Tuesday 5th February,200210722العددالثلاثاء 22 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

لما هو آت
القراءة...
د. خيرية إبراهيم السقاف

ماذا تقرأ...؟
متى تقرأ...؟
كيف تقرأ...؟
أسئلة راودت الإنسان على مدى زمن الإنسان، وتمَّ في شأنها إجابات تحبرت بها الصفحات، ولا أحسب أنَّ أحداً ما لم يقل هذه العبارة لي، وتلك الإجابة كانت مني... ذلك لأن ثمار «الممارسة» عادة ما تتشابه...
فالإنسان ابن آدم يتشابه في تكوينه، مع اختلاف تفاصيله...، حتى لو كانت هناك صفات متوارثة تظهر جلية ذلك التراكب الموحد فيه...، بمثل ذلك تأتي مخرجاته الذهنية منطوقة، أو مكتوبة، أو معبَّرة بأية وسيلة من وسائل التعبير...
لكنَّ، الذي نهدف من بعد هذه الأسئلة الثلاثة، التي هي قاعدة للإجابة عن الهدف وهو القراءة، يولجنا في مدخل ما بعدها... إذ عندما يحدد الإنسان ما يقرأ، وزمنه وكيفيته، وهو يعي كلَّ الوعي أن الأول مقصود به «مضمون» ما يقرأ...، والثاني مقصود به «الزمن» الذي يحدده هو ذاته القارئ لقراءته، بينما الثالث يهدف إلى «أسلوبه» الخاص عند القراءة أي «طريقته»...
أما ما بعد الإجابات فإنَّ لكل واحدة منها بعداً خفياً...، فلئن كان مضمون ما يقرأ الإنسان يحدد ثقافته وخبراته، فإنَّ الأخريين قد لا تعني إلا صاحبهما...
أما ما يقرأ فإنَّه المؤشر إلى وزن الإنسان، والإنسان الذي يزن الآخر برصيده المالي، إن علم أن رصيده من القراءة هو الوزن الحقيقي له، لتوجه فوراً إلى «نوع» ما يقرأ ومدى استيعابه له... فكم من الذين يقفون خلف «مكائن» الصرف، ويعدون بأرقام لا تحصى مبالغ مالية لا حصر لها وليس لهم في النهاية إلا زمناً وقد تبدد، وجهداً وقد بذل، لكن أرصدتهم الشخصية لا تغطي احتياجات يوم واحد من أيام حياتهم...، فهل كان في «عدِّهم» لتلك الأرقام ما يخصهم ويرفع أرصدتهم الخاصة؟!... أم هل استفادوا من تلك الساعات الطويلة التي قضوها وراء هذه الأجهزة؟ حُدِّد زمنها، أم لم يحدَّد، عُرفت كيفية أسلوبهم في التعامل مع الأجهزة أو لم تعرف؟
إنَّه لكي يدرك البُعد الخفي وراء هذا السؤال...، فإنَّ على كلِّ من يمارس القراءة أن يكون على ذكاء كبير في قنص المضامين التي يقرؤها، ويتحيَّن الزَّمن الذي يمكنه أن يكون صافي الذهن كي يكون قابلاً للاستيعاب متمكناً من الأبعاد لما يقرأ، كي يمتزج امتزاجاً واعياً مع ما يقرأ... ذلك لأن القراءة هي الوسيلة للحياة، وهي النافذة إلى ما فيها وبقدر ما يؤمن المرء بأهمية القراءة فإنَّه يحقق وعيه، ويثبت بعد نظره، ويؤكد فهمه الصواب لمتطلبات وجوده كي يكون ذا قيمة في الحياة وليس على هامشها، والقراءة ليست ترفاً، ولا هي للتسلية، وليست مجالاً للتظاهرة، وإنّما هي الغذاء الأول، والأساس ليس للذهن ولا للإدراك، ولا للإحساس، ولا للفكر، ولا للوعي، ولا للمعرفة، وإنما لكل ذلك في الإنسان... فماذا تقرأ ليس من الأمور الخاصة في زمن تعددت وتداخلت فيه المعارف والخبرات ومخرجات العقل البشري، إذ أصبح من المسلمات والبدهيات أن تكون القراءة شاملة عامة، واسعة مكثفة...
ولأنَّ زمن الإنسان ضاق بما فيه، فإنَّ متى يقرأ، وكيف يقرأ من الأمور التي أصبحت تدخل ضمن نطاق التَّنظيم، والتَّحديد..، والحرص على التحقيق...، فلئن قرأ الإنسان ما كتبه الإنسان عن القراءة فإنَّه لن يوسع هذا الأمر قدره، ولا يمكنه أن يحيط به أو يلمَّ بتفاصيله في لغات الإنسان قاطبة... لذلك اعلم هداك اللّه: أنَّ ما تقرأ هو أنت، وأنَّ القراءة هي سبيلك إلى الحياة حراً طليقاً قادراً على النَّفاذ إلى تفاصيل الحياة ومن فيها، وأنَّ القراءة هي وسيلتك إلى فهم نفسك، ومن ثمَّ فهم الآخرين، وأنَّ سلاحك للحياة هنيئاً أن تعرف نفسك ومن ثمَّ تعرف الآخرين، وأنَّك متى فهمتها فلن تضل طريقك إلى الاستقرار، فماذا يحتاج الإنسان في الحياة أكثر من الاستقرار، إنَّ فيه اطمئنانا إلى الدرب، ومعرفة إلى الحق، وتضامناً مع الصدق...، فاقرأ ما شئت وكيفما شئت ومتى شئت، لكن لا تنس أنَّ في قراءتك ما يُلقمك ما يُشبعك، ويُسقيك ما يُرويك...، فإن كنت شبعاً، غير عطِشٍ استطعت أن تتفكَّر في الحياة والأحياء، ومتى تفكَّرت فيهم، عرفت من، وكيف أنت بينهم...
وتلك وسيلتك للرقي...
ذلك لأنَّ ليس من قادر على السمو أن يتنازل عن مراتبه...
تلك أولى عتبات درب القراءة...
فامسك بها...
تسلم من النصب...
ومن التقهقر... ولا تعرف الفشل...

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved