* رام الله نائل نخلة:
في تمام الساعة العاشرة صباح يوم الاحد، السابع والعشرين من شهر كانون الثاني، دخلت على غير عادتها الى مكتب مديرها لتطلب اذن مغادرة لظروف طارئة، ولم تعد بعدها.
غادرت وفاء ادريس «27 عاما» مقر عملها بعد ان اقنعت حسام الشرقاوي، الطبيب المناوب في جمعية الهلال الاحمر، وسط مدينة البيرة، بوجهية مبرراتها شقت طريقها مشيا على الاقدام الى شارع القدس بجانب دوار المناره، استقلت سيارة اجرة متوجهة الى القدس المحتلة عبر طريق ترابية والتفافية لتجاوز حواجز الاحتلال الثاتبة والمتحركة المنتشرة على مداخل المدينة.
وجهتها شارع يافا، اكثر الشوارع ازدحاما باليهود في القدس الغربية، مصادر فلسطينية مطلعة قالت: إن نية وفاء كانت في وضع العبوة التي تحملها في المكان والمغادرة.
ذات المصادر وضعت تفسيرين لما حدث، اولهما اما ان وفاء لسبب غير معروف تأخرت في الوصول الى الهدف المحدد لوضع العبوة المؤقتة وبالتالي انفجرت وهي تحملها، والاحتمال الثاني ان خللاً فنيا طرأ في جهاز توقيت العبوة فانفجرت بيد وفاء ليؤدي الى استشهادها وقتل اسرائيلي كان بجانبها واصابة نحو 150 آخرين بجروح ما بين متوسطة وخطيرة.
لم تعلن اي جهة فلسطينية مسؤوليتها عن العملية، ورددت وسائل الاعلام في اليوم الثاني للعملية اسم شهناز العامودي من جامعة النجاح في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، الان رئيس الجامعة قطع الشك باليقين عندما اعلن في مؤتمر صحفي ان سجلات الجامعة لا تحوي هذا الاسم.
واتجهت الانظار مجددا الى بلدة ارطاس في بيت لحم جنوب الضفة الغربية، بعد تسريب مصادر اسرائيلية عن ان منفذة العملية من سكان البلدة ولكن سرعان ما تبين عدم صحة هذه الانباء.
وفي الوقت ذاته الذي انهك التعب مراسلي الوكالات الاجنبية في فلسطين بالتنقل ما بين مخيم بلاطه، وجامعة النجاح في نابلس، وبلدة ارطاس، ومدينة بيت لحم، انهمك اخوة وفاء في البحث عن شقيقتهم التي لم تعد الى البيت منذ ان خرجت منه صبيحة يوم الاحد.
ومما زاد حيرة العائلة ان وفاء لم يسبق لها وان غابت عن البيت مطلقا، بالرغم من ظروف عملها كضابطة اسعاف في طواقم الهلال الاحمر الفلسطيني الذي قد يتطلب غيابها ما بعد المساء.
تقول والدتها الحاجة وصفية، 68 عاما، رفض اخوتها ابلاغ الاجهزة الامنية الفلسطينية عن امر شقيقتهم، ظنا منهم انها ستعود خلال الساعات القليلة الماضية، ولكن الحال استمر ثلاثة ايام دون اي بارقة امل في العثور عليها، حينها تغيرت الاحاسيس والمشاعر.
خليل، شقيقها الاكبر وبحكم عمله في احد الاجهزة الامنية الفلسطينية، قرر ابلاغ مسؤوليه بأمر اختفاء شقيقته وكان ذلك يوم الثلاثاء.
وكما يقول خليل: ان آخر شيء يتوقعه ان تكون شقيقته منفذة العملية في القدس الغربية، لم يشعر خليل وهو احد اعمدة تنظيم فتح في المخيم وله باع طويل في العمل التنظيمي للحظة ان تكون وفاء، شقيقته الوحيدة في العائلة، عاقدة العزم على تنفيذ عملية استشهادية او حتى لها نشاط عسكري من اي نوع كان.مساء الاربعاء، اجتمع الاشقاء الاربعة تتوسطهم والدتهم التي لم تتوقف عن البكاء، وهي لتوها قد خرجت من مستشفى رام الله لوعكة صحية ألمت بها، قبل ان يدق جرس المنزل، وتكون الحقيقة التي نزلت على العائلة كالصاعقة.
فبعد ان اخذت عينات دم من اخوة وفاء، ونقلت الى اسرائيل، ومع مقارنتها مع عينات الفتاة التي تحول جسدها الى اشلاء بفعل الانفجار، تيقن المحققون ان الاستشهادية هي وفاء علي ادريس، ابنة مخيم الامعري، جنوب مدينة رام الله. وخيم صمت رهيب على المكان، ولم تعد تسمع سوى صوت بكاء الام، وهي تنادي ابنتها الوحيدة وفاء لتعود اليها، فهي لم يعد في هذه الدنيا لها سواها بعد وفاة زوجها، ورحيل ابنائها الاربعة عنها، كل مع زوجته وأبنائه.
اعتماد أبو لبده «32 عاما» اقرب نسوة المخيم الى وفاء، لازمتها في نشاطات لجنة المرأة بالمخيم منذ اكثر من 14 عاما، كانت هي الاخرى مذهولة من الانباء.
تقول ابو لبده: «هذا آخر امر كنت اتوقع حدوثه، كانت تخاطبني منذ فترة قائلة «ليتهم يقدمونني للوطن» دون ان افهم مغزى قولها، وازداد تكرارها لهذه العبارة اكثر فأكثر في الايام التي سبقت العملية».
وللمرأة الفلسطينية سجل واسع في المشاركة بعمليات المقاومة، فوفقا للاحصاءات الرسمية للسلطة الفلسطينية فان (47) امرأة سقطن برصاص الاحتلال او على الحواجز خلال انتفاضة الاقصى.
وكانت قد سقطت العديد من النساء والفتيات برصاص الجنود الاسرائيليين او قذائفهم، سواء اثناء وجودهن في بيوتهن او في المدارس او في اماكن عملهن، فقد سقطت الطفلة «رهام ورد» «10 سنوات» من مدينة جنين وهي داخل صفها المدرسي.كما استشهد العديد من المسنات اللاتي قاربن على العقد السابع من العمر، مثل: فاطمة ابو خردة من قلقيلية، سعدية البكري من رام الله، ندى السروجي من طولكرم.
يضاف الى ذلك فان هناك زهرات ورضيعات لم تتعد اعمارهن شهورا معدودة استشهدن، امثال: ايمان حجو من مخيم خان يونس، ملاك بركات من رام الله، وبراء قلالوة من رام الله.
وبحسب نادي الاسير الفلسطيني فان عدد الفلسطينيات اللواتي اعتقلن على يد قوات الاحتلال منذ عام 67 يزيد عن (3000) امرأة، وفتاة، وطفلة، وام وزوجة.
|