Tuesday 5th February,200210722العددالثلاثاء 22 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

كانت تتمنى أن تدفن في القدس
سوزان ماتت قريرة العين

أطلق الصباح عصافيره السعيدة فانطلقت بأغنيات جديدة تذكر الإنسان أن الكون بديع وبسط الصباح رداءه على التربة والعشب والشجر والثمر، فاختفى الظلام الذي كان يحجب عنا منظر العطاء الجميل.
ووقفت سوزي أمام المرآة ، أحكمت الغطاء المكوّن من قطعتين على ر أسها .. أخفت شعرها تماما .. حملت كتب المدرسة ودفاترها، ركبت سيارتها وانطلقت بجذل وحبور لا تعرف غيرها .. اخترقت شوارع المدينة الهادئة التي تشق غابة من الصنوبر والسنديان .. ألقت نظرة على النهر تحت الجسر ككل يوم، في طريقها نحو المدرسة المقامة بين الأشجار، أوقفت سيارتها بالموقف المخصص للمعلمات والمعلمين .. انطلقت بخفة ابنة العشرين استقبلها الصغار بتهليل ومرح، وصلت «سيستر» سوزي.. داعبتهم .. انضمت إليهم، تحركت وكأنها لا تلمس الأرض، نشرت كدأبها كل يوم أريج بهجة وسعادة شهد بها كل من عرفها . كانت تدرّس مواد الصف الأول كلها مع اللغة العربية، لأنها قضت بضع سنوات في السعودية ردتها إلى لغتها الأم فأتقنتها فهماً ونطقاً أكثر من غيرها العربيات اللائي نشأن في أمريكا، ولا يزرن بلادهن إلا نادراً . نقلت نصرها في عيون الصغار، ستفتقدهم قليلا .. لقد اتفقت مع الإدارة على الغياب فترة الامتحانات الجامعية .. يعتبرونها فتاة نشيطة وماهرة تدرّس وتدرس وتشترك في كل النشاطات التي تقيمها الجالية المسلمة في هذه المدينة الامريكية في ولاية فلوريدا يحبها الصغار والآباء والأمهات .. يسعدهم نشاطها وهمتها العالية ونجاحها في عملها . زميلاتها يحببنها، ويعطفن عليها كأخت أو ابنة فكلهن زوجات وأمهات يعملن في المدرسة التي أنشأها المسلمون ، واستطاعت الوصول إلى حالة من الاستقرار، وجودة الأداء بعد أربع سنوات من العمل الشاق الذي تلا التأسيس وكانت سوزي قبل ذلك لا تنقطع عن دروس الأحد في العربية والقرآن الكريم، وقد تفوقت عل أخيها التوأم في لغة الأوطان، فكانت تنبهه وتشرح له أثناء الحصة، وقد تترجم له إلى الإنجليزية حين لا تجد وسيلة أخرى .
وها هي الآن معلمة متحمسة لتعليم أبناء المسلمين .. اليوم ستوزع جوائز على الذين فازوا في القراءة .. وافق توزيع الجوائز صيحات فرح وسرور .. خرجت سوزي من الصف وأطلت على صف أختها وقالت مازحة: لن تريني بعد اليوم .. استقلت سيارتها وانطلقت .. إن من عاداتها ألا تخلع حجابها قبل الوصول إلى البيت كما تفعل غيرها من غير المحجبات اللواتي ألزمهن نظام المدرسة بالحجاب .. كما أنها تلبسه من البيت لا أمام باب المدرسة . هنا إشارة «قف» ، القانون يقضي أن تتوقف توقفاً تاما .. لكنها لا تريد أن تفعل ، يجب أن تسرع، ستمر على البيت ثم تتوجه إلى الجامعة، والداها عادا إلى الإقامة في السعودية، أخوها في الجامعة، لا تحب المكوث وحدها، ستنطلق فورا إلى الجامعة ، سوزي مسرعة لا تريد ولا تستطيع التوقف أمام إشارة الوقوف .. وإذا بشاحنة ضخمة تقبل عن يمينها: لا إله إلا اللّه .. إني لأسأل عن الموت وعذاب القبر ويوم القيامة منذ أسبوعين ، لماذا؟ لست أدري .. شريط حياتها القصير مرّ بسرعة مذهلة أمام ناظريها: أمريكا، فلسطين، القدس، السعودية، المسجد، المسلمون، عذاب ا لقبر، أهوال القيامة، الحجاب، تأخرت تأخرت .. إني أحبه ،، لا أعترض على فرضه عليّ في المدرسة ظننت أني صغيرة .. والأيام قادمة وسألتزم الحجاب لكني كتبت وصيتي الحمد للّه.. كتبتها فهذه هي السنّة ، كما قال الشيخ الباكستاني «أسلم» الذي زرته منذ أسبوعين لأسأله عن بعض أمور الدين التي تشغلني .
الشاحنة عن يسارها تجرف سيارتها الصغيرة .. تقذفها وتتجاوزها، تستقر السيارة على جنبها على المساحات الخضراء المحيطة بالشوارع .
كان منظر السيارة مريعاً .. مفزعاً .. توقف بعضهم، وصلت الشرطة .. مرت أخت سوزي مرتين ذهاباً وإيابا فقد أحضرت شيئا للمدرسة . قالت لنفسها مسكين صاحب هذه السيارة لا بد أنه مات ومرت «ساجدة» إحدى الصديقات من المكان فاستغربت تجمع الناس غير المألوف.. وأخافها ذلك التفاوت بين حجمي السيارتين المتصادمتين .. وصل الخبر المدرسة .. وبيوت المسلمين ومستجديهم .. وقع كصاعقة مرعبة مذهلة : سوزي ؟ سوزان؟ غسلت سوزي نهى المصري ذات الحجاب السابع، وخديجة الأمريكية.
أذهل المسلمين عدد المشيعين لجنازتها، والذي لم يتجاوز في الغالب عشرة أشخاص إنه اليوم يقارب الأربعمائة شخص، كيف علموا، كيف اجتمعوا؟ لا جواب محددا.
دفنت سوزي في مقبرة اشتراها المسلمون منذ أعوام قليلة.. وصل أبواها بعد الدفن . وجدا في وصيتها أنها تتمنى أن تدفن عند المسجد الأقصى، لو أمكن ذلك .. بكتها مديرة المدرسة والمعلمات والطالبات والآباء والأمهات .. كلهم قالوا: كأنها كانت تتوقع .. لقد كثر حديثها عن الموقت في الأسبوعين الأخيرين .. وقالت : إنها لا تخافه فهي تتوقع حياة أجمل .. المديرة الشابة قالت: عندما اعترضت إحدى المعلمات على إلزامها بالحجاب في المدرسة، جاءتني سوزي وقالت: أنا لست كذلك لا تظني أبدا أني متضايقة من الحجاب أنا أحبه .. وأرجو أن ألتزم به يوما .
دفنت سوزي المسلمة الفلسطينية، الأمريكية، المسلمة في أمريكا .. تحت الظلال التي تحبّ الجميع . كانت تتمنى أن تدفن في القدس التي أحبتها كثيرا .. كما قالت بعد آخر زيارة لها لفلسطين .

مصلح عبد اللّه العتيبي الرياض
المستشار في منتدى الإمارات كول

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved