Wednesday 30th January,200210715العددالاربعاء 16 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

رحل ابن جبير ولم يرحل ذكره الطيب
د. عبد اللّه بن محمد الشهري

تتوالى الأحزان ويعظم الخطب على فراق أعلام الأمة وقادة فكرها وفقد الشيخ الجليل محمد بن إبراهيم بن جبير رئيس مجلس الشورى ثلم في بناء أمتنا الشامخ الذي اعتلى على أكتاف رجال عظماء في الخلق والفكر والحكمة والعلم، رحم اللّه ابن جبير وأدخله فسيح جناته فقد اختاره اللّه إلى جواره ولكنه معنا بذكره الطيب الذي صنعه في حياته وصدق الشاعر إذ يقول:


ارفع لنفسك بعد موتك ذكرها
فالذكر للإنسان عمر ثاني

لقد سمعت عن الشيخ الكثير ممن عرفوه عن قرب وعملوا معه وعند تعييني عضوا في مجلس الشورى كنت اسأل كل من ألقاه من أعضاء المجلس السابقين عن الشيخ وأسلوب عمله والتعامل معه فكان كل يجيب إجابة مقتضبة تنم عن الود والحب الصادق الذي يكنه كل من عرفه له: الشيخ خلوق، الشيخ محترم جدا، الشيخ فطن، الشيخ لطيف، الشيخ غزير العلم، الشيخ ذو حلم وأناة، الشيخ متواضع، وغيرها من صفات عز أن تجتمع في رجل واحد، وبعد تعاملي معه في المجلس ومعرفته عن قرب أيقنت أن الشيخ أكبر من كل ما قيل، إنه يجسد صفات العلماء النابغين والعاملين المنتجين، حازم في غير شدة، ولطيف في غير ضعف، غزير العلم متقد البديهة، منفتح على شتى مناحي الحياة، يفرض احترامه وحبه على من يقابله من أول وهلة .
يقابله الزائر فتأسره تلك الابتسامة الهادئة ويأسره ذلك التواضع المرصع بالوقار والهيبة ثم يشد انتباه جليسه إليه لطف الحديث وطيب الكلام وغزارة العلم وسعة الاطلاع وعمق المعرفة والدراية بالأمور العامة والخاصة، يحس من يقابله لأول مرة أنه يعرفه منذ زمن بعيد، ويشعر من ابتسامته التي لا تفارق محياه ونظراته الهادئة أنه مستأنس لجلوسه وحديثه، وأنه لا يشغله عنه شاغل مع أن أعمال الشيخ كثيرة وارتباطاته جمة والأعباء الملقاة على عاتقه ينوء بها العصبة أولو القوة من الرجال .
في مجلس الشورى تطرح قضايا كثيرة للنقاش ويطلب كثير من الأعضاء الفرص للمداخلة حتى أن بعض أعضاء المجلس يضيق به المكان ويرسل اقتراحا للشيخ لإيقاف النقاش ولكن بكل حب واحترام لآراء الآخرين يتحمل الشيخ كثرة المداخلات وطولها وتشعبها ويفسح المجال للجميع للإدلاء بآرائهم وهو يستمع وينصت بكل وقار كما لو أنه يتعلم ، وهو يعلم بحنكته وفطنته خاتمة الأمور قبل بدئها .
إن سئل عن أمر أفتى فيه بعلم وشرحه بوضوح لا يقبل اللبس، وإن عرض عليه اقتراح لم يبت فيه وعرضه على المجلس للنقاش والتقرير، مع أن بإمكانه أن يبت فيه من أول وهلة دون اعتراض من أحد، ولكن كان يحترم الأنظمة المطبقة ويحترم الأشخاص الذين يعمل معهم فلا يبت في أمر لا يوجد له تنظيم إلا بالمشورة والرأي وبهذا أصل مبدأ الشورى بالقول والعمل .
لقد كرس الشيخ كل حياته حتى آخر لحظة لخدمة دينه ووطنه في تواضع وحنكة واقتدار، تولى مهام كباراً فلم يعي بها، وكلف بأعمال أقل منها فلم يستصغرها وعمل مع شتى فئات المجتمع فكسب احترامها وودها بإحسانه وكرمه وهدوئه وتطبعه بطباع العلماء الأتقياء .
لقد كان فقد الشيخ محمد بن جبير خسارة فادحة وخطباً جللاً:


كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
فليس لعين لم يفض ماؤها عذر

نسأل اللّه أن يعيضه في حياته الجنة وأن يعيض بلدنا في فقده خيرا، وأن يوفق قيادتنا الرشيدة للاستعانة بأمثال الشيخ ابن جبير فإن قيادة فيها أمثاله لن يجانبها الصواب ولن يعز عليها مجابهة الصعاب والنوائب بكل عزة واقتدار .
* عضو مجلس الشورى

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved