رئيس التحرير : خالد بن حمد المالك

أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Friday 18th January,2002 العدد:10704الطبعةالاولـي الجمعة 4 ,ذو القعدة 1422

شرفات

شخصيات قلقة
روبرت هوك «1635 - 1703» عالم كبير.. ورجل تعس
صبي نحيف يسير منحنيا.. فمه واسع وذقنه مدببة حادة.. ومظهره المتناقض لا يجعل العين ترتاح اليه.. وفوق هذا كان عليلا وضعيف البنية منذ ولادته، ولم تتحسن صحته بشكل ملحوظ طوال حياته. كان يشكو الصداع وهو شاب صغير «بسبب التهاب مزمن في جيوبه الانفية» كما كان فريسة في اغلب الاحيان لنزلات البرد وعسر الهضم، لهذا عرف عنه انه كان يقوم بتدوين أية وجبة من الطعام يستريح لها، يضاف الى هذا كله الدوخة والأرق والاحلام المزعجة التي تراوده عندما ينام.
ولاشك ان قبح المنظر واعتلال الصحة جعلا من هوك شخصا سريع التهيج والاستثارة، شديد الحساسية في علاقاته مع الآخرين، كان أقرب لأن تزدريه العين ولا يتوقع احد لشخص مثل هذه الصفات ان يحقق أي نجاح، وما زاد الطين بلة ان والده فارق الحياة وهو ما يزال صبيا في الثالثة عشرة من عمره، وأصبح لزاما عليه ان يتكفل بنفسه ويشق طريقه مهما كانت الصعوبات.
في البداية تمكن من العمل كصبي يعاون الرسام الشهير بيترليلي في لندن، غير ان روائح زيوت البويات زادت حالة الصداع لديه ولم يتحمل الاستمرار، فذهب الى اكمال دراسته باحدى مدارس وست مينستر حيث حظي بتقدير وتعاطف ناظر المدرسة الذي ظل صديقا له طوال حياته، ونجح وهو في الثامنة عشرة من عمره من الالتحاق بجامعة اكسفورد.
خلال هذه السنوات كان قد اكتشف مهارة كبيرة في الاعمال اليدوية بالخشب والمعادن وخبرة بالرسم ومعرفة محدودة باللاتينية والاغريقية ومبادىء الحساب، كما كان لديه من المقدرة الموسيقية مما مكنه من الحصول على منصب عازف في احدى الكنائس، فاستطاع ان يعول نفسه من مرتبه كعازف الى جانب عمله كخادم لشخص يدعى مستر جودمان.
في اكسفورد كانت هناك مجموعة من الشبان اللامعين الذين وجهوا اهتمامهم الى العلوم التجريبية وعلى رأسهم كرستوفر رن وروبرت بويل الذي كان شابا ميسور الحال التحق هوك للعمل كمساعد له ليبدأ حياته العملية في مجال البحث العلمي منذ عام 1655م وما احتوت عليه من نجاحات ومآس.
كان أول اختراع هام توصل اليه هوك هو عجلة الضبط في الساعة.. لأن الساعات قبله كان تضبط بواسطة قضيب هزاز يتحرك الى هنا والى هناك نتيجة تأثير اسنان عجلة الافلات، فكانت الساعات تنقصها الدقة كما كانت مادة للتندر والسخرية فمثلا وصف شكسبير احدى ساعات عصره وكانت تسمى «بيض نورمبرج» متهكما لعدم دقتها قائلا:
المرأة مثل الساعة الألمانية
دائما في التصليح، ودائما خارج غلافها
فكر هوك في استخدام الزنبرك للتحكم في ذبذبات عجلة الضبط في الساعة، وعمل على تسجيل اختراعه قبل عام 1660م، ومن المحتمل انه اخترع بعد بضع سنوات الزنبرك اللفاف لكن ما حدث انه فشل في نشر الاختراع على الملأ ونسب الى العالم كريستيان هيوجين عام 1675 وحين سارع بتقديم مذكرة الى الجمعية الملكية يطلب اعترافها بسبقه لهيوجين في هذا الاختراع، الا ان الجمعية لم تؤازره حيث كان سكرتيرها في ذلك الوقت ويدعى اولدنبرج رجلا متآمرا وعدوا لهوك واكتفى بالقول بأن هوك قد صنع بعض الساعات من هذا النوع قبل عام 1675م غير انها لم تعمل!!.
وتورط هوك في مناقشات عنيفة، وبسبب سرعة تهيجه تسممت علاقاته مع الكثير من معاصريه.
والحقيقة انه كان قادرا على التصدي لأغلب المشكلات العلمية التي تصادفه ولكن بالقدر نفسه كان يعاني من جراء التفاصيل «الصغيرة» مثل الحديث عن اعماله قبل تسجيلها او عدم تسجيلها بالاساس، علاوة على تسرعه وانتقاله من اختراع الى اختراع على نحو مضطرب ومشوش لدرجة انه عندما صار للجمعية الملكية ميثاق خاص بها عام 1662 وعين هوك وكيلا لها، كان عليه اسبوعيا ان يقدم لها في الاجتماع ثلاث او اربع تجارب هامة، اغلبها من ابداعه.. وظل على هذه الحال مدة عامين دون ان يتقاضى مليما واحدا.
خلال هذه المرحلة من حياته نشر هوك كتابه الفذ «الصور الميكرسكوبية» الذي وضعه في الصف الاول بين رجال العلم البارزين كواحد من مؤسسي الدراسات الميكروسكوبية، وكرائد ومؤسس لعلم الارصاد الجوية حيث كان اول من فسر دورة الغلاف الجوي حول القطب، وفسر الاحوال الجوية بناء على اسس فيزيائية واضحة، كما اهتم في كتابه المتنوع في اطروحاته ببعض النظريات المتعلقة بالسوائل، والتجمد والطفو.. وينتهي الكتاب بمجموعة من المواضيع الفلكية المهمة.
أثبت هوك انه عقل تجريبي فذ ورجل فكر مبدع، كما رسخ نفسه كصانع ماهر للعديد من الاجهزة والادوات العلمية مثل التلسكوب الذي يدار بالساعة والذي لم يعرف في فرنسا الا بعد توصل هوك اليه في انجلترا بحوالي سبعين عاما.
هذا النجاح جعل هوك رجل العناية الالهية عندما اصاب الطاعون لندن وادى الى تدمير الحياة وأجزاء كبيرة من المدينة، فاستعان المسؤولون بهوك وعين ملاحظا للمدينة لمساعدة صديقه كرستوفر رن في اعادة بناء وتعمير المدينة، خاصة بعد الحرائق المرعبة التي عصفت بكل شيء. وضع هوك امام الجمعية الملكية نموذجا لاعادة بناء لندن على اساس مربع «وطبق هذا النموذج في نيويورك فيما بعد» وصمم كثيرا من مباني لندن المعروفة مؤكدا جدارته كمهندس ماهر.
وفي عام 1677م مات عدوه اللدود أولدنبرج وورث هوك مقعده كسكرتير للجمعية الملكية، ولم يلبث ان كتب الى نيوتن يطلب منه ان يقدم للجمعية بحثا من بحوثه. آنذاك كان الجدل قد استعر بين العالمين بخصوص طبيعة الضوء، وكان الراحل اولدنبرج يؤجج نار الخلاف، ولكن بعد ان عين هوك سكرتيرا للجمعية الملكية عادت العلاقة ودية بين الرجلين وتبادلا الرسائل بينهما لكن سرعان ما عاد العداء بينهما من جديد حول ايهما توصل أولا الى قانون الجاذبية. كان هوك قد نشر في عام 1674م ثلاث قواعد في غاية الأهمية: أولا: كافة الأجرام السماوية لها جاذبية تتجه نحو مركزها، ثانيا: كافة الأجسام تستمر في الحركة في خط مستقيم الا اذا تعرضت لجذب قوة أو أخرى، واخيرا: قوة الجذب تتناقص مع ازدياد المسافة حسب قانون لم يعرفه هوك. وكان نيوتن قد توصل بنفسه الى هذه النتائج لكنه لم ينشرها او يتحدث عنها، بل تفوق على هوك في كونه اثبت نتائجه رياضيا، وبينما كان العالمان يتبادلان الرسائل الودية تحدث هوك عن أبحاثه وكتب الى نيوتن يسأله المدار الذي ستتخذه الكواكب على اساس افتراض ان قوة الجاذبية تتناسب عكسيا مع مربع المسافة. «هذا يعني ان هوك لو توصل الى حلول رياضية لحل اعظم مشكلة واجهت العلم آنذاك وهي مشكلة النظام الشمسي».
الثابت تاريخيا ان نيوتن هو صاحب الفضل الأكبر في حل لوغاريثم النظام الشمسي مستفيدا من آراء السابقين عليه بطليموس وكوبرنيكوس وكبلر وجاليليو وهوك. وعندما نشر نيوتن أعظم مؤلفاته «الفلسة الطبيعية لمبادىء الرياضيات» والمعروف عالميا باسم «المبادىء» نشب نزاع حاد بينه وبين هوك بخصوص احقية كل منهما في قانون التربيع العكسي، ونظرا للطبيعة الحادة والعصبية لكلا العالمين اوشك نيوتن على ان يمزق الفصول الاولى من الكتاب العظيم، لولا تدخل العالم الفلكي الشهير ادموند هالي الذي لعب دورا في عقد هدنة بين الرجلين، كما تكفل بنفقات طبع الكتاب كاملا.
اشد ما آلم هوك في هذا النزاع ان نيوتن حتى لم يكلف خاطره ويشير الى جهود هوك في هذا الصدد، ولو اشارة مقتضبة، واكتفى نيوتن بأن علق على ذلك قائلا: ان هوك الذي كانت تنقصه الكياسة ولا ينقصه الكرم يستحق من المرء كل العطف.
في 1682م ترك هوك سكرتارية الجمعية الملكية وبدأت مرحلة العد التنازلي وخفوت الأضواء عن هذا العالم الكبير، رغم انه واصل ابحاثه متحديا العلل والأمراض والوحدة، وظل متمسكا بأهداب الحياة.. يحسده الكثيرون ويهاجمه من هم أقل منه شأنا ويخادعه بعضهم. ولأنه عاش سريع الغضب، لا صبر له مع الأغبياء، ولا قدرة له على تحمل الاعوجاج والتفاهة، فقد عانى الكثير من جراء صفاته تلك وكسب عشرات الأعداء من رجال عصره.
يقول ناشر أبحاثه: «كان هوك يتمتع بقدرة كبيرة على الحكم على خصائص الآخرين». وهي صفة خطرة قد لا تجلب التعاطف معه أبدا. وكما قال جون وارد بعد وفاة هوك بأربعين عاما تقريبا: «لو ان هوك كان أكثر اتزانا وعمد الى استكمال كل كشف يصل اليه قبل ان ينتقل الى كشف آخر، لكان من المحتمل في بعض الحالات ان يؤدي خدمات اعظم، ولاستطاع ان يتخلص من ذلك القلق المستمر الناجم عن خوفه من ان يحصل آخرون على فضل يستحقه هو، مع انهم يبنون على الأسس التي وضعها هو!!.
تلك كانت المأساة التي أودت بحياة عالم كبير! ومن المفارقات المؤلمة ان روبرت هوك سكرتير الجمعية الملكية «أعظم وأعرق الهيئات العلمية التي تضم صفوة العباقرة» لا يعرف مكان قبره على عادة العلماء الكبار.. فياله من رجل تعس لم يلق حتى التكريم الأخير!.

أعلـىالصفحةرجوع
















[تعريف بنا][للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved