قد سمى اللّه سبحانه وتعالى الموت في كتابه العزيز «مصيبة» فقال عز شأنه { إنً أّّنتٍمً ضّرّبًتٍمً فٌي الأّّرًضٌ فّأّّصّابّتًكٍم مٍَصٌيبّةٍ پًمّوًتٌ} [المائدة: 106
وهذا دليل على اعتبار الأمر الشديد الذي ينعكس على النفوس عندما يحل بها مصاب الموت بفقدان عزيز، والموت لا شك سنة اللّه في خلقه ولن تجد لسنة اللّه تحويلا ولن تجد لسنة اللّه تبديلا، لكن يظل مصاب الموت يمثل خسارة كبيرة خصوصاً لأولئك الذين تخلو الساحة من بعدهم فيتركون فراغاً كبيراً لأمتهم ووطنهم ومجتمعهم .
وليس بالأمر اليسير على امرئ يلوذ قلبه في الحب والتبجيل لشيخ فاضل جليل كان بالأمس ملء السمع والبصر، فيصحو على خبر ينقل إليه موت هذا الشيخ الفاضل، فلا يكافئه بحبه حباً، ولا بتبجيله تبجيلا، وهذا هو شأننا ومصابنا، فبعد رحلة طويلة من البذل والعطاء حافلة بالإنجازات والحركة النشطة الدؤوبة التي لا تعرف الملل أو الكلل شهدتها أروقة دور القضاء، وديوان المظالم، ووزارة العدل وأخيرا مجلس الشورى الذي ترأسه منذ عام 1414ه بعد تحديث نظامه وإعادة تشكيله، فكان مسك الختام لهذه الرحلة الطويلة.
وفي كل تلك المحطات من طريق الرحلة الطويلة التي عبرها هذا الرحالة الكبير كان هدفه وغايته ومرامه بناء لبنات من العمل الجاد المتكامل تضاف لصروح هذا الوطن الشامخ، وبعد هذا المشوار الطويل لهذه الرحلات المتعددة المتميزة بسخاء البذل وجل العطاء رحل عنا في هدوء معالي فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم بن جبير رئيس مجلس الشورى رحمه الله رحل إلى دار البقاء راضياً مرضياً بعد أن اطمأن أنه سوف يلقى وجه رب العزة والجلال بإذن اللّه باسماً لسيرته الحسنة وعطائه المتواصل بغير انقطاع وضاربا المثل والقدوة الحسنة للإنسان الصالح الصادق مع ربه ثم مع نفسه ومع الناس. ورجل هذه الرحلة الأمين والمثابر والساعي للنجاح سلك الطريق منذ بداية المشوار خطوة خطوة دون قفز أو تعجل.
وكان رجل السماحة وطيب المعشر وسعة الصدر الذي يحمل القلب الكبير كما وصفه ذات مرة في نقاش لأحد الزملاء معه بأنه في حجم رقعة الربع الخالي، وإذا كان رحيل فضيلة الشيخ محمد بن جبير قد أصاب أبناءه وذويه ومحبيه بالخسارة الفادحة، فإن المصاب أكبر لدى القيادة والوطن كما هو لدى عارفيه في كافة القطاعات التي عمل بها أثناء رحلته وعلى الأخص لدى زملائه من أعضاء ومنسوبي مجلس الشورى الذين لا يقل مصابهم فداحة عما أصاب ذويه ووطنه، فلقد كان الفقيد الكبير رحمه الله معلما للكثير ممن عملوا وتعاملوا معه، فلقد تعلموا منه فنون العمل الواسع الآفاق الذي ليس له حدود تحده إلا حدود القيم والأمانة والنزاهة، أما عن دوره الأخير في مجلس الشورى في ظل تحديث مجلس الشورى في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز أمد اللّه في عمره، فقد بذل الكثير من وقته وجهده وفكره لتأسيس البنية الأساسية لمنهجية العمل في هذا الصرح، ساهم في لقاءات كثيرة ومتعددة مع رجال مجالس الشورى والأمة في مختلف بلدان العالم، وحضر جانباً كبيراً من اجتماعات اتحاد البرلمان العربي والدولي، واستقبل الكثير في مقر المجلس، كان يعطي للجميع دروساً وعبراً لا تنسى عن اهتمامات الدين الإسلامي الحنيف بالمسيرة الشورية التي نادى بها منذ ما يربو على أربعة عشر قرناً فأكثر، ساهم بدور بارز وكبير في منظومة الأنظمة التي صدرت من قبل وأهمها: نظام الحكم، ونظام المقاطعات، ونظام مجلس الشورى.. إلى غير ذلك الكثير مما يضيق المجال لحصره.
نبتهل إلى الله العلي القدير أن يرحم أبا خالد الشيخ محمد بن جبير ويحشره في زمرة عباده الصالحين وحسن أولئك رفيقا، فلقد كان بحق معلم خير وباذلاً معروفاً وصانع إحسان ويدا بارة على من حوله، ولعلي في هذه العجالة اقترح على رئاسة مجلس الشورى السعي إلى إطلاق اسم الراحل على القاعة المسماة رقم «1» التي تعقد فيها جلسات المجلس الأسبوعية تخليدا لذكره ووفاء له داخل أروقة المجلس، والرجاء موصول إلى أمانة مدينة الرياض بإطلاق اسمه على الشارع الرئيسي الذي يقع عليه مقر مجلس الشورى.
و«إنا لله وإنا إليه راجعون»..
*عضو مجلس الشورى |