Friday 15th February,200210732العددالجمعة 3 ,ذو الحجة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

الليالي العشرالليالي العشر
د. محمد بن سعد الشويعر

قد جعل الله سبحانه تفاضلاً في الأعمال، ومناسبات لكل عمل، حتى لا تملّ النفوس ولا تسأم، وهذه الأعمال أيضاً تتنوع، مابين جهد بدنيّ، وذكر لسانيّ، وعمل تطوّعيّ، ومال يدفع، ودم يسفك قرباناً لله سبحانه.. حيث لكل نوع موسمه، ولكل عبادة دوافعها.
وكل ذلك لابد ان يكون بنيّة خالصة، ومقصود به وجه الله، امتثالاً للأمر التشريعي ونهياً عما يخالف الشريعة، حتى لايكون ذلك الأمر بدعة أو شركاً، يقول صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ».
والأيام كذلك تتفاضل، والمناسبات تتجدد، لكي يأخذ المرء من كل فرصة تسنح بقدر ما يستطيع، لأن الله سبحانه جبل في النفوس المؤمنة دافعاً على حب الخير، يرغّب فيه، عملاً، وانقياداً للأمر، وحباً في الأجر.
هذه الاستجابة تدفع للترغيب، والتّزود من اغتنام الفرص لِتُعْمَل، وللترهيب من آثار النهي، فتقصر وترتدع عن التمادي في الغفلة، امتثالاً للأمر بطواعية ورحابة صدر، ووقوفا عند الزواجر والنواهي خشية من العواقب والخوف من الله، ومن الاجتراء على ممارسة عبادة لايتلذذ بطعمها إلا من راقب الله في السر والعلن.
والأيام العشر، أو الليالي العشر، التي جاء ذكرها في كتاب الله جل وعلا عدة مرات، هي من الأيام التي تقترن بفريضة الحج، تلك العبادة البدنيّة، التي أعظم الله أجرها، وأعلا من شأنها: «من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». أي أنه قبل الله عبادته، وحطّ عنه خطيئته، فالله سبحانه يباهي ملائكته في يوم عرفة بعباده الذين جاؤوه شعثاً غبراً، ويشهد سبحانه ملائكته انه قد غفر لهم.. وهذا مايجعل الشيطان يحثو على نفسه التراب، ذليلاً حقيراً يوم عرفة، لما يرى من تنزّل الرحمات على عباد الله.
هذا الحج الذي فرض على الأمم قبلنا، فنكصوا عنه، وحرموا من أجره بتغييرهم شرع الله، مع ان أنبياءهم كلهم، قد جاؤوا إلى بيت الله الحرام في مكة حاجّين طائعين أمر الله، منذ عهد آدم، إلى آخرهم نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكان من فضل الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ان كانوا يقرأون قول الله في سورة آل عمران: {وّلٌلَّهٌ عّلّى پنَّاسٌ حٌجٍَ پًبّيًتٌ مّنٌ \سًتّطّاعّ إلّيًهٌ سّبٌيلاْ}، فيأتون إليه رجالاً وركباناً، زرافاتٍ ووحداناً كل عام، ليحجوا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم علمهم هذا الحج بقوله الكريم: «خذوا عني مناسككم».
والترغيب في الأماكن والأزمنة، والمفاضلة فيها، ليست متروكة للبشر يقدّسون ما يشاؤون ويستهينون بما يريدون، كما نلمس هذا في كثير من الأماكن في أرض الله الواسعة، وفي معتقدات جاءت من البشر وقدسها أناس منهم بما تصف الألسن، وتهوى النفوس.
لكن القداسة جاءت في الإسلام: بنصوص شرعية، من كتاب الله، وسنة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته، وما ذلك إلا من باب امتحان البشر، ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فيثيب المستجيب، بمضاعفة الأجر المدّخر عنده سبحانه، وارتياح نفس المؤمن لذلك العمل، كإيحاء باطني بأهمية هذا الأمر، الذي وفقه الله إليه محبة وعملا فذاق به حلاوة الإيمان، كما يروى عن ابراهيم بن الأدهم قوله: لويعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من راحة واطمئنان لجالدونا عليه بالسيوف.
فالإيمان هبة من الله، وحسن الاستجابة توفيق من الله لمن يشاء من عباده:{إنَّكّ لا تّهًدٌي مّنً أّحًبّبًتّ وّلّكٌنَّ پلَّهّ يّهًدٌي مّن يّشّاءٍ وّهٍوّ أّعًلّمٍ بٌالًمٍهًتّدٌينّ} [القصص: 56]
والليالي العشر، التي أقسم الله بها، لعظمها، هي التي جاءت في سورة الفجر، حيث افتتحت السورة بهذا القسم {وّالًفّجًرٌ(1) وّلّيّالُ عّشًرُ} قال ابن الجوزي في تفسيره: «وليال عشر» فيها أربعة أقوال: أحدها: أنها عشر ذي الحجة رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وقتادة، والضحاك والسدّي ومقاتل، وعلّق عليه بالقول: وهو الذي اختاره ابن جرير الطبري، وقال: والصواب من القول في ذلك عندنا أنها عشر الأضحى، لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، وقال ابن كثير: الليالي العشر: المراد بها عشر ذي الحجة، كما قال ابن عباس، وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف، قال: وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعاً «مامن أيام العمل الصالح أحبّ إلى الله فيهن من هذه الأيام، يعني عشر ذي الحجة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلاً خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء».
ثم ذكر بقية الآراء في العشر .. وذكر من الأقوال في الشفع والوتر: ان الشفع يوم عرفة، ويوم الأضحى، والوتر ليلة النحر، رواه أبو أيوب الأنصاري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والرأي الثاني: ان الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة، رواه جابر بن عبدالله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن عباس وعكرمة والضحاك (زاد المسير في علم التفسير 9:103 104).
والسيوطي رحمه الله في تفسيره الدر المنثور، أورد آراء لكثير من العلماء في الأيام العشر، كلها تدل على أنها عشر ذي الحجة، وفضل العمل فيها، موضحا رواة كل رأي، من باب التوثيق.
منها قوله: أخرج أحمد والنسائي والبزار وابن جرير، وابن المنذر وابن مردويه والحاكم، وصححه البيهقي في الشعب عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والفجر وليال عشر والشفع والوتر»: إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر.
وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه ابن مردويه والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس في قوله: «وليال عشر» قال: عشر الأضحى،وفي لفظ قال: هي ليالي العشر الأولى من ذي الحجة.
وأخرج عبدالرزاق، وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن عبدالله بن الزبير في قوله: «وليال عشر» قال: أول ذي الحجة إلى النحر.
وأخرج عبدالرزاق والفريابي وعبدبن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن ابي حاتم، والبيهقي في الشعب عن مسروق قال في قوله تعالى: «وليال عشر» هي عشر الأضحى، هي أفضل أيام السنة.
وأخرج عبدالرزاق والفريابي، وعبد بن حميد عن مجاهد: «وليال عشر» قال : عشر ذي الحجة. ومقاله جاء عن قتادة وعكرمة، أما الضحاك بن مزاحم فقال في قوله تعالى: «وليال عشر» هي عشر الأضحى أقسم بهن لفضلهن على سائر الأيام.
وأخرج عبد بن حميد عن مسروق في قوله: «وليال عشر» قال : عشر الأضحى، وهي التي وعد الله موسى في قوله تعالى: {وّأّتًمّمًنّاهّا بٌعّشًرُ } [الأعراف: 142] .
وأخرج ابن مردويه عن عطيّة في قوله: «والفجر» قال: هذا الذي تعرفونه، «وليال عشر» قال: عشر الأضحى «والشفع» قال: يقول الله:{وّخّلّقًنّاكٍمً أّزًوّاجْا} [النبأ: 8] «والوتر» قال الله.. قيل هل تروي هذا عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما عن مكانة العمل في هذه الأيام وفضله فقد أورد: ما أخرجه البيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مامن أيام أفضل عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن، من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد».
وأخرج البيهقيّ عن الأوزاعي قال: بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله، يصام نهارها، ويحرس ليلها، إلا ان يختص امرؤ بشهادة، قال الأوزاعي: حدثني بها والحديث لرجل من بني مخزوم عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج البيهقي عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مامن أيام من أيام الدنيا، العمل فيها أحب إلى الله من أن يتعبّد له فيها من أيام العشر، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة، بقيام ليلة القدر».
وأخرج البيهقي من طريق هنيدة بن خالد عن امرأته، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، أول اثنين من الشهر وخميسين ( الدر المنثور 8: 501 502).
والحاج الذي تجشّم المشاق وعبر الفيافي والقفار، في رحلة خالصة لله سبحانه: حج فريضة، يؤدي ما أوجب الله عليه، أو حج نفل يتزود من الخير، فإن مابين الحجّين يغفره الله بالصدق والإخلاص، جاء متنصّلاً من الدنيا ومكاسبها ومتجرّداً من الزينة والمظاهر يهيئ الله له فرصا في العبادة، وزيادة الحسنات، حيث إن العمل يضاعف في مكة المكرمة أضعافاً كثيرة، فيأتي مع مكانة الزمان، قدسية المكان..
والإخلاص شرط في جودة العمل، والله لايقبل من العبد، إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم، ومن مكسب حلال، حيث تحث شريعة الإسلام: ترغيباً في إجادة العمل وحسنه، وترهيباً في الوقوف عند حدود الله، والردع عن التجاوزات، فيصاحب الترغيب الأجر، وحسن الجزاء الذي تتطلع إليه النفس الراغبة، وتحرص عليه الأفئدة المتمثلة، ويقترن بالترهيب الخوف من الله، والحذر من الإساءة التي تقود إلى التباعد، والعقاب الأليم.
ومن تلك الفرص المتاحة للحاج الليالي العشر التي أقسم الله بها في سورة الفجر، والله يقسم بما يشاء من مخلوقاته، كما ان العرب تقول: إن القسم يدل على مكانة المقسم به، ولذا فإن المخلوق لايجوز له أن يقسم بغير الله، لأن التعظيم له سبحانه وحده، وهو المستحق لذلك، لعظمته في ملكوته وفي أسمائه وصفاته، وأخبر صلى الله عليه وسلم ان القسم بغير الله: كفربالله أو شرك به.
ومن سياق الكلام الذي جاء عند السيوطي، وبرز فيه تعظيمهم ماعظم الله ورسوله في أيام العشر من ذي الحجة وأورد مثل أقواله ابن كثير في تفسيره، فإننا نرى سلف هذه الأمة يظهرون المكانة اللائقة في هذه الأيام العشر من ذي الحجة، فكانوا يكبرون ويهللون في هذه الأيام العشر، فقد روي عن عمر بن الخطاب، وابنه عبدالله رضي الله عنهما أنهما كانا يكثران التكبير في هذه الأيام العشر، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يغشى الأسواق ويجهر بالتكبير وذكر الله في عشر ذي الحجة.. وما ذلك إلا لحرصه على الخير وتعليم الخير رغبة في ان يستأنس الناس به ويقول: هكذا كان يفعل خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الأسلوب الذي اتخذه أبو هريرة رضي الله عنه، نابعاً من حرصه على تعليم ماعلم، خوفا من ان يلجمه الله بلجام من نار، لمن كتم علماً كما قال صلى الله عليه وسلم. وهذا من أداء الأمانة، والاهتمام بمصالح المسلمين ونشر العلم الذي عاقب الله الأمم لعدم تبليغ ماعرفوا من الحق.
وقد استحق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الخيريّة في هذه الأمة بقوله صلى الله عليه وسلم: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» باهتمامهم في تبليغ ما تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من علم قولي أخذوه بالرواية، ومرئي أخذوه بالتطبيق والمتابعة والدراية. وقد جاء في كتاب جمع الفوائد: ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يكبر في مسجد منى، ويكبر تكبيره كل من في المسجد، فترتج أسواق منى من التكبير، حتى يصل التكبير إلى المسجد، فيقولون: كبّر عمر فيكبرون.. كما أورد البخاري عن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما: كانا يخرجان إلى السوق في أيام التشريق، في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.
وجدير بالحجاج ان يأخذوا هذه الحسنة في العشر من ذي الحجة، وشغله بذكر الله والتكبير والتهليل، دون ان يكون جماعياً يردد بدون وعي، بل كلٌّ يكبر لنفسه ويهلل منفرداً حيث يرتبط التكبير بالتعقل الوجداني، فيستحضر القلب ذلك تمعّناً وخشوعاً مع الله.. لأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد أخبر أمته بأن الدعاء والذكر، لابد ان يكون بحضور قلب، وتدبر وقال: إن الله لايستجيب لدعاء من قلب غافل. ولما كان صوم يوم عرفة، من أفضل الأيام، حيث تصومه وحوش البر، وحيتان البحر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصمه عندما حج، ولنا فيه أسوة حسنة.. وما ذلك كما علله العلماء إلا لكي يتقوّى الحاج عندما يكون مفطراً في ذلك اليوم على العبادة وذكر الله وتكبيره وإطالة الدعاء لأن الصيام يضعف قوة الصائم.. ويهدّه العطش والجوع.. فكان الفطر أفضل، مثلما كان الفطر في رمضان عندما تقوم المعركة في سبيل الله أفضل، حتى يتقوّى المسلم على القتال ومغالبة أعداء الله.
في اليوم التاسع من هذه الأيام العشر من شهر ذي الحجة التي سميت عشراً وهي تسع، من باب التغليب يخرج الحجاج من منى إلى صعيد عرفات، حيث يلتئم جمعهم، في هذا المكان الذي يذكرهم بيوم القيامة، عندما يحشر الأولون والآخرون، لفصل القضاء بينهم، ووجهه: ان الحجاج جاؤوا من أطراف الدنيا، مختلفة ألوانهم وألسنتهم متحدة قلوبهم، نحو مقصد وهدف واحد..
فالحاج لكي يصح حجه يجب ان يراعي أموراً منها: الاهتمام بحدود عرفة لأن من لم يقف بعرفة فلا حج له وألا ينصرف قبل غروب الشمس، علاوة على تجنب محظورات الإحرام المعروفة.
وعلى الحاج ان يبتعد عن بطن عُرَنَة، لأن هذا الوادي ليس من عرفة، وليست عرنة موقفاً، وقد جاء النهي عن الوقوف ببطن عرنة بنص الحديث الشريف.. حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عرفات كلها موقف، وأربعوا عن بطن عرنة».
ويصلي الحجاج في عرفة: الظهر والعصر جمعاً وقصراً، بأذان واحد وإقامتين، ويحسن بالحاجّ ان يستمع لخطبة الإمام في مسجد نمرة، ولو بواسطة المذياع، ليتعلم منها أمور دينه، ويتبصر فيما خفي عليه من أمور حجه، حتى يخرج الحاج بفائدة تعينه على طاعة الله، وعبادته سبحانه على الوجه الصحيح، ويسأل عما خفي عليه أهل العلم المنتشرين في المشاعر، حيث حرصت الدولة وفقها الله على الاكثار من طلبة العلم، وتوزيعهم في المشاعر، حتى يعينوا الحجاج على حسن المعرفة في أداء مناسك الحج، وتيسير الأمور لهم، وهذا جزء من الخدمات التي تقدمها الدولة السعودية لضيوف الرحمن في كل مكان منذ تطأ أقدامهم أرض المملكة وحتى يغادروها لبلادهم.
والحاج ليس ملزماً بصعود الجبل في عرفات، ولابمشاهدته، فإن عرفة كلهاموقف، وعلى الحاج ان يكثر من الدعاء في هذا الموقف، وخاصة في العصروالاستغفار وقراءة القرآن، لأنه يوم تسكب فيه العبرات، ويوم يباهي الله بالحجاج ملائكته، وبعد الغروب ينصرف الحجاج إلى مزدلفة، ليبيتوا فيها، ويصلوا فيها المغرب والعشاء جمعاً وقصراً، ومن كان معه نساء أو ضعفاء له أن ينصرف بعد منتصف الليل ليرمي جمرة العقبة، ويرتاح بمنى، أو يذهب إلى البيت لطواف الإفاضة ثم يتحلل.
متى استعبدتم الناس
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مشهور بحكمه العادل بين الناس، وعدم محاباته في الحق أحداً مهما كان، لايفضل عنده قوي على ضعيف ولا المسلم على غير المسلم، بل الناس في حكم الله سواء، وقصته مع جبلة بن الأيهم الغساني مشهورة أما قصته مع ابن عمرو بن العاص، والقبطي، فيرويها أنس قال: بينما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاعد إذ جاءه رجل قبطي من أهل مصر شاكياً فقال:
يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائد بك من الظلم؟ فقال عمر: لقد عذت بمجيب فما شأنك؟
قال: سابقت على فرسي ابناً لعمرو بن العاص فسبقته وعمرو يومئذ أمير على مصر فجعل يضربني بسوطه، ويقول: خذها مني، وأنا ابن الأكرمين.. فبلغ عمل الابن عمراً أباه، فخشي ان آتيك، فحبسني في السجن.. فانفلت منه وأتيتك. فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص، يقول: إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسمأي موسم الحج أنت وولدك فلان. وكان المصري قد سمى لعمر بن الخطاب اسم الولد الذي ضربه. وقال عمر للمصري، أقم حتى يأتيك عمرو وابنه المذكور، قادمين من مصر.
فقدم عمرو بن العاص وابنه المعني موسم الحج، فلما قضى عمرو الحج، جاء إلى عمر بن الخطاب، وهو قاعد للناس بعد انتهاء الحج، فجلس عمرو بن العاص إلى جانبه، وابنه بجوار أبيه.
عند ذلك قام المصري من جانب المجلس، مستنهضاً عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أخذ حقه من ابن عمرو بن العاص، فرمى إليه عمر رضي الله عنه بالدرّة وأشار إليه بأن يضرب من ضربه.
قال أنس: فأخذها المصري فبدأ يضرب ابن عمرو بن العاص، ونحن نشتهي ان يضربه.. وعمر يحثه على ان يزيد في الضرب ويقول له: اضرب ابن الأكرمين.
حتى استوفى المصري حقه، وارتاح قلبه بعد الأخذ بالثأر، الذي طمأن قلبه.. فرفع الدرة وكفّ عن الضرب، وقال: قد استوفيت واشتفيت يا أمير المؤمنين.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمصري: أجلها على صلعة عمرو.. يعني أعد الضرب على الأب بعدما استوفيت حقك من الابن..
لكن المصري الذي ارتاح لعدل الإسلام الذي طبقه عمر بن الخطاب دون مراعاة لمكانة عمرو بن العاص، وإنما المراعاة للعدل وعدم الظلم مهما كان نوعه.. وقال: يا أمير المؤمنين قد ضربت من ضربني، فقال عمر: أما والله لوفعلتها لما منعك أحد، حتى تكون أنت الذي ينزع، وإنما ضربت ابنه بولاية أبيه.. ثم التفت عمر إلى عمرو وقال: ياعمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وقد كان لهذه الحكاية صدى واسعاً في مصر وغيرها من الديار عن عدل الإسلام وولاته وحفظ حقوق الرعية.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved