Tuesday 5th February,200210722العددالثلاثاء 22 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

شدو
في المتفرقات المتحدات..
د.فارس محمد الغزي

في انبثاق الأشياء من واقعها فوائد للواقع وللمنطلق من هذا الواقع، وما ذلك الا لكون انطلاق الفرد من واقعه يزوده بمؤونة رحلة الرجوع اليه بلسان حال يترنم بما «أحلى الرجوع اليه» ان التاريخ العربي الحديث والمعاصر يشهد على ان هروب الانسان من مجتمعه تحت ذرائع اصلاح هذا المجتمع اصلاح لا يثمر الا شعارات فارغة، وخطب رنانة جوفاء، وفي النهاية مأساة تشوه دينه وثقافته، فالهدر من ثم انشغالا بمكافحة «النتائج».
ان يكن الجهل خطراً فأخطر من الجهل عدم ادراك الخطر..
* * * * *
ماذا يحدث حينما تؤمن فئة ما بصحة فكرة، غير ان فئة اخرى في الوقت الذي تشارك فيه الفئة الاولى الاعتقاد بصحة الفكرة نظريا تخالفها الرأي فيما يتعلق بصحة التطبيق؟!.. في الغالب وفي مثل هذه الحالة، تصر كل فئة على صحة موقفها، ليتطور النزاع من مجرد النزاع على التطبيق المناسب للفكرة «الصحيحة»، الى النزاع على «صحة» الفكرة ذاتها، مما يعني الالقاء بها عرضة «للشخصنة» في نخاسة الدنس الانساني، فتسخيرها للمقارنة والتفنيد ليس من خلال معايير وحقائق وظروف مجتمع الفكرة ذاتها بل مع تجارب انسانية لثقافات مغايرة.. وحينئذ تُقتَل خصوصية الفكرة، وتُعَوَّم نسبيتها الثقافية، فتنتهزُ الثقافات المغايرة / المعادية فجوات ما خلفه النزاع، لتسارع بملء «الفراغات» الفكرية والحضارية بقيم غريبة ابعد ما تكون عن المحلية، وهكذا تتغرب الفكرة، وتتشتت الافكار، ويتشرذم الواقع، ويتجزأ على ذرات ردود فعل تشنجية، تقهقرية وقودها الهزيمة على كافة المسارح.
* * * * *
الحضارات في رأيي قطارات وقودها «المغامرة المسبورة»، مع هامش للخسارة المحسوبة مقدما نفسيا وماديا وثقافيا وخلافها. فالمتمعن في تاريخ الحضارات والامبراطوريات يجد انها غالبا ما انبعثت من سراديب التاريخ بمغامرات، وسادت بمغامرات ايضا حتى تاريخنا الاسلامي التالد مليء بالأمثلة على ذلك فهو تاريخ «مغامرة» ابتداء من لجوئه ثاني اثنين الى الغار، عليه افضل الصلوات والتسليم، مرورا بالفئات القليلة من مغاوير الجنة تقابل الفئات الكثيرة من الكفار، وصولا الى مغامرات قطع البيادر والفيافي برا وبحرا لمواجهة الروم والفرس، بل ويكفينا في هذا المنحى مغامرة عبد الرحمن الداخل في بلاد الاندلس.. غير ان ثمة شرطا وحيدا لنجاح المغامرة الجسدية الا وهو المغامرة الفكرية، لاسيما حين يكون ما لديك هو الحق، وحقا فلا شيء غير الحق يسود حين يُغامر..!
* * * * *
حين يحلُّ التغير الاجتماعي بمجتمع ما، فانه يُعدِّل اشياء ويُخلُّ بأخرى، كما انه يحمل بمعيته عناصر ويترك خلفه مثلها، والاخيرة هذه أقصد المتروكة هي ما يسمى علميا ب«الرواسب او المخلفات»، وفي رأيي الشخصي ان «نوعية» التغير الاجتماعي هذا أقصد ايجابه او سلبه في المستقبل تعتمد اعتمادا بالغا على كمية ونوعية هذه الرواسب.
ففي حال أضحى لها تأثير بالغ، فان من نتائج ذلك فقدان الهوية، وسيادة الازدواج، واتساع الفجوة بين الواقع والمأمول، بل حلول المأمول مكان الواقع بطريقة اسقاطية، دأبها ضخ الواقع السيء بحلول اسوأ فأسوأ.. وهلم «انحدارا» ان يكن له بداية فليس له من نهاية.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved