صدر حديثاً كتاب بعنوان «انهيار القيم» للزميل الدكتور زكريا يحيى لال المشرف العام على ادارة العلاقات العامة بجامعة أم القرى. وقد خصني الزميل بنسخة من هذا الاصدار الجديد الذي لمست فيه التناغم والابداع بين فن الخبر الصحفي وهو نشاط الدكتور زكريا المعروف وبين الحس التربوي الذي يمثل تخصصه الأكاديمي. وقد كنا نتناول بين الفينة والفينة من خلال الأفق التربوي مفهوم القيم وأهمية تمثلها، وجعلها محور السلوك التربوي لكونها تمثل ذات الإنسان وعرى علاقاته الاجتماعية، إلا أن الكتاب جاء بمفاهيم شاملة للقيم وبمواقف لانهيارها فقد أشار المؤلف إلى أن الحياة الاجتماعية بسلوكياتها وانغماسها في الحضارات المختلفة هي وليدة الماضي غير الذي نراه اليوم أو المستقبل من وجود الآلة وتطورها وازدهار تصرفها مما قد يغير في سلوكيات الفرد، وهذا التغيير أظهر ارتباطاً أكيداً بما نسمية بالقيم.
أن القيم تدلنا على الأرقام بشكلها الإنساني، كما تحقق لنا جوانب الصواب والخطأ في سيرة الإنسان بصفته فرداً يناضل من أجل تحقيق ذاته أحياناً والقيم هنا تعني لنا الشيء الكثير منذ بدء الخليقة التي فطر فيها الإنسان ليحيا ويعمر الكون، ويخوض معارك تعسفية لكي يكون عالي الهمة. وبحسه التربوي يروي لنا المؤلف أن التربية في الأسرة هي البداية ومن ذلك ما كنا ندعوه بالتفاخر عن قيمة الفرد، إلا أن التربية في حد ذاتها سقطت هي الأخرى عن الذات وغدت الأسرة مكبلة بمشاكل لا حصر لها أمام التوجهات الحضارية التي أخذت عقول الأفراد إلى مناخ من الترفيه غير البريء، وهذا وحده يحتاج إلى تركيز لإعادة دور التنشئة في المنزل، أما التربية كقيمة في المدرسة أو الوسط الحضاري كهدف مباشر فقد تغلبت عليه روح الانهزامية من قبل المعلم، ومن ثم لم تكن للمدرسة السيطرة الكاملة لمواجهة الموقف التربوي مدرسياً، فغدا المعلم يقدم الدرس بأي الطرق ويخرج من الفصل كما دخله نظيفاً من أي جهد.
ويستعرض المؤلف أوجه انهيار القيم مستلهماً ذلك من خلال الممارسات المعاصرة على مستوى الفرد والجماعات والدول، متناولاً في بدايتها غياب العاطفة والممارسات اللاإنسانية من قبل البعض تجاه اقرب الناس إليهم مستشهداً ببعض الحوادث التي تناقلتها وسائل الاعلام في المجتمعات العربية والإسلامية ولم يغفل المؤلف استشراء الجريمة حتى في المجتمعات المحافظة. ومن ثم عرج على اغتصاب الدول مستشهداً بغزو العراق للكويت، والارهاب الصهيوني في فلسطين ويعود المؤلف إلى حسه التربوي ليعنون لأحد فصول كتابه (قمم بلا ذمم) متناولاً النظم التعليمية التربوية بدءاً بالتعليم العام حتى التعليم الجامعي والمجال القضائي مستشهداً بمواقف حدثت في العالم العربي بالشواهد والأرقام رابطاً أسباب حدوث تلك المواقف بانهيار القيم في تلك المجالات. ولم يغفل الأنظمة الحاكمة في العالم وتوجهها غير المبرر للتسلح على حساب مقومات الحياة الأخرى. وهو بهذه المنظومة المتقنة من السرد القصصي المدعم بالوثائق والأرقام يكشف القناع عن أسباب ومبررات انهيار القيم. ويختم بقوله: السلوكيات هي بطاقة التعريف الحقيقية لأي انسان فبياناتها لا تكذب ولا يمكن تزييفها. فنحن نتعرف على الشخص من خلال حملة سلوكياته وقد يكون الشخص ذا طبيعة خيرة ولكنه يأتي بأفعال معاكسة لما هو عليه في واقع الأمر وذلك من باب التقليد أو يظن أنه اذا فعل أشياء معينة احترمه المجتمع، وقد تلزمه هذه السلوكيات مع الوقت فتصبح دون أن يدري من معالم شخصيته إلا أن العودة إلى الدين والصفات الحميدة هي الخيار الصحيح للأمن الإنساني.
حقاً أن القيم تشكل ذات الشخص وتحدد موقفه وموقعه في الخريطة الاجتماعية وتكسبه موقعاً مميزاً، وهي من مقومات الحياة ومرآتها السلوك، والإسلام جسد القيم الحميدة وحدد معالمها وأمر بتمثلها والحكمة ضالة المؤمن.. والله المستعان.
shaer@auel.llil.sa |