أصحاب المبادرة الرائدة والأفكار النيرة الهادفة إلى تحقيق مزيد من الألفة والمحبة بين أبناء المنطقة، كانوا ينطلقون ويعبرون عن أسس ومبادئ أخلاقية وسلوكية وفكرية تترجم إلى مبادرات ترفد الفكر والسلوك الإنساني واللقاءات الشبابية والفنية والأدبية مثلها مثل التجمعات والمؤتمرات السياسية والاقتصادية وحتى المناورات والتمارين العسكرية.
دورات الخليج العربي لكرة القدم تجمع شبابي لأبناء الخليج العربي أصبح جزءاً من الفعل الحضاري الخليجي فتأثيراته الإيجابية لم تقتصر على التطور الذي انعكس على كرة القدم في المنطقة اللعبة الشعبية التي أصبحت إحدى درجات القياس في تقدم الدول، بل أيضا ساهمت دورات الخليج العربي وعلى مدى ثلاثين عاماً في تقريب مسافات الانتماء والتفاهم والفهم بين أبناء الخليج العربي وبخاصة في فئة سنية تشكل البدايات الأولية والأساسية لتكوين الشخصية الفكرية والسياسية للإنسان، فالذي يتابع المنافسات ويعشق كرة القدم ونجومها والفرق التي تحقق الفوز هم من الفتيان حتى السنين المتأخرة من الشباب. وبما ان هذه الفئة العمرية في الخليج العربي هي الأكثر والأكبر عدداً من باقي الفئات ا لعمرية الأخرى فإنه يمكن القول ان التأثير الذي تحققه دورات الخليج العربي لكرة القدم «إيجابياً أو سلبياً» يحقق آثاراً مهمة في مسيرة التعاون والوحدة التي تسعى لها دول الخليج العربي.
البدايات الأولى لدورات الخليج العربي، امتزج فيها الحماس والتنافس الحاد مع الاجتهادات الإعلامية التي وجد فيها بعض «المتعاقدين» من غير أبناء الخليج في بعض الصحف الخليجية مجالاً وفرصة لتملق بعض القيادات الرياضية التي كانت تشجع الإثارة والتصريحات النارية. وقد كادت تلك الأفعال وأقلام الوافدين والإثارة غير المسؤولة في اخراج الدورة عن أهدافها، ففي فترات عدة طرحت فكرة الغاء الدورة لخروجها عن أهدافها إلا ان نضج الاعلام الخليجي بعد ان تخلصت وسائل الإعلام من الوافدين وتسلم أبناء الخليج المهمة وتطورت القيادات الرياضية الثانوية وأقصد بالثانوية، الإداريين والفنيين والمساعدين الذين كانوا هدفا للاعلاميين الذين كانوا يستعملون «أبواقاً» لاستخراج تصريحات «تكهرب» اجواء الدورات كل ذلك حال دون تحقيق أولئك هدفهم.
كل ذلك تقلص، وعادت دورات الخليج العربي لكرة القدم الى نقائها واقتربت من تحقيق أهدافها وبرز ذلك في الدورتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة. ويمكن اعتبار الدورة الخامسة عشرة «دورة الرياض» التي اختتمت يوم الأربعاء الماضي من الدورات الناجحة فنياً، وفكرياً، وسلوكياً. وقد قمت شخصياً بزيارات للمركز الإعلامي في الهوليدي إن ومقر إقامة اللاعبين في الرياض ماريوت. والتقيت عدداً من الصحافيين الرياضيين وبعض القادة الرياضيين الخليجيين، فوجدت رقياً في الفكر والتناول والسلوك وتقارباً عاطفياً أكثر بكثير مما كانت عليه الدورات الأولى وهذا الكلام لا يفهم أبعاده إلا من عاش تلك الأيام، يوم كان صحفيو دول الخليج يشكلون ما يمكن تسميته الخطوط الخلفية في الحروب، الإداريون يشعلون حروباً نفسية.. والصحافيون يروجون لتلك «الحروب» ويشتركون فيها، إلى درجة تعذر فيها التقاء صحفيي الخليج مجتمعين الكل يختلق الأعذار حتى لايختلط بصحافيي الدول الأخرى، كل يتوجس من الآخر، وفي أجواء مثل تلك كان المناخ رحباً للإشاعات، وشن الحروب النفسية الكروية، والحروب المضادة.
هكذا كانت أجواء ومناخات دورات الخليج في بداياتها وقد عاصرتها جميعاً إلا أن التأثير السلبي الذي تفرزه هذه الأجواء كان محدوداً، محصوراً في الجماعات المشاركة في الدورة من لاعبين وإداريين وإعلاميين وقلة من المتلقين من الرياضيين لمحدودية التوزيع للصحف الخليجية آنذاك، ولذا لم تترك تلك الأيام تراكمات سلبية، وهذا ما ساعد القيادات الرياضية وقبلها القيادات السياسية لدول الخليج العربي في إلغاء التأثيرات السلبية والدفع بالتأثيرات الإيجابية للأمام.
غداً نواصل
|