استقطبت منطقة الخليج العربي في العصر الحديث اهتمام الدول الاستعمارية للسيطرة عليها نظراً لما يتسم به موقعها من طبيعة جغرافية ميزته عن جميع البحار الأخرى، وكان للبرتغاليين قصب السبق في الوصول إليها، تلاهم الهولنديون ثم الفرنسيون والبريطانيون، حتى نجحت بريطانيا في فرض حمايتها على المنطقة عن طريق معاهدات الحماية التي دخل فيها شيوخ الخليج في فترات زمنية مختلفة.
ومن بين الدول الاستعمارية التي سعت حثيثاً للوصول إلى الخليج روسيا التي حاولت جاهدة أن يكون لها موطىء قدم في المنطقة مقحمة نفسها في صراع مع بريطانيا وألمانيا وفرنسا لتحقيق أهدافها.
ويلاحظ ان الباحثين افاضوا في كتاباتهم حول التدخل الأوروبي في الخليج، غير أن الدول الاستعمارية الآسيوية وهي روسيا لم تحظ بذلك الاهتمام ولعل السبب في ذلك هي اللغة التي يندر من يعرفها في المنطقة وبالتالي يمكن من خلالهم نقل المؤلفات الروسية الى العربية، وكذلك الحصول على الوثائق الروسية التي تعاني حتى اليوم من صعوبة التواصل المطلوب بينها وبين الباحث العربي.
ولذلك جاءت دراسة «محاولات التدخل الروسي في الخليج العربي» في حد زمني من 1297 1325ه / 1880 1907م للدكتورة نادية وليد الدوسري والصادرة عن دارة الملك عبدالعزيز 1422ه، محاولة جادة من الباحثة لسد ثغرة في المكتبة العربية التي تعاني نقصاً حاداً وواضحاً في العلاقة الروسية بالمنطقة العربية ككل.
وقد قسمت الباحثة دراستها إلى خمسة فصول «اضافة إلى التمهيد والخاتمة، وجاء الفصل الأول بعنوان «النفوذ الروسي في بلاد فارس» تحدثت فيه المؤلفة عن النشاط السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي، مبرزة كل نشاط على حدة، موضحة ان روسيا اختارت فارس مجالاً لنشاطها بحكم الجوار الجغرافي وتكون قاعدة انطلاق وتوثب نحو المياه الدافئة.
اما الفصل الثاني فقد كان بعنوان «الاتصالات الروسية بمشايخ الخليج العربي وسلطنة مسقط» وفيه أوضحت المؤلفة جهود الروس للوصول إلى الساحل الغربي والجنوبي من الخليج تجارياً وثقافياً في البدء، والوسائل الأخرى التي بذلتها روسيا من أجل التودد وكسب موقف شيوخ المنطقة والذين كانوا بدورهم يحثون الخطى نحوها من أجل تخفيف الضغط عليهم من قبل البريطانيين.
وجاء الفصل الثالث بعنوان «النشاط الروسي في الكويت» وفيه فصلت المؤلفة عن زيارات الروس للكويت، وحرص روسيا على تنفيذ مشروعات اقتصادية فيها منها مد خط سكة حديد لمنافسة الخط الحديدي الألماني المقترح في حينه، وموقف بريطانيا من هذه التحركات.
وفي الفصل الرابع الذي خصصته المؤلفة للحديث عن محاولات روسيا الاتصال بمختلف القوى السياسية في نجد، ناقشت عملية الاتصال، وموقف الاطراف المعنية من هذا الاتصال.
وفي الفصل الخامس الذي حمل عنوان «الاتفاق الروسي البريطاني عام 1325ه/ 0907م فصلت الحديث عن موقف بريطانيا من نشاط روسيا في الخليج ثم محاولات التفاهم بين الدولتين وصولاً إلى اتفاق بطرسبرج عام 1325ه/1907م.
لقد بذلت الباحثة في اعداد دراستها جهداً مميزاً يتضح من كم المصادر التي اعتمدت عليها والتي حاولت جمعها من اماكن مختلفة.
ولاشك ان مثل هذه النماذج من الدراسات على درجة كبيرة من الأهمية لانها توضح العلاقة بين الخليج (بما فيها المملكة العربية السعودية) ودول العالم، وتوضح بعض الجوانب التي لا تكون واضحة لدى غير المتخصصين، كما أنها تفيد في التأسيس لبناء العلاقات وترسيخ بنيانها بين هذه الدول والدول الأخرى عندما تقدم الجوانب السلبية والجوانب الإيجابية.
والله ولي التوفيق..
|