* القاهرة مكتب الجزيرة عثمان أنور:
يساهم أدبنا العربي إلى حد كبير في تقديم صورتنا للخارج وينقل للغرب عاداتنا وتقاليدنا، ويكرس لديه مفاهيماً وصوراً شتى عن حياتنا وأوضاعنا وطريقة تفكيرنا.
وهذه الصورة التي يرسمها الأدب عبر طرق الترجمة قد تحمل تشويهاً للحقيقة وذلك في اطار الصورة المغلوطة عنا في وسائل الإعلام الغربية.
وهناك من يتهم الغرب بتقديم الأدب العربي المترجم الذي لا يحمل صورتنا الحقيقية عمداً، وهناك من يرفض ذلك مؤكداً أن ترجمة أدبنا العربي تخضع للأفراد المترجمين وليس هناك مؤامرة عامة ضده ولا يوجد تحالف غربي يفضل ترجمة رواية ما عن أخرى.
«الجزيرة» تلقي الضوء على هذه القضية التي اثارتها الأحداث الأخيرة التي يمر بها العالم عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر واعادتها من جديد إلى بؤرة الضوء.
تأثير واسع
قبل استطلاع آراء الأدباء والنقاد والمشتغلين بحقل الترجمة نود الاشارة إلى أن قضية ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأوروبية لها تأثيرها الكبير في قضايا الحوار العربي الأوروبي أو قضايا العلاقة الشائكة والمعقدة بين الأنا والآخر، فالترجمة عملية تتحقق في ساحة صياغة القيمة الأدبية، وترجمه أي عمل أدبي تضفي عليه قيمة اضافية، وفي هذه القيمة شيء موضوعي وآخر زائف، فالموضوعي هو أن الترجمة شهادة للعمل وللمترجم بأنه يستطيع أن يخاطب ثقافة أخرى وشعباً آخر، وأن العمل ينطوي على ما يتجاوز المحلي إلى الانساني، أما الزائف فهو يأتي إذا أخذنا في اعتبارنا عقد الدونية ازاء الغرب، وهي عقد لها أسبابها الموضوعية وإننا مازلنا باختيار هذا العمل المترجم ننظر إلى الغرب باعتباره صانع القيمة، وعلى ذلك فرغم كثرة الأعمال المترجمة إلى اللغات الأجنبية إلا أن هناك جهلاً واضحا هناك وهذا الجهل يعد من تجليات العلاقة غير المتوازنة بين الشرق والغرب.
وفي هذا السياق يؤكد الناقد والمترجم القدير الدكتور شوقي جلال ان الغرب عندما يقوم بترجمة الأدب العربي يقوم بذلك وبداخله شعور بأنه المتفوق ثقافياً، وبذلك لا يساهم في تحسين أو صياغة صورة العربي في العقل ويضيف د. جلال ان ترجمات الأدب العربي في الخارج تواجه من ناحية أخرى مشاكل كثيرة مثل مشاكل التمويل والتوزيع والاختيار والمشاكل المتعلقة بطبيعة اللغة العربية وميلها للإسهاب، ومشاكل تجاوز الحاجز الإعلامي، والواقع انه رغم ترجمة أعمال عديدة وتجاوزها لبعض المشكلات إلا أن الأدب العربي الحديث لم يصبح جزءاً من الثقافة العالمية ولم يفرض وجوده بعد على جمهور القراء العريض.
وحول حياد الترجمة يقول د. جلال انه لا توجد ترجمة بريئة لأن الترجمة أداة معرفية خطيرة للغاية وللفيلسوف الألماني «جوته» مقولة شهيرة هي أن «أي ثقافة تترجم ما تود أن تكتبه» فعندما نترجم نحن يكون ذلك لتنمية معارفنا، وعندما يترجم الغرب فإنه يترجم لتأكيد تصوراته ومفاهيمه تجاهنا.
بين المخاوف وتصحيح الصورة
يرى الأديب سليمان فياض وهو من أوائل الأدباء الذين ترجمت أعمالهم بالخارج روايته «أصوات» ان حركة ترجمة الأدب العربي في الخارج يشوبها الكثير من القصور وذلك لأن قنوات الاتصال مع المراكز الثقافية الأجنبية بالغة الضعف، وباستثناء نجيب محفوظ فإن ما يتم ترجمته شذرات تحكمها الصدفة والعلاقات العامة وبعيداً عن هذه الشذرات أنا لا أبرئ الغرب أن ترجمتهم للأدب العربي تشوبها بعض الشوائب وبالتأكيد لهم أهداف سياسية وفيهم من يكره العرب.
ويؤكد فياض أن هذه المخاوف ينبغي ألا تجعلنا نعترض علي ترجمة أدبنا العربي إلى اللغات العالمية فما دمنا قد نشرناها في بلادنا وفيها نقد لمجتمعاتنا فمن حق أي شعب آخر أن يترجم ما نشرناه.
وعن فكرة المؤامرة يقول: هذه الفكرة كانت صحيحة حتى عقدين أو ثلاثة عقود لكن جيلاً جديداً من المترجمين يوجد الآن ليس لديهم هذه النظرة الاستشراقية التي تبحث عن الغرائبي والعجيب داخل أسطورة الشرق، وقد نشأ هذا الجيل الجديد وهو يدرك تماماً أن الأدب العربي الحديث يدخل في سياق الأدب الانساني العام وليس من طراز ما يسمى بالغرائبية.
ومن جهته يرى الأديب سعيد الكفراوي أن أدبنا العربي ليس له تأثير يذكر في الخارج ومعظم أعمالنا المترجمة لاتباع هناك ونسب توزيعها قليلة جداً، والترجمة تقوم على العلاقات العامة والتسهيلات الثقافية ذات الصلة بالدوائر الثقافية الخارجية، كما أن هناك منظمات سرية تمارس عملها بدأب ونشاط لتصدير ما نراه من وجهة نظرها الضيقة ملائماً لمصالحها، وأعتقد أنه لا توجد قنوات طبيعية لترجمة الأدب العربي للغات الأجنبية اللّهم إلا المشروع الذي تقدمه الهيئة العامة للكتاب ومشروع الجامعة الأمريكية، وربما كانت ترجمات نجيب محفوظ هي أفضل ما قامت به الجامعة الأمريكية حتى الآن.
ويرفض الناقد ابراهيم فتحي نظرية المؤامرة من قبل الغرب مؤكداً أنه لا توجد مؤامرة من جانب الانجليز أو الفرنسيين أو الولايات المتحدة الأمريكية لتشويه الأدب العربي، والمسألة ان الترجمة إلى اللغات الغربية تخضع دائماً لاحتياجات السوق وتحيزاته وأهوائه، وماذا يستهلك ففي فترة نجد اهتماماً خاصاً بالمرأة الشرقية ويحبون أن يقرأوا عن هذا الكائن العجيب من وجهة نظرهم ولذلك فإن الطلب في السوق الغربي يزيد.
ويقول الناقد الأدبي أدوار الخراط ان ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأجنبية هو عمل قائم على حسب العمل المترجم وتفهمه وليس كما يشاع أنه تشوبه شوائب المصلحة والوساطة، ولا توجد دار نشر لها اسمها الكبير تقوم على ترجمة عمل أدبي لا قيمة له ولكن سوف تترجم الأعمال التي لها قيمة أدبية غير أن الأمر لا يخلو من اعتبارات أخرى لكاتب ضعيف القيمة ويتفق الدكتور محمد عناني الناقد والمترجم مع الرأي السابق مشيراً إلى أنه لا يستطيع أحد أن يجبر المترجم على ترجمة عمل هو غير مقتنع به، وقد تكون هناك مجالات واعتبارات شخصية إلا أن اقتناع المترجم وحبه للنص هو العنصر الحاسم في قرار الترجمة.
ويضيف عناني أن العوامل المادية من أهم العوامل التي تدفع المترجم لترجمة نص، وهناك مفارقات غريبة في هذا الأمر فالجامعة الأمريكية تدفع 20 ألف دولار للمترجم أي أكبر 65 مرة، مما تدفعه هيئة الكتاب «ألف جنيه فقط».
|