Wednesday 30th January,200210715العددالاربعاء 16 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

جنادرية التواصل
د.عبدالرحمن صالح العشماوي

من ابرز ملامح مهرجان الجنادرية هذا التواصل الجميل بين الناس، سواء أكان ذلك من خلال الحفلات الكبرى التي يلتقي فيها ولاة الامر بالمفكرين والمثقفين وضيوف المهرجان، ام كان من خلال الندوات الثقافية والفكرية التي يتداول فيها الحاضرون الآراء ويناقشون ما يطرح من الافكار، ام كان من خلال اقسام الجنادرية المختلفة التي تعرض صوراً لحياة ماضية حافلة بعاداتها وتقاليدها وادواتها التي كانت تستخدمها، ام كان ذلك من خلال اللقاءات والجلسات الجانبية التي تجري بين ضيوف المهرجان وابناء المملكة في أكثر من موقع.
إنه التواصل الذي يتيح لمن يحضر «مهرجان الجنادرية» فرص التعارف والمناقشة والمعرفة القريبة لكثير من مشاهير الادب والثقافة والفكر.
ولا شك أن هذا التواصل مهم جداً للامة بصفة عامة، ولنا نحن ابناء المملكة العربية السعودية بصفة خاصة، لانه يعرفنا بالآخرين عن قرب، ويعرف الآخرين بنا عن قرب ايضاً، ولا شك أن معرفة الانسان بالانسان عن قرب ذات أهمية كبيرة من جانبين: احدهما يتعلق بالمعرفة الفكرية والثقافية بالشخص مباشرة لتأكيد أو نفي صورة سابقة قد رسمت لذلك الشخص من قبل، وكم من صورة تختلف اختلافاً كبيراً حينما نقترب منها عما كان مرسوماً لها في اذهاننا حين كانت بعيدة عنا، وثانيهما يتعلق بتحقيق المناقشة المباشرة للانسان وهو ما يكفل ازالة كثير من الحواجز النفسية التي يبنيها تصور ذلك الانسان عن بعد.
ولان المملكة العربية السعودية ذات خصوصية ثقافية وفكرية لها اهميتها الكبرى في خارطة الثقافة العربية الإسلامية، والثقافة العالمية، فإن تواصل ولاة أمرها وعلمائها ومثقفيها ومفكريها مع غيرهم مهم جداً خاصة في هذا الوقت الذي تحتاج فيه الانسانية إلى ما ينقذها من ضلال الافكار واوهام الثقافات التي خرجت بالانسان من طريقه المستقيم «طريق الفطرة السليم» إلى طرق ملتوية جعلت الكرة الارضية تشقى بما يجري عليها اليوم من الظلم والاستبداد والتلاعب بحقوق الانسان، وتشويه معالم العدالة والانصاف.
ولا شك أن الجنادرية تحقق شيئاً من هذا التواصل المهم الذي اشرنا إليه. انها اسلوب من اساليب التوصيل للمبادئ والافكار، فهي تضطلع بدور اعلامي واضح يعرف الآخرين ببلادنا، ويطلعهم على ما لا يعرفون من اصالتها، وقيمها، مجتمعها الإسلامي المتماسك، ومن هنا تزداد أهمية الدقة في رسم خيوط التواصل مع الآخرين من خلال الجنادرية بما يتناسب مع رسالة المملكة الإسلامية في العالم أجمع.
ولا شك أيضاً أن الجنادرية تتميز عن كثير من المهرجانات التي تجري في العالم تميزا يجعلها الوحيدة عالمياً في مراعاة قيم الإسلام، وملامح الاصالة العربية التي تترقى عن بعض المظاهر التي تصادم الفطرة السليمة تحت شعارات الحرية، والتطور والتقدم، وهذا ما سمعته عشرات المرات من كثير من ضيوف الجنادرية من جنسيات مختلفة، ومن اصحاب اتجاهات مختلفة.
نعم.. الفطرة السليمة تظل متألقة وقادرة على مواجهة الانحراف مهما كانت قوته، ومهما كانت قناعات اصحابه، وهذا ما يرسم للجنادرية ملامحها الإسلامية العربية الاصيلة.
ولسنا هنا نزكي الجنادرية، وننفي عنها الاخطاء، فهي عمل بشري معرض للخطأ وبخاصة حينما نقيسها بمقاييس الأمل المناط بالمملكة وأهلها من قبل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ولكن العبرة بمجمل الرسالة الفكرية والثقافية التي تؤديها الجنادرية، فهي رسالة متميزة.
واذا كنا نؤمن بتفاوت أفكار الناس واتجاهاتهم الثقافية والفكرية فإن ذلك يدعونا إلى التسليم بتفاوت نياتهم واهدافهم، وان كنا لا نستطيع الاطلاع على ما في قلوبهم لأن ذلك أمر لا يعلمه إلا الله عز وجل.
ولكن مظاهر بعض الاشخاص قد تدل على ما في قلبه ونفسه من غبش تفيض به بعض كلماته وآرائه، وهنا يأتي دور علماء ومفكري ومثقفي المملكة في تلبيغ رسالتهم الدعوية السليمة من خلال المناقشة والحوار.
ولا نختلف على أهمية فرصة اللقاء والاجتماع التي تتحقق في مهرجان الجنادرية بأناس تحول بيننا وبينهم مسافات المكان والرؤية والفكر، وهي فرصة ثمينة لطرح ما لدينا على رجال لم يكن بعضهم يفكر اصلاً في زيارة المملكة حتى للحج أو العمرة، وأعني بذلك فئة من مفكري ومثقفي المسلمين البعيدين عن مناهل ثقافتنا الإسلامية، والمتشبعين حتى الاتخام بالثقافة الغربية، وقد صرح بعضهم بعد أن تحققت له زيارة المسجد الحرام للعمرة بأنه يشعر بسعادة غامرة لم يكن يتوقعها، وبأنه يعد الجنادرية نقطة فاصلة في حياته حيث اتاحت له ذلك مع أنه لم يكن يفكر في القيام بزيارة المسجد الحرام للعمرة ولا للحج.
وإذا كنا نشعر بالاسف الشديد لهذه النماذج المتغربة جداً من مثقفي المسلمين، فإننا نشعر بالسعادة أن يتحقق لهم الخروج من خندق الانحراف الثقافي والفكري، لأننا نفرح بهداية الانسان.
وفي عالم الادب والثقافة أيها القارئ الكريم عجائب من هذه النماذج التي عاشت حياة خاوية من قيم الإسلام، خالية من الحس الإسلامي والشعور بالانتماء الديني إلى الأمة وعقيدتها.
بل إن هنالك من الادباء والمثقفين من يستنكف أن يُنسب إلى الأمة الإسلامية، ويرى أن انتسابه إلى الثقافة الغربية، وعادات الغرب وسلوكه، هو التقدم والرقي، فهو ينظر من خلال ذلك إلى المملكة العربية السعودية وابنائها ومثقفيها نظرة «دونية» ويطلق عليهم صفات الرجعية والتخلف، وكثير من هؤلاء غيَّرَ هذه القناعات فعلاً بعد زيارته للمملكة ولقائه بعلمائها ومفكريها، ورؤيته لواقعها الذي يختلف عن الصورة السلبية المرسومة في ذهنه سابقاً.
وهنا يأتي دور المثقف والاديب السعودي الذي يجب أن يستشعر هذه الأمور ويعد اللقاء بضيوف الجنادرية فرصة كبيرة لتبليغ ما لديه من الخير، والا يكون ضحية الانبهار ببريق خادع في ثقافة مفكر جرفته ثقافات الغرب وافكاره عن ثقافتنا وفكرنا وصفاء ديننا، والا يكون متلقياً ساذجاً لثقافة اخرى غير سليمة، فيكون ممن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. ولا أعني هنا التقوقع وعدم توسعة دائرة المعرفة والثقافة، وانما أعني الانبهار والذوبان وهذا هو الداء الذي اصاب كثيراً من مثقفي المسلمين في هذا الزمان.
إن العالم اليوم بأمس الحاجة أكثر من الأمس إلى ثقافة واعية وادب سليم، وفكر مستقيم، وان الأمة الإسلامية اليوم بحاجة إلى ثبات ابنائها على الحق، وايمانهم القوي بدينهم وعقيدتهم فنحن الآن في مرحلة «المواجهة المعلنة» مع الآخر الذي يريد أن يمسح معالم شخصيتنا الإسلامية بكل ما اوتي من قوة إعلامية وعسكرية، وهيمنة اقتصادية وانتشار ثقافي.
لقد أعلنها «عبدالله بن عبدالعزيز» واضحة صريحة حين استضافته لضيوف المهرجان، بأن العقيدة الإسلامية هي السبيل الاوحد لاصلاح العالم، وان التمسك بها امر راسخ في ضمير الانسان المسلم وان المملكة العربية السعودية لا تقبل بحال من الاحوال المساومة على مبادئها وعقيدتها، وطالب بصورة واضحة صريحة المفكرين والمثقفين والادباء والاعلاميين المسلمين أن يكونوا على مستوى المسؤولية، وأن ينشروا من خلال فكرهم وادبهم مبادئ الإسلام واخلاقه وقيمه التي فيها صلاح البشرية كلها.
وبالاسلوب الواضح نفسه خاطب «نايف بن عبدالعزيز» هؤلاء المفكرين والمثقفين والادباء، وطالبهم باستشعار أهمية دور الانسان المسلم في هذا الوقت وفي كل وقت.
نعم.. أصبحت الأمور الآن أوضح من الشمس في رابعة النهار، ولذلك تصبح مسؤولية المفكر والمثقف والاديب والاعلامي مسؤولية كبرى في مناصرة الحق، وفي المنافحة عن الموقف السياسي الإسلامي المعلن بكل وضوح وصراحة من قبل المسؤولين في هذه البلاد المباركة. من هنا كانت الجنادرية ميداناً للتواصل، ومهرجاناً متميزاً بين المهرجانات التي تقام في مواقع كثيرة من العالم اليوم.
انها خصوصية هذه البلاد. وانه التميز الواضح لثقافتها وفكرها. على أن هنالك جانباً ايجابياً آخر يتمثل في فرصة اللقاء بعدد غير قليل من ضيوف الجنادرية المتميزين فكراً وثقافة وعلماً وخلقاً ممن لهم دورهم الكبير في عالمنا الإسلامي.
والجنادرية تشهد كل عام من هؤلاء الرجال ما يثلج الصدر من العلم النافع والفكر المضيء والموقف الإسلامي الواضح.
واخيراً..
تحية صادقة إلى اولئك الرجال الذين رأيناهم يبذلون جهوداً كبيرة لانجاح المهرجان وفي مقدمتهم سمو الأمير متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز ومعه من رجال مؤسسة الحرس الوطني العريقة د. عبدالرحمن السبيت والاستاذ فيصل المعمر ود. ابراهيم ابو عباة وغيرهم من الشباب العامل الطموح، بأدبهم الجم واخلاقهم الرفيعة، وحرصهم على اعطاء الصورة الافضل والاجمل.
وتحية لكل من اسهم في فعاليات هذا المهرجان الكبير فنقول:


ارضنا للعباد صدرٌ حنون
يا رعى الله كلَّ صدرٍ حنونِ

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved