إن حق الإنسان في الحياة حق منحة ووهبة من الخالق سبحانه وتعالى بعد أن كرمه على كثير من خلقه وهداه النجدين ووسع له في الأرض لإعمارها، والتمتع برزقه وخيره.
ولا يخفى على فضيلتكم أن الإسلام أحاط حياة الإنسان بجل الرعاية والاهتمام، فاهتم بادئ ذي بدء بالاعتراف بإنسانيته وبكرامته وحقه في حسن المعاملة والعيش الكريم، وخير ما يحقق هذا العيش الكريم هو المحافظة على حياة هذا الإنسان من كافة الأخطار التي تحدق به.
ولا يغيب عنكم أصحاب الفضيلة أن مقاصد الشريعة موجهة إلى خدمة الإنسان حفظاً ورعاية ودفاعاً، إذ إن علم المقاصد جعل أولى أولوياته تحقيق المصالح للعباد في الدنيا والآخرة ودرء المفاسد والأخطار عنهم، وأولى هذه المصالح هي المصالح الضرورية التي لا تستقيم حياة الإنسان إلا بها وهي الكليات الخمس «الدين والنفس والعقل والعرض والمال».
وحيث إن شريعة الإسلام هي الهدى في هذا البلد المسلم فإن جملة الأحكام الشرعية تندرج وفق تلك المقاصد لتشكل إطارا محيطاً بحق الإنسان في الحياة وتسيير شؤونه تسييرا صالحاً لكل زمان ومكان. ومن الملحات والشؤون العصرية التي تجلت كظاهرة، الكل يعيها ويستوعبها، والتي يتطلب النظر فيها بعين الصواب إحقاقاً للحق الأخطار الناجمة عن حوادث السيارات والتي أودت بحياة آلاف البشر في هذه البلاد!
وما يلاحظ في هذه الظاهرة الماحقة بحياة الإنسان مدى التساهل الذي يُلمس من كافة الجهات المعنية بداية من رجال الإنقاذ المباشرين للحوادث وحتى الانتهاء بدوائر القضاء.
أصحاب الفضيلة العلماء، إنه ليحز في النفس أن نجد في بلاد الغرب صوراً بليغة الأثر في التعامل مع مثل هذه الحالات، إذ نجد أن دوائر القضاء تعنى عناية كبيرة بالمتضرر من حوادث السيارات وقد تصل تعويضاته ملايين، حيث تأخذ بعين الاعتبار في تلك التعويضات حجم الأضرار الجسدية والنفسية والمالية والأسرية التي نجمت عن الحادث الذي قد يزهق حياة راعي ذلك المتضرر أو قد يفقد فيها أحد أعضائه مما قد يتسبب في إعاقته ومن ثم إرغامه على التقاعد المبكر.
إن لدينا أمثلة جمة لا حصر لها من أولئك المتضررين من الحوادث الواقعة بشكل يومي حيث تتراكم الأعداد المفزعة لهذه الحوادث دون تحرك يُلمس من الجهات المعنية للحد من ذلك.
نعم إننا نرى محدودية في القدرة على التعامل الأمثل مع مثل هذه القضايا في الدوائر الحكومية سواء منها المرور أو الشرطة أو الأحوال المدنية، فضلاً عن تقاعس الكافة في الإسراع بإنهاء هذه القضايا الشائكة مما يساعد على التساهل والتراخي مع الجاني ذلك الذي تسبب في مقتل إنسان أو أكثر في حادث يصبح ذكره بعيداً في ظل الروتين المقيت لمثل هذه القضايا.
ومما لا شك فيه أن هذه القضايا هي من قضايا العصر التي تمس حياة الإنسان بشكل مباشر والتي ينفطر القلب عند استعراض أحوالها في هذه البلاد التي تتخذ من شريعة الله منهجاً ودستوراً، فنرى التساهل عن التشديد فيها من قبل القضاة غير المتخصصين في مثل هذا النوع من القضايا، وفي الغالب فإنه لا ينظر لحالات الموت «بل القتل» في الحوادث المرورية على أنها حالات جنائية، بل إنها في منظور الإجراءات القضائية حالة حادث مروري يتخذ إجراءاته الروتينية الطويلة غير الفاعلة البتة، وهذا هو الوضع المستشري في كافة المحاكم الشرعية، ولو انتهج نهجاً غير هذا لكان مردوده أكثر إيجابية.
إن على المحاكم أن تنظر للقضية كقضية جنائية، وخاصة في حالات يظهر فيها جلياً الاستهتار وإهدار حياة الناس من قبل ذلك السائق الأرعن الذي لم يعط للطريق حقه ولا للناس حرمة أنفسهم وأموالهم ناهيك عن كون السائق في وضع غير طبيعي أيضاً، والحالات الشواهد كثر لا تخفى على أصحاب الفضيلة أعضاء هيئة كبار العلماء.
إن وقوع جريمة القتل التي تودي بحياة الإنسان المسلم لا يجوز أن تقع من مؤمن إلا عن طريق الخطأ قال تعالى :«وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ» الآية، وهذا الخطأ تشكلت صوره بشكل كبير ومتعدد نتيجة حوادث السير التي تعج بها الطرقات، إن حصر هذه الحوادث يظهر أرقاماً مفجعة تبين مدى فداحة هذا الخطأ المودي بحياة الناس، وتبين مدى استفحال هذا الخطأ دون روادع للحد منه، ودون إجراءات وقائية فاعلة، فما نعايشه في الواقع يستدعي التوقف كثيرا لاستبيان قيمة هذا الإنسان في ظل هذا التهاون أو اللاوعي لدى معظم سائقي السيارات والذين أمنوا العقوبة المقتصرة على السجن لمدة أسابيع معدودة، أو عفو يشمله كما هي العادة عند كل مناسبة، فضلا ًعن عدم التشدد في معاقبته سواء من حيث المساءلة عن خطئه وما ترتب على ذلك الخطأ من إزهاق أرواح، وكذا مساءلته عن عدم تقيده بضوابط السير وخاصة في حالات الاستهتار والامبالاة التي تتضح لدى السواد الأعظم ممن تسببوا في الحوادث المرورية.
لقد وفّت الشريعة الإسلامية بهذا الجانب المهم في حياتنا إيفاء واقياً وكاملاً، إن فقه القتل الخطأ حري ببحث هذا الموضوع لاستبطان الفوائد المرجوة لمعالجة حالات شتى توقفت معها مصالح العباد المتضررين.
وأتساءل يا أصحاب الفضيلة عن إمكانية أن يتم تطبيق عقوبة السجن لسنتين أو ثلاث أو أكثر إضافة للعقوبة الشرعية المتمثلة في دفع الدية والقيام بالكفارة عن ذلك على كل مستهتر لا يتوانى في ارتكاب الأخطاء المرورية التي قد تؤدي إلى إزهاق أرواح أسرة بأكملها.
ثم ألا يمكن التغليظ في هذا الجانب، وإعادة النظر في التعويض المادي الذي قد لا يسد حاجة المتضررين خاصة عندما يكون الضحية رب الأسرة.
أصحاب الفضيلة إن تطرقي لهذا الموضوع إنما يأتي انطلاقاً من واقع نلمسه جميعاً بشكل شبه يومي، وهذا الواقع الملموس يحتم علينا سبر عظمة الإسلام في الحفاظ على حياة الناس والاهتمام بأرواحهم والنأي بهم عن كل مخاطر محدقة كمخاطر حوادث السيارات، كما أن من دواعي خطابي هذا عدم وجود إجراء منظم أو رؤية صحيحة متكاملة لكثير من القضايا الناتجة عن الحوادث المرورية.
فآمل من أصحاب الفضيلة إيلاء هذا الموضوع مزيداً من الاهتمام والدراسة، لما في ذلك من صلاح للعباد في هذا البلد الذي يواجه معضلة كبيرة جداً من قضايا الحوادث المرورية وتوابعها التي تبعث التذمر وعدم الرضا من قبل المصابين، إما من كمد لموت ذويهم أو تعرضهم لعوائق جسدية مستديمة لا مطبب لها سوى الله عز وجل، ثم الرعاية والعناية بهم، ومن قبيل هذه الرعاية والعناية أن يلمسوا في كافة الدوائر الحكومية سواء منها الأمنية أو القضائية ذلك الاهتمام بقضاياهم وذلك الوعي بمطالبهم وذلك الشعور النبيل بحقهم في العيش حياة كريمة كفلها من قبل ومن بعد العزيز القدير في محكم تنزيله القويم وفي سنة نبيه الكريم.
|