قلة من السعوديين وأنا واحد منهم لم تتهيأ لهم الفرصة لزيارة معظم مدن المملكة ومناطقها لأسباب مختلفة، منها عدم وجود برامج تنظم رحلات لزيارة مدن ومناطق بلادنا، إذا استثنينا مكة المكرمة التي تشد لها الرحال للحج والعمرة. وغالباً فإن زائر هذه المدينة المقدسة لا يعرف عنها سوى الحرم الشريف والمشاعر المقدسة، ولا يعرف عن مكة المدينة ومعالمها التاريخية والسياحية أي شيء.
فإذا كانت هذه حال المواطن مع أقدس بقاع الأرض الموجودة بفضل الله وحمده في وطنه، فماذا تكون حاله مع بقية مدن المملكة ومناطقها الواسعة، واعترف بأن هذا قصور نشترك فيه كأفراد مع الجهات المعنية بتنظيم رحلات إلى المدن والمناطق السعودية، ولو من باب رحلات أعرف وطنك.
والأمل الآن معقود على الهيئة العليا للسياحة التي لا يخامرني شك في أنها تداركت هذا القصور، ووضعت الاهتمام به ضمن استراتيجيتها التي أوشكت على الانتهاء من وضعها كما صرح بذلك سمو أمينها العام الأمير سلطان بن سلمان، الذي نرى في طموحه ما يجسد طموحنا جميعاً نحو مستقبل بلد يفتح ذراعيه لأبنائه لمعرفته أكثر من خلال نافذة أو بوابة السياحة الداخلية.
في يوم الثلاثاء 15/11/1422ه زرت الجنادرية بنية السياحة في أرجاء وطني حيث هناك يقبع الوطن كله بتراثه وأهله وتاريخه و تنوع عمرانه. كل هذا في قرية الجنادرية عاصمة الثقافة والتراث السعودية. وهي زيارة على قدر عظيم من الأهمية والفائدة، إذ يمكن خلال يوم واحد أو يومين لكل مواطن أن يرى كل أرجاء وطنه دونما كثير عناء.
وإن تعجب فعجب أنك في هذه القرية العاصمة تجد خلال هذه السياحة السريعة نفسك تنتقل من منطقة إلى أخرى، وتنتقل من عصر إلى آخر ما بين الماضي الموغل في القدم، إلى الحديث المتناهي في المعاصرة. إنها وقفات تدعو حقاً إلى التأمل. ليس سهلاً أو يسيراً على أي منا أن يقرأ تاريخاً في سفر واحد، أو أسفار متعددة، خاصة إذا كان تاريخ بلد تعود جذوره التاريخية إلى عشرات آلاف السنين، ولكن في الجنادرية يمكنك أن تقرأه حياً خلال يوم واحد أو يومين.
بدأت زيارتي بقرية عسير حيث كنت هناك على موعد مع بعض الإخوة. تناولنا وجبة غداء في واحد من قصور عسير التراثية وجبة عسيرية تقليدية متعددة الأطباق الدسمة يساعد جو شهر يناير في هضمها. شاهدت من عروض منطقة عسير لون (القزوعي) من محافظة ظهران الجنوب أقصى محافظة على حدودنا الجنوبية. ورقصة القزوعي لون جميل لا تصاحبه أية آلة موسيقية، ولكنه يؤدى بشكل إيقاعي رائع على أصوات المشاركين في الرقصة. كما شاهدت في نفس قرية عسير رقصة «الدمة» والرنجة أو الخطوة تؤديها فرقة من رجال ألمع في تهامة عسير، والأولى رقصة حرب وما أكثر ما ألهبت حماس المواطنين في حروبهم فكانت سبباً في هزيمة الخصوم من خارج البلاد في القرن التاسع عشر. أما الرقصة الثانية فإنها رقصة فيها رقة ونعومة، تؤدى في أوقات السلم والأفراح والأنس أدامها الله على بلادنا .
كان التلفزيون القناة الأولى على موعد لنقل شيء من فعاليات قرية عسير التراثية والفنية والثقافية حية على الهواء، وطلب مني معدو برنامج البث ومن زميلي في مجلس الشورى الأخ الدكتور سعود المتحمي المشاركة في البرنامج كضيوف نتحدث عن جوانب من فعاليات مهرجان الجنادرية. وأصر القائمون على البرنامج على ضرورة المشاركة. وبما أن هذا مهرجان كلنا شركاء فيه، فقد آثرت تلبية رغبة الإخوان، ولكن ضعف الإمكانات البشرية المعدة لهذا البرنامج الحي، وضعف الإمكانات الإعلامية المتمثلة في نقلهم البث المباشر من سيارة قديمة لوزارة الإعلام تغري محبي التاريخ وجامعي القطع القديمة مثلي باقتنائها، إذا ما عرضت للبيع، وذلك لأنها تعطي الانطباع بأنها تعود إلى أيام السنة الأولى من البث التلفزيوني حينما كان أبيض وأسود. ودعوت لفريق العمل بالصبر والتحمل على أداء عملهم بهذه الوسيلة العتيقة. ثم ظهر هناك عيب إعلامي آخر يتمثل هذه المرة في ضعف إمكانيات الطاقم البشري كثير العدد قليل الخبرة فيما يقومون به، إضافة إلى ما يبدو عليهم من عدم الانسجام فيما بينهم، مما أفسد عليهم عملهم وتقديمه مشوباً بقصور واضح. وفن إعداد العمل التلفزيوني المباشر وتقديمه وإخراجه فن جديد يحتاج تدريباً طويلاً ولا يتقنه مثل ذلك الطاقم الذي تقع على وزارة الإعلام مسؤولية إعدادهم بالتدريب وبشيء من الانضباط. فالبث المباشر يشاهده كل العالم، وليس المشاهد السعودي وحده، حتى المشاهد السعودي من حقه أن يشاهد عملاً متقناً.
من قرية عسير بدأت سياحتي في القرى الأخرى وما بينها من مراكز حضارية تعكس تطور المؤسسات الحكومية والأهلية منذ البدايات الأولى لنشأتها.
كانت محطتي الأولى خيمة وزارة المعارف، وهي خيمة عصرية تضم معارض مختلفة لمناطق المملكة التعليمية، حيث زرت جناح مدينة عنيزة، ورأيت به صوراً ووثائق قديمة تعود إلى البدايات الأولى للتعليم في العهد السعودي الزاهر في باريس نجد. ومن عنيزة إلى الأحساء حيث شاهدت هناك ملامح من ماضي التعليم وحاضره في حاضرة حواضر ساحلنا الشرقي. ثم عرجت على منطقة الزلفي، وشاهدت عرضاً بالصور والوثائق عن مسيرة التعليم من مدارس الطين في المساجد والكتاتيب إلى أحدث طراز تبنته وزارة المعارف في بناء مدارسها. دخلت معارض للمناهج والوسائل التعليمية، فسمعت شروحاً مبشرة من شباب كله تطلع إلى تعليم أفضل لأبناء عصر يرنو إلى مستقبل زاهر يحققون فيه أحلامهم ووسيلتهم العلم والتقنية الحديثة.
ثم شدني عرض مسرحي يؤديه شباب صغار من منطقة النماص التعليمية، وعروض أخرى، وقصائد مطولة يؤديها شاب صغير عن فلسطين، وجدت المسرح داخل الخيمة يغص بالنظارة يشاهدون عروض أولئك الفتية الذين تقرأ بشائر المستقبل في كل حركة وإيماءة منهم.
وبالقرب من مدخل خيمة وزارة المعارف هناك خيمة شعر منصوبة. إنها خيمة تعليم منطقة بيشة. هناك وبدون ميعاد قابلت نفراً من الأهل والأحبة في جنبات الخيمة ترى بيشة النخل والرجال، الماضي والحاضر، وبوابة المستقبل للتعليم.
ومن خيمة بيشة إلى المركز الإعلامي لوزارة المعارف حيث توجد شاشة عالية تنعكس عليها إنجازات وزارة المعارف بواسطة «بروجكتر» يدار بواسطة الكمبيوتر الذي تنوي وزارة المعارف ضمن برنامجها الطموح الذي أرجو أن يكتب له النجاح توصيله إلى كل مدرسة في كل بقعة من المملكة.
كم كانت سعادتي أثناء توقفي غير القصير في حرم وزارة المعارف في الجنادرية حينما قابلت عدداً من طلابي خريجي كلية الآداب والتربية بجامعة الملك سعود الذين أصبحوا رجال تعليم مرموقين لا يتحدثون إلا لغة المستقبل.
وتقودني راحلة الرحلة السياحية في عاصمة الثقافة والتراث «الجنادرية» إلى قرية جازان التراثية. هناك انتقلت خلال دقائق من قلاع بني مالك في جبال فيفا تلك القلاع الشامخة كشموخ أهلها إلى قصر أنيق، كأنه من بقايا قصور الرشيد نموذج لقصر النجدي من جزيرة فرسان، الجزيرة الحالمة الوادعة الأنيقة ببساطها الأخضر وسواحلها الرملية الذهبية في وسط لجة البحر الأحمر، وهي بكل حق من أجمل الجزر في مياهنا الإقليمية. تذكرت أغاني البحارة، وأصوات الطيور المهاجرة، ووقع أقدام المها الرشيقة التي تشتهر بها تلك الجزيرة الفريدة.
ومن قصر النجدي إلى عشة أبو عريش وسامطة وصبيا، عشة في كامل أبهتها ورونقها وجمالها ونقشها الذي يبدو وكأن بنت صبيا نقشته لتوها. بين هذه المعالم تسمع في ساحات قرية جازان أصوات الدفوف، وأنغام الناي، ولمعان الخناجر في أداء رائع وجميل يقوم به أبناء منطقة جازان الذين يجيدون الفن وصناعة الكلام الجميل والتحليق في عوالم الفكر مثلما يجيدون وبنفس القدر فن الحرب، والدفاع عن الأرض.
في عشة جازان التقيت بإخوة كرام أخجلوني ببالغ كرمهم ولطفهم، وقدم لي مندوب نادي جازان الأدبي مجموعة كتب من مطبوعات النادي، إن أهل جازان رسل للثقافة والفن، ولهذا فقد تفردوا بين المناطق الأخرى بأن حملوا ثقافة ناديهم إلى الجنادرية؛ وأي شيء أجمل من الكتاب هدية.
الرحلة من جازان إلى حائل
أحب حائل كما أحب قريتي المراغة. هذه القرية التي يبلغ بي هوس حبها درجة لا أعتقد أن أحداً في الدنيا يدانيه أو يحب قريته مثل ما أحب قريتي المراغة.
وبقدر حبي لحائل أحس بخجل كبير من نفسي كلما ذكر اسم حائل، وذلك لأنني لم أزر حائل. ألم أقل لكم في بداية الحديث إن الأمر مؤسف ألا يزور كثير منا كبريات مدن بلاده.
من بُعد تبدو أسوار حائل مهيبة، تشعر بإحساس غريب كلما قربت من بوابتها الرئيسية؛ تماماً كالإحساس الذي شعر به والين وبلجريف وداوتي والليدي بلنت والخانوم قيتردبل. كل هؤلاء الرحالة الذين شدوا الرحال من قلب أوروبا لزيارة حائل شعروا بالمهابة والرهبة، حينما التقت عيونهم أول مرة بإطلالة أسوار مدينة حائل، ولكنهم بعد أن دلفت أقدامهم من بوابة قصر حائل اطمأنت منهم القلوب وكأنها لم تعرف الطمأنينة من قبل.
شعرت بإحساس غريب وأنا أدخل مع بوابة قصر حائل بمدخله العريض الذي يقودك إلى وسط السوق، حيث تلتقي مداخل البيوت في أناقة متناهية. أمام كل بيت دبب يجلس عليها الناس وفي الطرف من السوق المتاجر ودكاكين الحرفيين، عرفني بعض الإخوة وأنا في سوق حائل غارقاً في التفكير أتذكر الوصف الشيق والممتع والرائع للرحالة بلجريف وهو يصف سوق حائل في منتصف القرن التاسع عشر وكأنني أرى الشخوص الذين أتى على ذكرهم، وما سجله من أحاديثهم التي كانوا يتبادلونها. انتشلني هذا الصديق من بحر أفكاري، وكنت واقفاً مشدوهاً أمام حلة طعام كبيرة من دورين هي الأكبر من بين جميع الحلل التي رأيتها في حياتي، وقد صنعها أحد أمهر الصانعين من مدينة حائل ولا يمكن لمثل هذه الحلة أن تصنع في غير حائل، وليس في الأمر غرابة أليست ديار حاتم الطائي، وكل حائلي حفيد لحاتم الطائي؟
قدمني هذا الذي عرفني على أحد الإخوة من أهل حائل الذي تبرع بأن يكون مرشدي وتعريفي على إجزاء قصر حائل بقاعاته وأروقته وأفنيته. ثم عرفني على مسؤول آخر يبدو أنه مرشد القصر الرسمي، وهو حائلي دمث الخلق، كريم المعشر، عارف بتفاصيل قصر حائل.
هناك عرفني على غرفة «الشايب» وغرفة المعرس أو العروس وقبلهما غرفة القهوة والليوان والمصخن والكلمة هنا لا تعني المصاب بمرض كما تبادر إلى ذهني أول مرة، ولكنها تعني الغرفة التي يُشب بها وقت الشتاء. وهي غير الماقد، أي المطبخ. وذكر لي مرشدي أن القهوة لا تعمل إلا في المكان المخصص لها في قسم الرجال، وأن النساء لا يعملن القهوة أبداً، بل قال إن النساء في حائل لا يشربن القهوة، لأن القهوة عملاً وشرباً خاصة بالرجال. ترى هل ما زالت هذه العادة متبعة إلى الآن، أعني هل المرأة لا تساهم في صناعة القهوة ولا تشربها؟
أوجز القول ان البيت الحائلي متميز بجماله، بأبهته، بطقوسه، وبفنائه الواسع الذي لا يخلو من شجرة في وسطه، قد تكون شجرة ليمون أو أترجة أو نخلة. ولا يمكن الإحاطة بإعطاء التفاصيل عن بيت حائل، ولا يمكن وصف الجانب الجمالي فيه، ولا يفي بهذا إلا زيارته في موقعه في جنادرية الثقافة والتراث.
حرصت على زيارة المعرض الخاص بالليدي بلنت، الذي يحتل مكان عرض متميزاً وهو من أحسن وآنق أماكن العرض التي رأيتها في أي مكان في الجنادرية. يضم هذا المعرض صوراً نادرة من رسوم الليدي بلنت رسمتها بيدها أثناء زيارتها لمدينة حائل في أواخر النصف الثاني من القرن التاسع عشر. والأهم من ذلك أن المعرض يضم الملابس التي أهديت إليها من قبل أمير حائل حينذاك وهي غاية في الجمال والأناقة، وهي من محتويات المتحف الخاص بالليدي بلنت وزوجها اللورد بلنت الذي رافق زوجته أثناء رحلتها إلى حائل. وجلبت هذه المقتنيات من لندن مباشرة إلى الرياض في حافظات خاصة بها، وفق معايير متحفية لا يعرفها إلا خبراء الآثار والمتاحف.
وقد تم نقل هذه المقتنيات بفضل جهود كريمة من سمو أمير منطقة حائل الأمير سعود بن عبدالمحسن، وهذه اللفتة الحضارية تنم عن ذوق الأمير وعقليته المتفتحة وحسه الحضاري. والطريقة التي عرضت بها هذه المقتنيات تعد درساً مفيداً قدمه سمو الأمير ليستفيد منه علماء الآثار والمتاحف في بلادنا. والمعروف عن الليدي بلنت أنها قد كتبت مذكراتها عن رحلتها إلى حائل وتعد هذه المذكرات مصدراً مهماً عن تاريخ حائل، ثم نُشر بعد ذلك مجلد ضخم، احتوى على رسائلها الخاصة أثناء رحلتها، وقد ترجمت مذكراتها ترجمة متوسطة الجودة ومبتورة في بعض فصولها مليئة بالأخطاء في كتابة الأسماء والأماكن. أما رسائلها فلا أعلم أنها ترجمت حتى الآن. كما ضم المتحف صوراً للخيول العربية الأصيلة التي أهداها إليها الأمير ابن رشيد أمير حائل حينذاك. ولقد اشتهر الحصان العربي في أوروبا أكثر من ذي قبل بعد رحلة الليدي بلنت التي كانت مغرمة بحب الخيول، خاصة العربية منها وحبها ذلك هو الذي قادها إلى وسط الجزيرة العربية في رحلة هي الأولى من نوعها التي تقوم بها سيدة بريطانية.
وفي مكان آخر من قصر حائل يوجد عرض متميز في طريقة عرضه وإخراجه، يحكي قصة تطور تاريخ منطقة حائل منذ عصورها الأولى وإلى يومنا الحاضر، بالصورة المعبرة والكلمة الموجزة، والخريطة الموضحة.
أن قصر حائل تحفة معمارية ولوحة رائعة في أبوابه ونوافذه، وهو عمل متقن في تخطيطه وتنظيمه، يضفي على كل هذا ما يحمله من معان تاريخية. فمن لم يزر حائل مثلي فلا يفوته زيارة حائل في الجنادرية.
هناك الكثير والكثير في الجنادرية جدير بالزيارة والمشاهدة وما ذكرته في هذه العجالة ما هو إلا خواطر عن أماكن لم أشاهد الكثير منها إلا في الجنادرية. إن الجنادرية معلم حضاري ومتحف حي يضم كل الوطن، فمتى سيصبح مفتوحاً طوال العام؟
عضو مجلس الشورى |