حينما بدأت مشكلة التوظيف تواجه الشباب السعودي، وبالذات حديثي التخرج، انبرى اعلامنا وكتابنا ومسؤولونا للدفاع عن هذه القضية وكالوا الاتهام للقطاع الخاص، بل وصل الامر بالبعض منهم الى ان شكك في مواطنة اصحاب الشركات والمؤسسات الذين لا يوظفون ابناء جلدتهم ووصفوهم بالعاقين والناكرين للجميل، الذي منحتهم اياه الدولة والمتمثل في الدعم والتسهيلات التي مكنتهم من الوصول الى ما وصلوا اليه، واتهموهم بالتخلي عن دورهم حينما جاءت الحاجة لهم.
في السنوات الاخيرة انعكست الآية، وبدأنا نلمس توجها مغايرا لذلك الذي صاحب ظهور المشكلة. حيث اخذ اولئك او اغلبهم يلقون اللوم على اولئك الشباب، ويتهمونهم بالدلال وعدم القدرة على تحمل المسؤولية وانهم غير جادين في الانخراط في مجالات العمل المتاحة. واخذ البعض يخلي ساحة الشركات والمؤسسات من المسؤولية ويرى انها ليست ضمانا اجتماعيا لإيواء هؤلاء وامثالهم وان عليهم كي يستحقوا الالتحاق بهذه الشركات ان يثبتوا انفسهم ويقفوا جنبا الى جنب مع اولئك الوافدين بل ويزيحوهم ويأخذوا مواقعهم في العمل.
كان آخر الامثلة على التوجه الاخير تلك الكلمات الافتتاحية التي جاءت ضمن لقاء التوظيف والسعودة، والذي عقد اخيرا بتنظيم من الغرفة التجارية الصناعية بالرياض وبمشاركة من الجمعية السعودية للادارة، وتحت رعاية معالي وزير العمل والشؤون الاجتماعية حيث تردد في تلك الكلمات ان المواطنة وحدها ليست حقا يكفل لصاحبه الوظيفة بغض النظر عن مؤهلاته وقدرته على القيام بتلك الوظيفة على الوجه المطلوب.
المتأمل يرى اننا خرجنا من رأي متطرف حين مناقشة القضية الى رأي متطرف آخر، وهذه هي مشكلتنا التي لم نستطع الخلاص منها عند مناقشة قضايانا، انتهينا من ذلك التوجه الذي يحمل الشركات والمؤسسات وحدها المسؤولية، الى توجه يبرئها ويلقي باللوم على الشباب وحدهم الذين يبدو ان عليهم ان يعدلوا المناهج ويغيروا العادات والتقاليد وطبائع المجتمع كي يكونوا جاهزين للعمل في القطاع الخاص.
ان علينا ان ندرك اننا لا نستطيع ان نحمل جهة دون اخرى مشكلة البطالة بين ابناء المجتمع، بدءا من الجهات المسؤولة عن التعليم بمراحله المختلفة ومرورا بمؤسسات المجتمع الاعلامية والاجتماعية وانتهاء بالشباب ومؤسسات القطاع الخاص. وانه من الظلم ان نلقي باللوم على جهة دون اخرى كما كان الاتجاه سابقا وحاليا. الا انه من المهم ان ندرك وبالذات مع التوجه الاخير المتمثل في تحميل الشباب المسؤولية ان علينا كمجتمع بمؤسساته العامة والخاصة واجهزته التربوية والتعليمية مسؤولية كبيرة في هذا الاتجاه. والاهم من كل ذلك ان تدرك مؤسسات القطاع الخاص ويدرك المسؤولون والمهتمون بأمر السعودة ان «للشماغ» الحق في التوظيف متى ما توفر للابسها الحد الادنى من المؤهلات، التي تمكنه من ان يضع رجله على سلم الوظيفة، وهذه القناعة يجب الا تأتي فقط من اجل «عيون» من يرتدي هذه الشماغ، ولكن لاننا امام قضية محورها الشاب السعودي الذي لا نريده ان يصبح مثل الكرة، كل يقذف بها في اتجاه مختلف، لان ذلك ان استمر فإن الضرر لن يقتصر على الكرة نفسها بل انه سيشمل الجميع بمن فيهم اصحاب شركات ومؤسسات القطاع الخاص. باختصار ولكي اكون مفهوما اكثر فاننا امام قضية تحتاج من الجميع تقديم بعض التنازلات للمساهمة في حلها.
|