Tuesday 5th February,200210722العددالثلاثاء 22 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

البغي الإعلامي من منظور إسلامي «1/3»
د. عبدالرحمن المطرودي

الصراع بين الحق والباطل والخير والشر سنة من السنن التي يختبر الله سبحانه وتعالى بها عباده، ومن هذا ما يتعرض له الإسلامي والمسلمون في الوقت الحاضر من حملة إعلامية فجة خرجت فيها وسائل الإعلام في بعض بلاد العالم عن أمانة الرسالة الإعلامية التي تفترض فيها، وهذه الحال من الخروج عن جادة الصواب وتنكب طريق الحق من قبل تلك المؤسسات الإعلامية، لم يكن ليفاجأ بها المسلم الذي يعرف الحق ويؤمن به، ولكن الإنسان السوي ينأى بنفسه عن هذا التضليل الإعلامي الذي تمثل في عدم احترام عقل الإنسان وادراكه.
ولكي تنخر وسائل الإعلام المريضة في جسم الأمة المسلمة فقد وضعت لجهالتها الإعلامية خطة محكمة بدأتها بالنيل من الحصن الذي تحتمي به الأمة المسلمة، والنهر الذي تشرب منه، فصوبت سهامها نحو المملكة العربية السعودية حكومة وشعباً، ذلك لأن هذا الكيان تتمثل فيه حقيقة الإسلام، وصفاء العقيدة، وسلامة ووسطية المنهج، واعتدال المواقف، وثبات المبادئ ووضوحها، وأصالة معايير التقييم، والسعي لنشر الإسلام، ونصرة المسلمين ومناصرة قضاياهم فكانت مورداً للعطشى لمعرفة الحق من بني الإنسان.
وإذا سمعنا أو قرأنا مثل تلك الجهالة الإعلامية نتذكر قول الحق تبارك وتعالى: {يٍرٌيدٍونّ أّن يٍطًفٌئٍوا نٍورّ پلَّهٌ بٌأّفًوّاهٌهٌمً ويّأًبّى پلَّهٍ إلاَّ أّن يٍتٌمَّ نٍورّهٍ ولّوً كّرٌهّ پًكّافٌرٍونّ} [التوبة: 32] ، وقوله سبحانه: «{ومّنً أّظًلّمٍ مٌمَّنٌ \فًتّرّى" عّلّى پلَّهٌ پًكّذٌبّ وهٍوّ يٍدًعّى" إلّى الإسًلامٌ واللَّهٍ لا يّهًدٌي پقّوًمّ پظَّالٌمٌينّ . يٍرٌيدٍونّ لٌيٍطًفٌئٍوا نٍورّ پلَّهٌ بٌأّفًوّاهٌهٌمً واللَّهٍ مٍتٌمٍَ نٍورٌهٌ ولّوً كّرٌهّ پًكّافٌرٍونّ } [الصف: 7 8] »، هذه الجهالة الإعلامية التي تتولى كبرها بعض وسائل الإعلام الغربية، وترددها حناجر وأقلام بعض المنتسبين إلى الإسلام ممن يجهلون او يتجاهلون ماذا يراد بهم، او إلى أي زنزانة يساقون، بل لربما كان لديهم قصور في الفهم والإدراك. تلك الجهالة تعتبر بغياً في مفهومه العام والخاص، لأن فيها تجاوزاً للحد واستطالة على الحق.
فالبغي أياً كان لونه أو شكله أو مصدره أو موطنه، يعني تجاوز الحد بالاعتداء على حدود الله أو على حقوق الآخرين، سواء أكانت تلك الحقوق مادية أم معنوية، بل ان البغي والظلم في الحقوق المعنوية أشد وأقسى على النفس وعلى الجماعة وعلى المجتمع من البغي في الحقوق المادية، لأن البغي في الحقوق المادية يمكن جبره أو تعويضه باستعادة تلك الحقوق بأي وسيلة كانت، سواء آب الباغي او الظالم إلى رشده وأعاد الحق إلى صحابه طائعاً مختاراً او تم الحصول عليه بقوة السلطان، أما الحقوق المعنوية والأدبية فإن الأثر السلبي الذي يلحق بها لا يمكن جبره حتى لو آب الباغي إلى رشده وأقّر بخطئه وأنه قد بغى وتظلم وتجنى على المظلوم واعترف بأن كل ما قاله في حقه أو ادعاه عليه هو محض افتراء وكذب وتشويه للحقيقة لا أساس له من الصحة، لأن الشرخ والكسر قد حدث فعلاً وترك أثره العميق، وسيبقى مكان الجبر موجوداً وأثر التئام الجرح قائماً يعلن عن نفسه.
ويزداد الأمر سوءاً كلما كان هذا الاعتداء المعنوي على الحقوق في ملأ من القوم او جماعة من الناس، ويكون الأمر أشد قسوة وسوءاً كلما اتسعت الدائرة التي انتشر فيها هذا الاعتداء على الحقوق وهكذا في علاقة طردية بين حجم الدائرة للاعتداء وبين الأثر السلبي الذي تحدثه، بمعنى أن الثانية تزداد بازدياد الأولى وتنقص بنقصانها، فلن تنمحي آثاره وسلبياته وتداعياته بل قل يحدث كرهاً وبغضاً يلازم حياة المجتمعات.
والبغي أو الظلم الإعلامي إذا قصد به الاساءة والإفساد وإشاعة البلبلة والفوضى بين الناس فإنه يصبح مفسدة لها حكم شرعي لأن الوسائل لها أحكام الغايات، وهذا يقتضي منها ان ننظر إلى مسألة البغي الإعلامي على أساس من شرع الله، تعريفاً وتحديداً وتشخيصاً، وبالتالي استجلاء الحلول لها من الشريعة الإسلامية، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الطيبة والأسوة الحسنة.
فالبغي بجميع أنواعه وأشكاله ضرب من التعدي والاستطالة بالاعتداء على الآخرين في حقوقهم المادية والمعنوية، وهو محرم في ديننا الإسلامي الحنيف، وبغيض ومنبوذ وغير مقبول في الأعراف والتقاليد السائدة في المجتمعات البشرية، وقد أكّد الإسلام على نبذ البغي والبعد عنه «{ وأّحًسٌن كّمّا أّحًسّنّ پلَّهٍ إلّيًكّ ولا تّبًغٌ پًفّسّادّ فٌي الأّرًضٌ} [القصص: 77] ونهت الشريعة الإسلامية عن البغي على الآخرين والاعتداء على حقوقهم وتجاوز الحد الذي حدده الشرع بين الحقوق والواجبات، ونهت وحذرت وتوعدت من يفعل ذلك بالوعيد الشديد في الدنيا والآخرة، وان الدائرة سوف تدور عليه حيث يعود بغية على نفسه قال تعالى: «{ذّلٌكّ جّزّيًنّاهٍم بٌبّغًيٌهٌمً} [الأنعام: 146] ، وقال: « {إنَّمّا پسَّبٌيلٍ عّلّى پَّذٌينّ يّظًلٌمٍونّ پنَّاسّ ويّبًغٍونّ فٌي الأّرًضٌ} [الشورى: 42] وقال سبحانه: { يّا أّيٍَهّا پنَّاسٍ إنَّمّا بّغًيٍكٍمً عّلّى" أّنفٍسٌكٍم } [يونس: 23] «{إنَّ پلَّهّ يّأًمٍرٍ بٌالًعّدًلٌ والإحًسّانٌ وإيتّاءٌ ذٌي پًقٍرًبّى" ويّنًهّى" عّنٌ پًفّحًشّاءٌ والًمٍنكّرٌ والًبّغًيٌ يّعٌظٍكٍمً لّعّلَّكٍمً تّذّكَّرٍونّ *<ر90ر*} [النحل: 90] ، وقال عليه الصلاة والسلام: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم» وقال عليه الصلاة والسلام: «بئس العبد عبد بَغَى وعَتا ونسي المقابر والبلاء».
وساق لنا القرآن الكريم القصص والعبر لعواقب البغي على الناس فقال عن قارون: «{إنَّ قّارٍونّ كّانّ مٌن قّوًمٌ مٍوسّى" فّبّغّى" عّلّيًهٌمً} [القصص: 76] فماذا كانت عواقب بغيه على قومه {فّخّسّفًنّا بٌهٌ وبٌدّارٌهٌ الأّرًضّ فّمّا كّانّ لّهٍ مٌن فٌئّةُ يّنصٍرٍونّهٍ مٌن دٍونٌ پلَّهٌ ومّا كّانّ مٌنّ پًمٍنتّصٌرٌينّ *<ر81ر*} [القصص: 81] وفي آية أخرى وضع الله سبحانه وتعالى البغي في سياق كبائر المحرمات فقال: {قٍلً إنَّمّا حّرَّمّ رّبٌَيّ پًفّوّاحٌشّ مّا ظّهّرّ مٌنًهّا ومّا بّطّنّ والإثًمّ والًبّغًيّ بٌغّيًرٌ پًحّقٌَ } [الأعراف: 33] وجعل من الكفر بما انزل الله بغياً { أّن يّكًفٍرٍوا بٌمّا أّنزّلّ پلَّهٍ بّغًيْا} [البقرة: 90]
وكذلك الظلم الذي هو رديف البغي ونظيره ومعينه وشريكه في مجال الشر وتجاوز الحد والاعتداء على حقوق الآخرين بغض النظر عن الاختلافات الدقيقة بينهما نجد أن الإسلام قد حرمه أيضاً أشد التحريم وحرمته الشرائع السماوية السابقة ونهت عنه، ونبذته ونفرت منه كذلك كل الأعراف والتقاليد السائدة في المجتمعات المتحضرة.
بل إن الإسلام حذر اشد التحذير من الظلم ومن الوقوع فيه من قريب أو بعيد فقال: {وعّنّتٌ پًوٍجٍوهٍ لٌلًحّيٌَ پًقّيٍَومٌ وقّدً خّابّ مّنً حّمّلّ ظٍلًماً } [طه: 111] {ذّلٌكّ پدٌَينٍ پًقّيٌَمٍ فّلا تّظًلٌمٍوا فٌيهٌنَّ أّنفٍسّكٍمً } [التوبة: 36]
وأوضح الشارع الحكيم أن عواقب الظلم وخيمة على الفرد وعلى المجتمع، وتوعد المولى عز وجل الظالم والظالمين بالعقاب الشديد في الدنيا والآخرة فقال تعالى: {فّأّّنزّلًنّا عّلّى پَّذٌينّ ظّلّمٍوا رٌجًزْا مٌَنّ پسَّمّاءٌ} [البقرة: 59] وقال {ولّقّدً أّهًلّكًنّا پًقٍرٍونّ مٌن قّبًلٌكٍمً لّمَّا ظّلّمٍوا} [يونس: 13]. {واتَّقٍوا فٌتًنّةْ لاَّ تٍصٌيبّنَّ پَّذٌينّ ظّلّمٍوا مٌنكٍمً خّاصَّةْ} [الأنفال: 25] }.
وأكد على ان اقبح انواع الظلم هو التعدي على حدود الله، والافتراء على الله بالكذب فقال تعالى: { ومّن يّتّعّدَّ حٍدٍودّ پلَّهٌ فّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ پظَّالٌمٍونّ (229)} [البقرة: 229]. {فّمّنٌ \فًتّرّى" عّلّى پلَّهٌ پًكّذٌبّ مٌنً بّعًدٌ ذّلٌكّ فّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ پظَّالٌمٍونّ } [آل عمران: 94].
وإذا اقترن الافتراء على الله بالكذب بنية إضلال الناس فذلك من أشد أنواع الظلم: {ومّنً أّّظًلّمٍ مٌمَّنٌ \فًتّرّى" عّلّى پلَّهٌ كّذٌبْا أّّوً كّذَّبّ بٌآيّاتٌهٌ...} [الأنعام: 21]، {فّمّنً أّظًلّمٍ مٌمَّنٌ \فًتّرّى" عّلّى پلَّهٌ كّذٌبْا لٌَيٍضٌلَّ پنَّاسّ} [الأنعام: 144]، {ومّنً أّظًلّمٍ مٌمَّنٌ \فًتّرّى" عّلّى پلَّهٌ كّذٌبْا أّوً كّذَّبّ بٌالًحّقٌَ} [العنكبوت: 68] ولهول هذا النوع من الظلم وشدته أوضح الله سبحانه انه يستجلب لعنة الله على صاحبه.
فقال تعالى: {هّؤٍلاءٌ پَّذٌينّ كّذّبٍوا عّلّى" رّبٌَهٌمً أّلا لّعًنّةٍ پلَّهٌ عّلّى پظَّالٌمٌينّ} [هود: 18]
وقال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة».
هذه لمحة عن البغي وصوره وموقف الإسلام من ذلك، وللبغي صور شتى تتنوع بحسب نوع التعدي والتجاوز على الحدود او الحقوق، وذلك من حيث المعنى العام والمفهوم الواسع للبغي، والحديث عن تلك الأنواع والصور ليس موضوع حديثنا في هذه العجالة، إذ ان الحديث هنا عن نوع واحد من أنواع وصور البغي وهو ما يمكن ان نطلق عليه البغي الإعلامي. فما هو البغي الإعلامي؟
البغي الإعلامي يعني تجاوز الحد في الإخبار او التبيين بقصد التضليل او اخفاء الحقائق، على سبيل الإفساد سواء كان ذلك بين المجتمعات البشرية بالزيف والباطل والضلال، او قلب موازين القسط والعدل والحقائق الثابتة، من اجل إحداث الأضطرابات، أو لأهداف أخرى.
وظاهرة التضليل الإعلامي ليست بجديدة على الناس من حيث البروز والنشأة، فهي موجودة منذ ان وجد الخير والشر والحق والباطل، وارتبطت بالطبائع والغرائز البشرية، ولكنها تختلف من زمن إلى آخر بسبب تغير احوال الناس وتنوع الوسائل المستخدمة، ذلك لأن الحق قوي بنفسه وقيمه التي تتواءم وتتجانس مع الفطرة السليمة، والباطل هش بنفسه وبما فيه من الزيف والخداع والضلال فيتناقض ويتنافر مع الفطرة النقية السليمة، فكان لا بد له ان يقوي نفسه بالكذب والافتراء وتشويه الحقائق ليخدع الناس ويُلبس الباطل ثوب الحق، والشر ثوب الخير، فنشأ عن كل ذلك ما يسمى بالبغي الإعلامي لمناصرة الباطل، وأمثلة ذلك كثيرة في تاريخ الأمم.
وأصدق تلك الأمثلة ما جاء ذكرها في الكتاب والسنة مشيرة إلى بعض من هذا البغي الإعلامي في سياق تحريمه والنهي عنه، انطلاقاً من حرمة النفس البشرية، وتحريماً لكل ما يدنس طهرها ويجرح كرامتها التي أقرها وأكدها المولى سبحانه وتعالى بقوله: {{ولّقّدً كّرَّمًنّا بّنٌي آدّمّ} [الإسراء: 70] والنماذج في هذا الشأن كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، لذا فإنني أسوق في هذه العجالة بعضاً من تلك النماذج على سبيل المثال لا الحصر:
جميع الرسل الذين أرسلهم الله إلى اقوامهم مُورس ضدهم نوع من أنواع البغي الإعلامي او الظلم الإعلامي بشكل من الأشكال بهدف تشويه الحق الذي جاءوا به {{وكّذّلٌكّ جّعّلًنّا لٌكٍلٌَ نّبٌيَُ عّدٍوَْا مٌَنّ پًمٍجًرٌمٌينّ وكّفّى" بٌرّبٌَكّ هّادٌيْا ونّصٌيرْا} [الفرقان: 31] }، {وكّذّلٌكّ جّعّلًنّا لٌكٍلٌَ نّبٌيَُ عّدٍوَْا شّيّاطٌينّ الإنسٌ والًجٌنٌَ يٍوحٌي بّعًضٍهٍمً إلّى" بّعًضُ زٍخًرٍفّ پًقّوًلٌ غٍرٍورْا ولّوً شّاءّ رّبٍَكّ مّا فّعّلٍوهٍ فّذّرًهٍمً ومّا يّفًتّرٍونّ} [الأنعام: 112] ولم يراع دعاة البغي الإعلامي الحق الذي جاء به الرسل وان محوره وركيزته الأساس عبادة الله وحده لا شريك له والدعوة إلى مكارم الأخلاق، {لّقّدً أّرًسّلًنّا نٍوحْا إلّى" قّوًمٌهٌ فّقّالّ يّا قّوًمٌ \عًبٍدٍوا پلَّهّ مّا لّكٍم مٌَنً إلّهُ غّيًرٍهٍ} [الأعراف: 59]، {وإلّى" عّادُ أّخّاهٍمً هٍودْا قّالّ يّا قّوًمٌ \عًبٍدٍوا پلَّهّ مّا لّكٍم مٌَنً إلّهُ غّيًرٍهٍ أّفّلا تّتَّقٍونّ} [الأعراف: 65]، {وإلّى" ثّمٍودّ أّخّاهٍمً صّالٌحْا قّالّ يّا قّوًمٌ \عًبٍدٍوا پلَّهّ مّا لّكٍم مٌَنً إلّهُ غّيًرٍهٍ..} [الأعراف: 73] {وإلّى" مّدًيّنّ أّخّاهٍمً شٍعّيًبْا قّالّ يّا قّوًمٌ \عًبٍدٍوا پلَّهّ..} [الأعراف: 85]..الخ، فكان هم دعاة الباطل الانتصار للنفس، أو تحقيق الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها سواء كانت في تكوين المجتمعات وقيادتها أم في بث الأفكار الضالة وغير ذلك.
ومن ذلك ما مارسه قوم إبراهيم عليه السلام ضده من أنواع البغي والتشويه لدعوته والكيد له، إلى ان وصل بهم الكيد والحقد في نهاية المطاف إلى محاولة احراقه، ولكن الله سبحانه وتعالى نجاه منهم بقدرته وعظمته وأبطل مفعول النار التي القوه بها، {قٍلًنّا يّا نّارٍ كٍونٌي بّرًدْا وسّلامْا عّلّى" إبًرّاهٌيمّ } [الأنبياء: 69].
وكذلك فعل فرعون وقومه مع موسى عليه السلام بمختلف أساليب البغي الإعلامي ومنها جمع السحرة في يوم الزينة، وهو يوم احتفال عظيم عندهم يجتمع فيه الناس، ولثقة موسى بربه وبالحق الذي أرسل به أراد ان تكون المواجهة بينه وبين أهل الكفر في هذا اليوم، ليكون الجمهور الذي يشهد هذا الحدث كبيراً، وأن يكون في ضحى من النهار، حتى تكون صورة الحدث جلية واضحة، وحتى يرد كيد فرعون في نحره من حيث أراد غير ذلك، حيث كان همّ فرعون وسحرته الاستهزاء بموسى والنيل منه ومن دعوته في وسط هذا الجمع الحاشد من الناس وعلى رؤوس الأشهاد، وفي ذلك يقول المولى سبحانه وتعالى:{قّالّ مّوًعٌدٍكٍمً يّوًمٍ پزٌَينّةٌ وأّن يٍحًشّرّ پنَّاسٍ ضٍحْى (ر59)فّتّوّلَّى" فٌرًعّوًنٍ فّجّمّعّ كّيًدّهٍ ثٍمَّ أّتّى"} [طه: 59 60] ، {قّالّ أّلًقٍوا فّلّمَّا أّلًقّوًا سّحّرٍوا أّعًيٍنّ پنَّاسٌ واسًتّرًهّبٍوهٍمً} [الأعراف: 116] لكن الله ردّ كيدهم في نحورهم وانقلب مكرهم وبغيهم على أنفسهم، وهذه سنة الله في خلقه مع الباغين والماكرين {ولا يّحٌيقٍ پًمّكًرٍ پسَّيٌَئٍ إلاَّ بٌأّهًلٌهٌ} [فاطر: 43] فبدلا من أن يشوه فرعون صورة موسى ودعوته أمام الملأ بهذا البغي وهذا الظلم، انقلب الأمر وعامله الله سبحانه وتعالى بنقيض قصده حيث آمن السحرة الذين كانوا وسيلة فرعون في التضليل والبغي الإعلامي برب موسى وهارون {فّأٍلًقٌيّ پسَّحّرّةٍ سٍجَّدْا قّالٍوا آمّنَّا بٌرّبٌَ هّرٍونّ ومٍوسّى"} [طه: 70].
أما بالنسبة لدعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد تعرضت لأشد أنواع البغي الإعلامي وأقسى أنواع الظلم والافتراء على شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى دعوته، بل تجرأ المشركون وذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك ظلما وافتراء وكذبا، وذلك بالتقول على الله سبحانه وتعالى والكذب عليه، فقالوا على الله ما لا يعلمون، وكذلك تعرض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمثل ما تعرض له الرسول من البغي الإعلامي، والافتراء والكذب على الدعوة وعلى كل ما يتصل بها، وما ذلك إلا لأنها جاءت لتهدم ما عليه المشركون من شرك بالله وعصيان وضلال مبين، وانتهاك لحرمات الله وحدوده، فاعتبروا ذلك تسفيها لأحلامهم وتغييرا لما هم عليه مما وجدوا عليه آباءهم فلم يقبلوه، ولأن الباطل ضعيف لا يقوى على غلبة الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالقوة والمقارعة والمحاجة، فلما فشلوا في هذا المسلك لم يجدوا أمامهم إلا الكذب والضلال والافتراء والزيف من خلال البغي الإعلامي على كل ما يتعلق بدعوة الحق بدءا من رسول الله صلى الله عليه وسلم (حامل هذا الحق للناس) إلى الحق نفسه، وثوابته، إلى كتاب الله والافتراء عليه في مضمونه وفي مصدره
{وقّالٍوا أّسّاطٌيرٍ الأّوَّلٌينّ \كًتّتّبّهّا فّهٌيّ تٍمًلّى" عّلّيًهٌ بٍكًرّةْ وأّصٌيلاْ} [الفرقان: 5] .
ومن أمثلة ذلك:
عندما أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ان يجهر بالدعوة قائلا: {فّاصًدّعً بٌمّا تٍؤًمّرٍ وأّعًرٌضً عّنٌ پًمٍشًرٌكٌينّ } [الحجر: 94] فصعد على الصفا وأخبر قريشاً بأمر الدعوة، فما كان منهم إلا أن كذبوه وافتروا عليه وهم الذين لقبوه بالصادق الأمين، بل وشهدوا لتوهم بصدقه وهو على الصفا عندما استشهدهم على ذلك وأنهم ما جربوا عليه كذبا قط، وكان أبو لهب هو أول المكذبين والمستهزئين برسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا له: (تباً لك ألهذا جمعتنا). وبدأت منذ تلك اللحظة مراحل الكيد والكذب والافتراء والبغي الإعلامي على رسول الله وعلى دعوته.
أخذ المشركون بعد ذلك يكيلون الافتراء والتهم الباطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينفروا الناس من دعوته، فاتهموه بالسحر واتهموه بالكهانة، وأن ما أتى به من ضروب الشعر، واتهموه بالجنون، وهم في قرارة أنفسهم يعلمون كذب كل هذه الافتراءات ويسرّون لبعضهم بذلك في مجالسهم، وذلك حين قام منهم النضر بن الحارث وهو من عتاة المشركين ومن أشدّ الذين كادوا وافتروا على رسول الله فقال: (.. قلتم ساحر.. لا والله ما هو بساحر لقد رأيتم السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم كاهن.. ولا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهنة وتخالجهم، وسمعنا سجعهم، وقلتم شاعر.. ولا والله ما هو بشاعر، فقد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها، وقلتم مجنون.. لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون ما هو بخفته ولا وسوسته ولا تخليطه.. يا معشر قريش فانظروا في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم)، ولم يقل النضر بن الحارث ما قاله حبا في رسول الله ودعوته، ولكنها كانت دعوة منه لقريش لتكيد لرسول الله مكايدَ أشد وأعنف من ذلك وأقوى في حجتها حتى تقتنع بها قريش وتنصرف عند محمد ودعوته، فضلا عن ان الله قد برأه من كل ذلك: {ومّا عّلَّمًنّاهٍ پشٌَعًرّ ومّا يّنًبّغٌي لّهٍ إنً هٍوّ إلاَّ ذٌكًرِ وقٍرًآنِ مٍَبٌينِ } [يس: 69] وقوله: {فّذّكٌَرً فّمّا أّنتّ بٌنٌعًمّتٌ رّبٌَكّ بٌكّاهٌنُ ولا مّجًنٍونُ } [الطور: 29].
لما أخذ القرآن الكريم يأسر القلوب والعقول بما فيه من الحق والبلاغة والإعجاز وينصت ويستمع إليه الكثير من قريش تحول كيد وافتراء المشركين على رسول الله عليه الصلاة والسلام قالوا إنه من أساطير الأولين وليس وحيا يوحى إليه {إنً هّذّا إلاَّ أّسّاطٌيرٍ الأّوَّلٌينّ} [الأنفال: 31]. ثم ادعوا انه من كلام رسول الله وأنه افتراء من محمد صلى الله عليه وسلم وليس وحياً يوحى إليه قال تعالى: {أّمً يّقٍولٍونّ \فًتّرّاهٍ} وتحداهم بما هو أدنى من ذلك {أّمً يّقٍولٍونّ \فًتّرّاهٍ قٍلً فّأًتٍوا بٌعّشًرٌ سٍوّرُ مٌَثًلٌهٌ مٍفًتّرّيّاتُ} [هود: 13] ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله {وإن كٍنتٍمً فٌي رّيًبُ مٌَمَّا نّزَّلًنّا عّلّى" عّبًدٌنّا فّأًتٍوا بٌسٍورّةُ مٌَن مٌَثًلٌهٌ وادًعٍوا شٍهّداءّكٍم مٌَن دٍونٌ پلَّهٌ إن كٍنتٍمً صّادٌقٌينّ } [البقرة: 23].
فلما عجزوا عن كل ذلك لم يجدوا حيلة إلا أن يصرفوا الناس عن الاستماع إليه، والتشويش على من يقرأ القرآن بالمكاء والصفير والتخليط {وقّالّ پَّذٌينّ كّفّرٍوا لا تّسًمّعٍوا لٌهّذّا پًقٍرًآنٌ والًغّوًا فٌيهٌ لّعّلَّكٍمً تّغًلٌبٍونّ} [فصلت: 26].
استثمر أبو جهل حادثة الإسراء والمعراج في البغي الإعلامي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن عاد من رحلة الإسراء والمعراج، حين سأل أبو جهل الرسول مستهزئا: هل استفدت من هذه الليلة؟ فقال المصطفى: (نعم أسري بي الليلة إلى بيت المقدس) فقال أبو جهل مستهزئاً أيضا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم)، وهنا تحيَّن أبو جهل الفرصة لعلمه أن هذا الخبر سوف يحدث فتنة وتكذيباً لخروجه من الناموس البشري، فلم يضيع تلك الفرصة من المكر والبغي الإعلامي فقال للرسول: أتخبر قومك بذلك؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (نعم)، فصاح أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا، فأقبلوا من كل صوب فحدثهم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فمن مصدق، ومن مكذب ومصفق غير مصدق، ومنهم من وضع يده على رأسه استعظاما للخبر، وإنكاراً له، وتعجباً منه.
وما فعله أبو جهل في هذا الموقف يعدّ من أشد أنواع البغي الإعلامي المصحوب بالمكر والدهاء والكيد لرسول الله أمام هذه الجمهرة الإعلامية التي جمعها.
ولم يقتصر مكر المشركين وبغيهم الإعلامي على رسول الله صلى الله عليه وسلم داخل قريش فقط بل امتد إلى خارجها، فعندما هاجر المسلمون إلى الحبشة، أرادت قريش ان تشوه صورة الإسلام ودعوته وصورة الرسول صلى الله عليه وسلم لدى النجاشي ملك الحبشة فأرسلت لهذا الأمر في مهمة عاجلة رجلين بليغين من قريش ليتمكنا من القيام بهذه الفرية ضد الإسلام والمسلمين، ولكن الله ردّ كيدهم في نحورهم ففشلت مهمتهم الإعلامية الخبيثة لرجاحة عقل النجاشي وقناعته بالإسلام، ولأن الله قيض من المسلمين من يفند مزاعم قريش وافتراءاتها الكاذبة ويقنع النجاشي ومن حوله بالحكمة والموعظة الحسنة بدعوة الإسلام.
كذلك فعل المشركون الأمر نفسه في موسم الحج ليستثمروا هذا التجمع الكبير في الافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان على رأس المتصدرين لهذا الأمر الوليد بن المغيرة وهو من عتاة المشركين الذي جمع قومه وقال لهم: (يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحدا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قول بعضكم بعضاً، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا ساحر جاء بقول سحر، يفرق فيه بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمرّ بهم أحد إلا حذروه من محمد، وذكروا لهم أمره من الفرية التي اتفقوا عليها.
وهذا من المكر والبغي الإعلامي الشديد حتى يرجع كل واحد منهم إلى قبيلته ويقوم بنشر هذه الفرية فيها حتى تنتشر في جميع القبائل.
ولكن الله ردّ كيدهم في نحورهم وجاءت نتيجة بغيهم على أنفسهم كما ذكر القرآن الكريم {يّا أّيٍَهّا پنَّاسٍ إنَّمّا بّغًيٍكٍمً عّلّى" أّنفٍسٌكٍم } [يونس: 23] فكان من نتيجة ذلك أن انتشر خبر الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته عن طريق هؤلاء أنفسهم بين القبائل ولم يلتفتوا إلى ما قاله المشركون عنه من افتراءات.
ومن أشد أنواع البغي الإعلامي والافتراء الذي تعرض له بيت النبوة ممثلاً في رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ما وقع من افتراء في حادثة الإفك التي نشط أعداء الرسالة الإسلامية في نشرها والافتراء على بيت النبوة والرسالة فيها، وهذا كان قصد المشركين وهمهم الأكبر من هذا الافتراء الذي برأه الله سبحانه وتعالى بقرآن يتلى إلى يوم القيامة {إنَّ پَّذٌينّ جّاءٍوا بٌالإفًكٌ عٍصًبّةِ مٌَنكٍمً لا تّحًسّبٍوهٍ شّرَْا لَّكٍم بّلً هٍوّ خّيًرِ لَّكٍمً لٌكٍلٌَ \مًرٌئُ مٌَنًهٍم مَّا \كًتّسّبّ مٌنّ الإثًمٌ والَّذٌي تّوّلَّى" كٌبًرّهٍ مٌنًهٍمً لّهٍ عّذّابِ عّظٌيمِ (11) لّوًلا إذً سّمٌعًتٍمٍوهٍ ظّنَّ پًمٍؤًمٌنٍونّ والًمٍؤًمٌنّاتٍ بٌأّنفٍسٌهٌمً خّيًرْا وقّالٍوا هّذّا إفًكِ مٍَبٌينِ (12) لّوًلا جّاءٍوا عّلّيًهٌ بٌأّرًبّعّةٌ شٍهّدّاءّ فّإذً لّمً يّأًتٍوا بٌالشٍَهّدّاءٌ فّأٍوًلّئٌكّ عٌندّ پلَّهٌ هٍمٍ پًكّاذٌبٍونّ (13) ولّوًلا فّضًلٍ پلَّهٌ عّلّيًكٍمً ورّحًمّتٍهٍ فٌي پدٍَنًيّا والآخٌرّةٌ لّمّسَّكٍمً فٌي مّا أّفّضًتٍمً فٌيهٌ عّذّابِ عّظٌيمِ *<ر14ر* إذً تّلّقَّوًنّهٍ بٌأّلًسٌنّتٌكٍمً وتّقٍولٍونّ بٌأّفًوّاهٌكٍم مَّا لّيًسّ لّكٍم بٌهٌ عٌلًمِ وتّحًسّبٍونّهٍ هّيٌَنْا وهٍوّ عٌندّ پلَّهٌ عّظٌيمِ } [النور: 11 15] .
هذه نماذج من البغي الإعلامي التي فندها الإسلام وبينها للناس حتى يدركوا أن الصراع بين الحق والباطل سنة من سنن الله سبحانه وتعالى في هذا الكون يختبر الله سبحانه وتعالى بها الناس فينجو من ينجو عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة.

وكيل وزارة الشؤون الإسلامية لشؤون الأوقاف

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved