Wednesday 30th January,200210715العددالاربعاء 16 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

سهولة اللفظ وفهم الحال.. سبب في وقع الكلمة

الطرح التشويقي كتابيا كان او مقاليا يرقى بالكلمة إلى اريكة حق الكلمة التي تتبوأها ويرضاها لها اربابها وعشاقها، وهي تنبىء عما يكنه فؤاد الانسان تجاه الكلمة وما لها من قيمة عالقة بيده كاتبا، او بلسانه محدثاً او بفؤاده حافظاً، ويدفع لذلك امانة الضمير، ونزاهة الفكر، ونقاء المعتقد، وفهم الواقع، وانعدام ذلك سبب في غوائل الكلمة، وإزهاق روح معناها، وبالتالي إبعادها عن مسارها، واجهاضها عن استقرارها في موقعها، ولهذا كم غيل من كلمة لما سُلَّت من موقعها الحقيقي وضُرِبَ بها الحق، وارتفعت بها عقيرة الباطل، وجعلت لقمة يلوك بها فاه السوقة، وهؤلاء لو قدر للكلمة أن تتحول من حال إلى حال لكانت سما زعافا في أفواههم، وغرغرينة تدب في أيديهم.. فلله الشكوى وعنده الموعد.
فقد سحروا عقول الناس واسترهبوهم بجميل الكلمة والعبارة، وفي طيها الشر وعموم المكاره، تشدقوا بها ليقال مثقفون، وهم حقيقة اجهل الناس اجمعين، حالهم استخفاف بعقول الخلق بما يطرح ويقال، وضحك على الساذح من النساء والاحمق من الرجال، وقلب لحقائق ارتضاها ربنا المتعالي، ولكن لا ضير (فأما الزبد فيذهب جفاء) ومصيره الزوال ، فإلى الله الملجأ واليه المآل. غاصوا اعماق المحيط نبشاً عن غريب العبارات. فصفصفوها لتكون أشد تأثيراً من عقد النفاثات وسطروها حقاً ظاهراً وفي مكنونها الويلات، وأظهروها قواماً ممشوقاً وجوهرها علل وعاهات، عبَّدوها طريقا مستقيما وحقيقته تعرج والتواءات، ولكن لا ضير (يمكرون ويمكر الله) وبالله نستمسك ومنه الثبات، هانت عليهم نفوسهم ورخصت عقولهم فباعوا الضمائر، وعلت عيونهم غشاوة الباطل فعموا البصر والبصائر، تخبطوا في ظلمات الصدود فواحدهم في نفسه حائر، شقوا سبيل التيه فتنكبوا الخساءة والخسائر، ولكن لا ضير (ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) وموعدهم يوم تتفتق فيه السرائر، كتبوا وتحدثوا فجاروا وحول الحمى حاموا، صاح بهم ابليس فلبوا فما ساعة عنه قاموا، وسهروا في خدمته فما ليلة عنه ناموا، عاهدوه على الغواية وعلى وجوههم هاموا، شرابهم وطعامهم الفحش والرذيلة وعن الحق صاموا، ولكن لا ضير «ان عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وان جهنم لموعدهم اجمعين» فبالله نستجير ونلوذ ونعوذ وموعدهم «ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها».
وهؤلاء لو علموا بحقيقة انفسهم وما يقدمون عليه وما ينتظرهم لأحجموا عن غيهم ولكان السكوت والكف خيراً لهم.
ما كل نطق له جواب
جواب ما يكره السكوت
والنصيحة لهؤلاء ان يسبحوا بخيال فكرهم في خلوة سويعة مع قول الله «يوم تشهد عليهم ألسنتهم وايديهم وارجلهم بما كانوا يعملون» ومع حديث ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وان العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم. وفي لفظ «يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب هذا حال من قال دون اصرار فما الظن بحال من فكر وقال وكتب وهو يعي ويهدف إلى ما يقول فما عساه أن يفعل. ومن الله السلامة مطلبنا» ولنا ولهؤلاء نسأل الله الهداية والرشاد. والكلام عن هذه الفئة يطول.
والذي يلزمنا الافصاح عنه وخط القلم به هو حال الكلمة وجميل العبارة مع حاملي الامانة والراقين بها إلى عتبات الوضاءة والصدق، مع هؤلاء الذين اذا تحدث احدهم فاذا الكلمات والعبارات تقاسيم تتراقص على اوتار لسانه، وترانيم تتهادى معها شفتاه، الصدق دافعها ومدفعها، والحب والحرص جناحاها، وقلوب الناس مستقرها ومستودعها، واذا كتب احدهم فحبر القلم الذهب مداده، والرصانة والسبك زناده، والامانة والصدق والخوف من الله عدته وعتاده، كلماته وعباراته على اسطرها كزهر في بساتين خضراء، او كنقش حناء على كف جميلة حسناء، وقلوب الناس ظلها ورسمها. نقف مع هؤلاء العمالقة وقفة تحية واعجاب، دافعها الصدق والاكبار فنقول:
إن ما تقومون به رسالة عظيمة، فقد من الله عليكم أن الهمكم واعطاكم، فتبوأتم بذلك كله منبر الكلمة تحدثاً وكتابة وكان لكم من الاثر العجيب على امتكم ما استخرجتم به جميل الدعاء وجزيل الثناء من قلوب الناس لكم. وشتان بين من يدعى عليه ويدعى له، نعم لقد تعبتم فنلتم، عرفتم قيمة الوقت فقتلتموه بحثاً واطلاعاً وتتبعاً واستقراء، فكان لكم ما أردتم وتمنيتم والله لا يضيع اجر من احسن عملا، ولكن ينبغي ان ندرك بان الله تفرد بالكمال وحده، والعصمة لرسله، ومن سواهم فهم عرضة للنقص ولو ارادوا الكمال، ولعل ما اورده هنا من ملحظ هو قطرة في بحار جميل عطائكم، وذرة في فسيح بذلكم، وليس مثلي من يقوِّم امثالكم ويرشد، فما مثلي ومثلكم الا كنجم خفت ضوؤه بضوء القمر، وكاتب هذه السطور عفا الله عنه احوج ما يكون للتقويم والتوجيه فاقول مستعيناً بالله:
إن بعض المتحدثين او الكتاب يعمد احيانا إلى التقعر في عباراته والغوص في اعماق القواميس بحثاً عن كلمة لم يسمع بها من سمعها او قرأها مع العلم بوجود رديف لها يعرفه الناس ويتداولونه بينهم مغفلاً أحدهم حال من يسمع منه او يقرأ له وهذا خطأ.
لان من يتحدث او يكتب فهو حقيقة يخاطب ويكتب لعامة الناس متعلمهم وغيره، ومثقفهم وضده، ولذا كان الأولى أن يكون الحديث والكتابة في هذه الحال نازلا إلى عقول الناس باختلاف طبقاتهم، ويؤخذ في عين الاعتبار أدنى الناس تحصيلاً ويكن الخطاب له، لان من فوقه في التحصيل والثقافة سيفهم ذلك، اما اذا رفعنا النفس إلى مخاطبة ومكاتبة طبقة تعلوهم (ادنى الناس) فنكون قد ظلمنا هؤلاء بعدم نزولنا اليهم وفهمهم لنا أما اذا كان الحديث والكتابة لطبقة معينة يعرفها المتحدث والكاتب وكان ذلك في منتدى او ناد وما شابهه فلتكن الحال موافقة للموقف والاستعداد للذين امامه. بل حتى ومن الطبقة المثقفة من يمج التكلف والتقعر المذموم ولا يحبذه، بل وينتقد صاحبه، ولو عدنا للوراء قليلاً لوجدنا اصحاب اللغة كيف كان تذمرهم ممن يتقعر ويأتي بالغريب.
مثال ذلك ما قاله أبو علقمة لحجامه: اشدد قصيب الملازم (1)، وارهف ظباة المشرط (2)، وامر المسح، واستنجل الرشح (3) وخفف الوطء، وعجل النزع، ولا تكرهن ابيا، ولا تمنعن اتيا فقال الحجام، ليس لي علم بالحروب، ورأي الناس اجتمعوا عليه فقال: ما لكم تكأكأتم علي كأنكم قد تكأكأتم على ذي جنة افرنقعوا (4) عني.
وذكر محمد بن المغازل الضبي عن ابيه قال: كان لنا جار بالكوفة لا يتكلم إلا بالغريب فخرج إلى ضيعة له على حجر (5) معها مهر فافلتت فذهبت ومعها مهرها فخرج يسأل عنها فمر بخياط فقال يا ذا النصاح (6)، وذات السم (7) الطاعن بها في غير وغى، لغير عدى. هل رأيت الخيفانة القباء (8) يتبعها الحاسن المسرهف (9) كأن غرته القمر الأزهر. ينير في خضرة كالخلب الاجرد.. فقال الخياط اطلبها في تزلخ (10) فقال ويلك وما تقول قبحك الله فما اعلم وطانتك فقال لعن الله ابغضنا لفظاً واخطأنا منطقاً.
هذه بعض الامثلة وان كنا ولله الحمد لم نصل إلى ما كان عليه ابو علقمة وغيره. ولكننا نجد من بعض المتحدثين او الكتاب ما يصرف الانسان عنهم بسبب ما يجده من صعوبة فيما يسمع او يقرأ. ومقام الحديث او الكتابة ليس مقام فرد العضلات اللغوية بقدر ما هو فن في الالقاء او الكتابة يجذب الناس بالاسلوب السهل ويوصل المعلومة ويحقق ما اراد صاحبه من حديث او كتابة.
ومن المهم كما اسلفنا فهم المتحدث او الكاتب لاحوال من امامه من حيث الطبيعة والثقافة والتحصيل ولقد كان هذا هو هدي محمد صلى الله عليه وسلم في كتاباته. فلما اراد ان يكتب إلى اهل فارس كتب اليهم: من محمد رسول الله إلى كسرى ابرويز عظيم فارس: سلام على ما اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله. فادعوك بداعية الله فاني انا رسول الله إلى الخلق كافة لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم فان أبيت فاثم المجوس عليك.
ولما اراد ان يكتب إلى قوم من العرب فخم اللفظ واجزل فكتب لوائل بن حجر الحضرمي: من محمد رسول الله إلى الاقيال العباهلة من اهل حضرموت باقام الصلاة وايتاء الزكاة. على التبعة الشاه والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس لا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار ومن اجبى فقد اربى وكل مسكر حرام.
ولنا بمنهجه صلى الله عليه وسلم قدوة من حيث التعاليم مع الآخرين. فها هو يباين في تعامله وقوله بين فئتين احداهما صعب عليها فهم الجزيل من العبارة فنزل اليهم والاخرى اجزل العبارة عند حديثه معهه لقوة بيانها وجزيل عبارتها فارتفع اليها.
وهذا الذي ينبغي أن يكون من متحدثينا وكتبنا لعموم أمتنا والله من وراء القصد.

ابراهيم بن عبدالله العمر
إدارة تعليم الرياض مركز الروضة
مدير متوسطة حجر اليمامة الاهلية
1 خشبتان تشد اوساطهما بحديدة
2 حد مبضع الحجام
3 استخرجه
4 مالكم اجتمعتم هيا اذهبوا
5 الانثى من الخيل
6 الخياط
7 الابرة ذات الثقب
8 الناقة السريعة دقيقة الخصر ضامرة البطن
9 أحسنت غذاءه وطعامه
10 أراد التهكم به

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved