أكون حجراً.. جبلاً.. جداراً.. دولاباً كبيراً.. أحاول قدر ما أستطيع.. أن أتصنع الصلابة.. والقوة.. فما أرخصها الدموع.. في بيت الأسير..! لكنني أعترف.. يا خالد بأنني.. بأنني.. بأنني.. في بعض الأحيان.. أستسلم لسطوتها.. لا أدري ما الذي جعلني أعترف.. تبا ها قد بدأت أذرفها.. ذات أرق.. دخلت غرفتك والرهبة تملؤني.. أنا في غنى عن اخبارك بأن أمي ما زالت تنظفها كل أسبوع.. تعطرها.. وتبخرها.. وتغسلها ببعض دموعها.. ودعواتها البيضاء.. تغير لك ملابسك بشكل دوري.. أصبح لدينا صندوقاً مليئاً بالملابس غير المستخدمة.. من سن التاسعة وحتى سن العشرين.. أمي حريصة على أن تجد المكان هنا مريحاً عندما تعود.. أتصدق.؟! بدأت أمي مؤخراً تبحث عن عروس لك.. كلما وجدت فتاة مناسبة قالت.. هذي عروس خالد ان شاء الله.. كم يبدو الكذب جميلاً أحياناً! أصبح لديها قائمة من أسماء الفتيات اللاتي فزن باعجابها بمرور الأيام.. فلانة تتزوج.. وفلانة تنخطب.. وتضع أمي خطاً عريضاً على اسم الفتاة التي يتضح أنها ليست من نصيبك.. وتتمتم بصوت مخنوق «قسمة ونصيب!» لأننا نعرف أنك تكره أن يعبث أحد بخصوصياتك.. لم يجرؤ أحد على أن يملس غرفتك.. أمي وحدها تملك السلطة لذلك.. أتصدق.. بالأمس عثرت على شعرتين.. من شعر رأسك.. بين أسنان المشط.. أقمت بتلك المناسبة حفلة.. حفلة بكاء! ما جدوى كتابة هذه الرسالة.. بدون زواجل.. بدون عنوان.. بدون هدف! أنا اليوم أكتب لأثرثر.. عازمة هذه المرة.. على أن أرسب في اختبار التعبير.. تعبيراً عن احتجاجي.. «أبله مديحه» تعرف بأنني الأولى في التعبير عندما سترى ورقتي مليئة بهذه الثرثرة وستعطيني أنا طالبتها المفضلة الصفر الذي أريده ستندم لأنها فتقت جراحي.. ستندم لأنها تعبث بدموع العاجزين أمثالي.. ستندم لأنها امتهنت قضية انسانية بهذا الشكل البشع.. على فكرة.. وافق أبي أخيراً على شراء طاولة طعام.. أتذكر كم كنا نتشاجر حول هذا الموضوع؟ كنت تقول بأن الأكل على الأرض أفضل.. وكنت أماريك وأسفه رأيك.. يبدو أنني انتصرت.. ولكنني أكتشفت بعدها بأنك على حق.. طاولة الطعام جعلت غرفة الجلوس تبدو أضيق.. عدا أنها لا تبدو على وفاق مع باقي قطع الأثاث.. بدأت مؤخراً أطالب بتغييرها.. منزلنا قديم جداً.. بدأ الزمن يأكل جدرانه.. ويقتل اللحظات في شقوق أبوابه.. نحن نحاول ترميمه بين الحين والآخر.. سمو الأمير يقدم لنا الكثير من العون، لنا ولجميع أهالي الأسرى والمرتهنين في العراق كنت كثيراً ما أحلم بالظهور على شاشة التلفاز.. وبمصافحة سمو الأمير.. لكي أخبره بكلمات طالما أردت قولها له «بابا جابر كم نحن نحبك!» عندما تحقق لي ذلك.. بكيت.. أكلت أصابعي ندماً.. آخر ما أريده.. أن أظهر على الملأ.. لأصف لهم فاجعة اختطافك طفلاً.. من حضن أمك.. آخر ما أريده.. أن أصافح بابا جابر.. لأن لي أخاً أسيراً.. وأجد الدموع تخنق صوتي.. فأعجز عن اخباره بما أريد.. «بابا جابر كم نحن نحبك!».
خالد.. أخبرني كيف تبدو؟ صورتك تقول بأن شعرك أسود.. لا أدري لماذا أتخيلك بشعر بني.. لا أدري من منا على حق.. أنا أكيدة بأنك تغيرت كثيراً.. واحد من الأسباب التي جعلتني أبكي.. هو خوفي من أن أراك.. ولا أميز ملامحك.. كنت في الثامنة عندما رأيتك لآخر مرة.. لن.. ولن.. ولن .. والله العظيم.. لن يكون هناك أي مبرر.. لأسر طفل! لأسر طفل!! لأسر طفل!!! سأصمت.. سأصمت هنا.. لأنني اذا فكرت في أولئك السحالي.. فسأملأ الورقة بالشتائم والسباب واللعان.. قد يجعل ذلك «أبله مديحه» تصفق لي.. وتمنحني الدرجة الكاملة.. وأنا لا أريد ذلك.. أريد أن أرسب اليوم.. سأجعلها تندم!! على فكرة.. ما زال يروق لي أن ألقبهم بالسحالي الخضراء.. أو بالضفادع.. أو بالجراد.. أتذكر.. مدى الذعر الذي اعترانا.. عندما رأيناهم بأعداد مهولة.. يجوبون الكويت.. و يسعون فيها فساداً؟ كانوا كأسراب الجراد عندما تقتل خضرة العشب.. وكنا كالنمل المذعور.. ما أشنعه من وصف.. الهدوء يملأ غرفة الصف.. أكاد لا أسمع غير صوت همسات الأقلام في صدر الورق.. علامات الاندماج واضحة على وجوه البنات.. يكتبن بانهماك.. وتأثر.. لا شك وأنهن سعيدات لأن أبلة مديحة اختارت «موضوعاً سهلاً» كهذا! أراهن بأن أوراقهن مليئة بعبارات.. «نحبك.. نفتدك.. لن ننساك..» أو.. «أصمد يا بطل الكويت.. الكويت تنتظر عودتك يا ابنها البار» أو.. سيملأن الورقة بالأسئلة الفارغة.. الموغلة في الأسى.. «هل تأكل؟ هل تشرب؟ هل تتغطى جيداً أثناء النوم!» ليتني أستطيع أن أكتب لك شيئاً كهذا يا خالد.. فاطمة تنظر إلى بشفقة.. ترى ورقتي.. مليئة بالشخابيط.. مليئة بالبياض الأسود.. مليئة باللاشيء.. وحدها فطوم تفهم ما بي.. وحدها تعرف أن لي أخاً أسيراً..وحدها تعرف كم أنا ناقمة على أبلة مديحة لاختيارها هذا الموضوع.. لطالما كانت معلمتنا ساذجة.. إلى درجة الغباء.. ولكن غباءها اليوم يتجلى بكل بشاعة في ثوب من اللا انسانية.. ليجعلها تختار موضوعاً كهذا.. كموضوع للتعبير! غبية أبلة مديحة.. تظن بأنني سأكتب لك كلمة واحدة يا خالد.. تظن بأنني سأسلمها هذه الثرثرة التي ما كنت لأكتبها إلا لتمضية الوقت.. كيف أسمح لها بأن تقرأ رسالتي.. مشاعري.. دموعي.. ثم تلوث بياضها بقلمها الأحمر! مشاعري لا تخطئ.. ولا دموعي.. ولا جريان حبري على الورق.. رسالتي هذه ليست للتصويب..! حتى أخطائي الإملائية.. ليست للتصويب..!! لست أرضى أن أشارك في مهرجان السخافة هذه.. لماذا يجعلون الأمر بهذه البساطة البشعة؟! أبلة مديحة لاحظت ارتباكي.. كثرة التفاتي.. عينك في ورقتك يا بنت يا سارة!
ما زالت ساذجة، تظنني أفكر في الغش.. فطوم تنظر إلى بشفقة أكبر.. تهمس: ساروه عطيني ورقتك أكتب لك التعبير باقي عشر دقائق بس! أتظاهر بالصمم.. ولا أرد.. عشر دقائق فقط.. وينتهي مهرجان السخافة هذه.. ماذا سأكتب أيضاً؟ أغنية محمد عبده الجديدة؟ أم أغاني شادي الخليج وسناء الخراز؟ أم سأكتب مجموعة النكت التي سمعتها مؤخراً؟ سأكتب عن أي شيء يا خالد.. إلا عنك! إلا عنك! لم تكن الحروف يوماً قادرة على ترجمة الدموع.. ولم تكن الدموع يوماً قادرة على أن تترجم حزني.. ياه.. بدأت تمطر في الخارج.. ممتنة أنا للسماء.. سعيدة أنا بالمطر.. أعرف أنني عندما أغادر الصف.. سأقف تحت المطر.. وأبكي.. وأبكي.. وأبكي.. لكي لا يلحظ أحد غزارة دموعي.. فيمر الأمر بخير.. دون اثارة فضول وتساؤلات.. وشفقة كريهة أبغضها وأحتقر صاحبها برغم نبل مشاعره! هل أخبرتك من قبل.. بأن الشتاء شاعري في الكويت؟ النوافذ مغطاة بالضباب.. أحب منظرها هكذا.. بالمناسبة.. كيف هو الجو في العراق؟ يقولون بأن الشتاء قاس هناك.. أمي اشترت لك بالأمس سترة جلدية فاخرة.. عندما قرأت الذعر في عيناي قالت.. «الجو بارد» ردودها دائماً تأتي لتخمد صوتي.. وتحرقني بدموع خفية.. لا أراها.. ولكنني أعرف بوجودها.. خالد.. قبل أن تعود.. أخبرنا انك عازم على العودة.. حتى أتوقف عن هذا البكاء الصامت.. فالانتظار متعب.. ورخام أرضية الشرفة بارد.. والأرجح أنني سأصاب باحتقان في حنجرتي.. رأفة بأختك.. أرسل لي رسالة مع أول حمامة تقابلها في طريقك.. أخبرني أنك عائد.. لأتدثر ببطانيتي.. وأكف عن الانتظار.. فأنت عائد! دقائق بقيت.. الطالبات يغادرن الصف.. سأغادر أيضاً.. سأعطي أبلة مديحة ورقة الاختبار فارغة.. أما بالنسبة لهذه الورقة التي ملأتها بثرثرتي.. فسأدسها في جيبي.. قد أطلب من أبي أن نشتري بعض الزواجل.. لأتعلم تدريبها.. قد أرسلها لك يوماً.. من يدري.. قد تصل! أما بالنسبة للصفر الرائع الذي سيزخرف شهادتي غداً.. فكن واثقاً بأنني نلت الدرجة الأعلى.. أحبك أخي.. أحبك كثيراً..
سارة

أعلـىالصفحةرجوع
















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved