Thursday 24th January,200210710العددالخميس 10 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

شخصيات في الذاكرة
الشيخ محمد بن مهيزع
القاضي، الحازم
عبدالله بن سالم الحميد

* الوفاء لكل عامل مخلص من أهم نماذج التقدير للمخلصين في هذه الحياة وأولئك المخلصون الذين لا يبحثون عن بريق الشهرة هم الأجدر بالتقدير والوفاء والذكرى.. وفي ميدان التعليم والقضاء هناك نماذج من رجال التربية والفقه والإرشاد والتعليم يقضون أعمارهم في خدمة مهنتهم بعيداً عن الأضواء، ولا يبتغون من ذلك سوى الإفادة ورضا الله ومصلحة الآخرين.
ومن أولئك الرجال المخلصين الصادقين في توجههم وعملهم وتعاملهم: الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مهيزع الذي وُلد في حريملاء عام 1325ه وتلقى تعليمه الأول لدى عدد من العلماء والفقهاء في حريملاء ومنهم الشيخ فيصل المبارك. وفي الرياض درس لدى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وحصل منه على إجازة في القضاء.
* تولى القضاء في «عَرْوى»، و«ضُرمى» عام 1355ه.
* في عام 1369ه انتقل للعمل في المحكمة الكبرى بالرياض.
* في عام 1372ه طُلب للتديس بكلية الشريعة ومعهد إمام الدعوة وظل يزاول مهنة التعليم إلى جانب القضاء حتى عام 1376ه حيث تفرغ للتدريس بضعة عشر عاماً.
* في عام 1389ه أُعيد الشيخ محمد بن مهيزع للقضاء معيناً على مرتبة «رئيس محكمة» حتى عام 1395ه حيث أُحيل للتقاعد وتفرغ لخدمة مجتمعه وأسرته وأبنائه.
* رئيس محكمة عرقة الشيخ عبدالعزيز بن محمد بن مهيزع يتحدثُ عن والده فضيلة الشيخ محمد بن مهيزع رحمه الله فيقول:(1)
«هذه نبذة من سيرة فضيلة الوالد رحمه الله الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن محمد بن مهيزع:
ولد في حريملاء شمال الرياض في ذي الحجة عام 1325ه وبدأ التعليم على علماء حريملاء وحفظ القرآن الكريم كاملاً، ثم انتقل إلى الرياض حيث انضم إلى حلقة سماحة رئيس القضاء الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله ودرس على يديه حتى حصل على الإجازة في القضاء والتدريس والإفتاء، كما درس على الشيخ محمد بن عبداللطيف آل الشيخ رحمهم الله متزوج وله خمس بنات وثلاثة أبناء، تولى القضاء في عام 1355ه قاضيا في عروى ومكث بها عشر سنوات، ثم قاضيا في ضرمى وانتدب لقضاء الرياض مدة غياب فضيلة قاضيها الشيخ سعود بن رشود رحمه الله حيث عُين قاضياً بالرياض في 13/9/1367ه، وعند افتتاح المعهد العلمي بالرياض عام 1372ه عُين مدرسا فيه ويعمل في العطلة بالقضاء حيث انتدب في ذي القعدة عام 1372ه قاضيا في ضرما وفي شعبان من العام الذي يليه نُدب للقضاء في محكمة الرياض.
ثم انتدب مع هيئة قضائية في حوطة بني تميم في رمضان 1374ه وكان بعد الدراسة في المعهد يُنتدب للقضاء في محكمة الرياض للعقارات، حيث استمر في هذا الندب وفي مزاولة التدريس والقضاء معا حيث كان هناك دوام بعد صلاة العصر حتى نهاية عام 1376ه، ثم عمل استاذاً بالقسم العالي في معهد إمام الدعوة الذي يخرج قضاة حتى تم ضمه إلى كلية الشريعة في الرياض، وانتقل إليها استاذا حتى 1385ه حيث استقل بالقضاء قاضياً بالمحكمة الكبرى بالرياض لمدة عشر سنوات، وكان خلال فترة التدريس مكلفاً بأعمال قضائية حيث كُلف بالقضاء في محكمة الرياض مرتين في العطلة الصيفية، واشترك في لجان قضائية وعلمية في العيينة والخرج وحوطة بني تميم، وعشيرة سدير إلى جانب خروجه لموقع النزاع في الأودية والمساييل لخبرته بها. وعمل عضوا في مجلس الأوقاف بالمنطقة الوسطى، وكلف بإنهاء عدد من قضايا الأوقاف للمناطق، واستمر فيه عضوا حتى توفي رحمه الله. وله حلقات تدريس في مسجده المسمى باسمه في حارة آل فهيد بالرياض بعد صلاة الظهر وقبل العشاء، يتخللها شرح وتعليق إضافة إلى الفتوى والإمامة والخطابة والوعظ والإرشاد وعقود الأنكحة وخدمة الناس في بيته مجانا لوجه الله تعالى لتوثيق مبايعاتهم والإصلاح بينهم وحل مشاكلهم.
وكان رحمه الله عالما بالفقه والفرائض والأدب والتاريخ والفلك، يشهد له مشايخه وزملاؤه وتلاميذه، واسع الاطلاع، أديباً يحفظ أخبار العرب والأدب والتاريخ، إذا سئل عن مسألة أجابها وأحال طالب العلم إلى مراجعها وإلى كلام أهل العلم فيها، وكان لطيفاً في مجالسه لا يمله مرافقه، وكان عدد من مجالسيه يحبون صحبته في أسفارهم يستمتعون بأدبه وحكمه، ويتميز بالنصح والورع والزهد عما في أيدي الناس والصلاح وعفة اللسان، له بعض الدورس الملخصة في الفقه والشعر، وله هذه الأبيات البلاغية في قصر السفر:
مسافة القصر لدى الحنابلة
أربعة من البريد كامله
قل ستة مع عشرها فراسخها
ثمانية وأربعين راسخا
ميلا وقدره من الأقدام
إثنا عشر ألفاً بلا إيهام
ستة آلاف ذراع أربعة
آلاف خطوة فخذ ما تسمعه
قد حرروا الذراع بالأصابع
أربعة عشرين عرض الواقع
فالأصبع المعتبر المعتدل
ست شعيرات بساطاً نقلوا
من شعر البرذوْن ستاً قدروا
فافهم ولا تغض الوصف إذ حرروا
بالميل هكذا يقول القاضي
والشيخ في المغنى حكاه راضي
والنووي قرره وابن حجر
في الفتح قال ذاك قولا مشتهر
أو اذرعْ آلافها والأربعة
تقديره بالباع ألفاً تسمعه
والأول الصحيح للأصحاب
والشافعي والمالكي في الباب
وقد زامل عدداً من المشايخ المشهورين منهم سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز وسماحة الشيخ عبدالله بن حميد وغيرهما من المشايخ المعروفين. توفي رحمه الله في العشرين من ذي القعدة عام 1403ه عن 78 عاماً غفر الله له وأسكنه فسيح جناته.
* في كتابه بعنوان «علماء نجد خلال ثمانية قرون» تناول الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن آل بسام شخصية الشيخ محمد بن مهيزع فقال عنه:
«آل مهيزع أسرة مفرقة في الرياض وعنيزة وحريملاء والاحساء، وهم يرجعون إلى قبيلة العرينات من سُبيع بضم السين، تصغير سُبع قبيلة عدنانية، مُضرية، وأصل قبيلة العُرينات التي منها هذه الأسرة من بلدة العطار فتفرقوا في هذه البلدان.
والشيخ محمد بن مهيزع من الأسرة التي تقيم في حريملاء عاصمة قرى الشعيب رحل إلى الرياض وقرأ على الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، كما قرأ على أخيه الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم آل الشيخ في الفرائض والنحو».
* وعن جوانب أخرى من حياته العلمية والعملية يحدثنا مُعاصره ورفيق دربه الشيخ المؤرخ سعد بن عبدالله الجنيدل فيقول:(2)
«الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مهيزع رحمه الله أحد العلماء المعروفين الذين لهم مكانتهم في مجتمعنا العلمي في المملكة العربية السعودية، عرفته رحمه الله في شبابه حينما تعين في أول منصب للقضاء تولاه، وكان ذلك في هجرة «عروى» المعروفة في عالية نجد وأقام في قضائها عشر سنوات، وكان رحمه الله عالما بالفقه متبحراً فيه، قوي الذاكرة في معلوماته، حاضر الذهن، وكان رحمه الله واعظاً وخطيباً، وكان يخطب في جامع الهجرة ويصلي فيه إماماً، وكان رحمه الله داعية إلى الله.
وإلى جانب ذلك كله كان رحمه الله آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، وكان رحمه الله غيورا في دين الله شديد الغيرة، وكان رحمه الله كريماً في علمه لمن يطلبه.. الله سبحانه وتعالى أعطاه شيئاً واسعاً من الوقت، واسعاً في هذه الهجرة وذلك لقلة القضايا التي تمر عليه في محكمتها لأنه في ذلك الوقت ليست هناك مشاكل تشغل كثيراً من وقته، وكان عنده متسع من الوقت رحمه الله يستقبل فيه المستفتي والباحث والقارئ والمسترشد، وكان ناصحاً للمجتمع ورفيقاً بالضعفاء رحمه الله وكان لين العريكة مع الضعفاء.
صفاته رحمه الله صفة العالم الورع الزاهد الرحيم، في هذه الفترة كان اخوتي ساكنين في عروى للتجارة، وهم أكبر مني سناً، وكانت والدتي تقضي عندهم بعض الوقت وأنا في الشعرا عند والدي، والمسافة بينهما حوالي 60 كيلومترا فكنت أذهب إلى عروى بين وقت وآخر لزيارة والدتي وكنت أقضي معظم وقتي بجانب الشيخ محمد رحمه الله في بيته وفي المسجد، وكانت له صلة قوية، صلة صداقة مع اخويّ اللذين كانا في عروى. وكانا يدعوانه احيانا إلى بيتهما لتناول القهوة. وكنت أجلس معهم في أي مكان سواء في المسجد أو في بيتهما رحمه الله وكانت جلساتي معه جلسات علم لأنني في ذلك الوقت كنت في حاجة إلى عالم اتعلم على يده واسترشد بآراِه ونصائحه، وكان رحمه الله يجود علي بهذا كله، بعلمه وتوجيهه رحمه الله ونصائحه، ونمت علاقة محبة قوية بيني وبينه من ذلك العهد إلى ان توفي رحمه الله في الرياض، وبعد هذه المدة التي قضاها في عروى نقل إلى قضاء المزاحمية ولم تطل مدة قضائه فيها بل انتقل إلى الرياض وفيها زاول أعمالاً كثيرة في القضاء في محكمة الرياض، وفي التدريس في معهد إمام الدعوة، وفي كلية الشريعة والتزم بإمامة مسجد في الرياض وكان يسمى باسمه، وكان رحمه الله يلقي دروساً على طريق العلماء المتقدمين في حلقة في مسجده رحمه الله على بعض الطلبة، وكان رحمه الله مواصلاً نشاطه العلمي في الوعظ وفي الإرشاد وفي الإفتاء وكذلك في التدريس، وكان شيخه محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله حين بعثه للقضاء منحه إجازة في القضاء وإجازة في الإفتاء وإجازة في الوعظ والدعوة، فكان رحمه الله يتمتع بهذه الميزات ويقوم رحمه الله بنشاطه الإسلامي بسعة صدر ورحابة بال وبإخلاص وتفانٍ، وكذلك له خدمات اجتماعية بعدما كان في الرياض رحمه الله كان الناس يأتونه في بيته وفي مسجده ليصدق لهم وثائقهم ويصدق على مبايعاتهم، فكل عمل له صلة بالأمور الشرعية في خدمة هذا المجتمع ولا يتأبى عنه رحمه الله تعالى مادام فيه خير وصالح للمسلمين.
وكنت استأثر اقامته في عروى إلى ان تيسر السفر إلى عروى اجمع الأسئلة الفقهية التي احتاج إلى اجابتها وهي بعض ما يعترضني أثناء قراءتي في كتب الفقه من القضايا التي لا أجد لها توضيحاً في الشروح، فأبعثها إليه رحمه الله فيجيبني عليها إجابة محررة ويكتب معها خطابا إلي ويرسلها وكنت استفيد منها فوائد كثيرة، ومع هذا يضمن كتابه بعض النصائح وفي آخر ما كتب إليّ بعثت إليه مجموعة من الأسئلة فأجابني عليها إجابة وافية محررة وكتب إليّ كتاباً ملأه بالنصائح والتوجيهات رحمه الله وبعد ان ختمه أضاف في أسفله بيتاً لا أنساه أبداً، ذلك البيت علق في ذهني من ذلك العهد إلى هذا اليوم وهو:
قد هيئوك لأمر لو فطنت له
فاربأ بنفسك ان ترعى مع الهمل
فكان هذا البيت بمثابة النصيحة وبمثابة الايقاظ لي لطلب العلم ومواصلة البحث ومواصلة الجهد، وكان رحمه الله أيضاً له اطلاع في الفلك ومنازل النجوم وكذلك في بعض الأشياء الأدبية.
فكانت جلستنا لم تكن دائماً محصورة في مجال كتب الفقه والشؤون الإسلامية، بل يتخللها أحياناً شيء من المُلَح الأدبية والثقافية والقضايا التي من شأنها ان توسع دائرة المعرفة في العلوم الشرعية، وكذلك في العلوم الأدبية والتاريخية التي تكمل الثقافية الإسلامية.
الشيخ محمد رحمه الله علم من الأعلام الذين كان لهم دور بارز ولاسيما بعد ان جاء إلى مدينة الرياض، كانت له شهرة رحمه الله في مجال العلم والقضاء وفي الإفتاء، يفتي في بيته وفي مسجده وفي التدريس رحمه الله وفي إمامة المسجد وفي التعليم في الحلق وفي الوعظ رحمه الله إلى ان توفي.
هذا موجز ما كنت أردت ان أقوله عن شيخي رحمه الله الذي أسبغ علي من فضله ومن جوده العلمي وأثّر فيّ تأثيراً واضحاً بعلمه وبآدابه وبتواضعه وبأخلاقه رحمه الله وكان إلى جانب ذلك كله منذ عرفته شابا في عروى إلى ان توفي، كثير الصلاة وكثير التهجد وحافظاً للقرآن رحمه الله متقناً له، وكان رحمه الله كثير القراءة وهذا ما يساعده رحمه الله على مواصلة جهده رحمه الله كثرة العبادة والاحتساب وحسن القصد ويجد في تواضعه ولطفه وشفقته على المسلمين».
وبعد:
فلابد من تصحيح ما ورد في كتاب الشيخ عبدالله آل بسام عن تاريخ وفاة الشيخ محمد بن مهيزع حيث أشار إلى انه توفي عام 1404ه في حين ان الصحيح ان الشيخ محمد بن عبدالعزيز توفي بالرياض فجر الأحد العشرين من شهر ذي القعدة عام 1403ه وفق ما نُشِر في مجلة الدعوة الصادرة بتاريخ 28/11/1403ه وفي جريدة الرياض بتاريخ 24/11/1403ه.
ولمعرفتي بالشيخ محمد بن مهيزع معرفة شخصية وثيقة وعلاقتي الوثيقة بأبنائه الأعزاء المشايخ عبدالعزيز وعبدالله وعبدالرحمن، وبخاصة الأستاذ عبدالله بن محمد المهيزع فهو من الأصدقاء ورفقة العمر الذي أعتز بصداقته وأخوته الحميمة.
* وقد امتاز الشيخ محمد بن مهيزع بالصراحة والحزم والزُهد والتسامح، وقضى مرحلة حياته الحافلة بالعطاء في سبيل خدمة دينة ومجتمعه ووطنه في ميدان التعليم والوعظ والقضاء والتوعية رحمه الله .
* من أقدم قضاة المحكمة الكبرى بالرياض.
الهوامش:
(1) حديث مسجل معه للبرنامج الإذاعي «رجال في الذاكرة» عام 1418ه.
(2) حديث مسجل معه على الشريط للبرنامج الإذاعي «رجال في الذاكرة» من إعداد المؤلف.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved