* حوار عبدالرحمن الدخيل:
نجدت إسماعيل أنزور.. اسم لمع بقوة في خارطة الدراما العربية، رجل مبدع بقدر ما تعني هذه الكلمة.. يأسر اهتمامك كلما خرج بعمل جديد.. يملك سر الدهشة، ظل يشدنا بفنه الرفيع وقامته المديدة في الإخراج ردها طويلا من الزمن.. تجول في باحة الروعة التي استنطق مجاهيلها بشفافية باهية واقتدار، فما لبث ان أرَّخ لنفسه مدرسة اخراجية راقية صنعها بخياله الفاخر ولمساته الساحرة بزوايا تصويرية غاية في الجمال واضعاً بها قدميه على قمة الهرم الدرامي بلا منازع.
شاهدناه وهو يحاول ويتحسس قوافي ابداعه في الجنادرية مؤخراً..
يهب مدن إبداعه يمنة ويسرى، استوقفناه هنيهة لينفحنا عبر موائد حضوره الزاهي ببعض ما يكتنز من روائع، فأعطانا بأكثر ما كنا نتوقع، تحدث إلينا بصراحة وجرأة كبيرتين عن آرائه في كثير من الأشياء.. فماذا قال؟:
* ماذا كان يريد ان يوصل نجدت أنزور إخراجياً.. للمشاهد من خلال أوبريت «أنشودة العرب» الذي عرض مؤخراً في الجنادرية؟
هذا سؤال جميل، أولاً العمل عربي وتوجهه عربي وكل الكلام الموجود فيه مهم جداً، واعتقد أننا كعرب بحاجة لمثل هذه المواقف والأفكار في ظل الوضع العربي السيىء الذي نعيشه حالياً، فقد أصبح قرارنا ليس بأيدينا، وأصبحنا نعيش في حالة من التفرقة والتشرذم، لذلك فمن الرائع حقاً ان نعيش لحظة نكون فيها أمة عربية واحدة ونسجل كذلك موقفاً واحداً تحت أفياء هذا الأوبريت، واعتقد ان الجنادرية هذا العام قد أتاحت لي ان اسجل هذا الموقف بأن جعلت صلاح الدين رمز العروبة يقف على المسرح ويقول مجلجلاً: قد آن لهذا السيف ان يبارح غمده ويشهر، فالقدس تنادي من خمسة قرون وتصرخ ولا من مجيب..
وأعتقد ان هذا موقف سياسي في المقام الأول، ثانياً: لعلي ولأول مرة اقوم بإخراج أوبريت وأتعامل معه على المسرح بعدة أشكال من الفنون، الذي لم يشاهد الأوبريت في المسرح لن يدرك أهميته، فالتلفزيون في اعتقادي يقزم العمل ويحوله لأغنية او استعراض، وهذه السنة لم تتح الفرصة للكثير من الجمهور لحضور العرض على المسرح ولكن في العام القادم إن شاء الله إذا تم العمل فسوف يكون هناك سبعة ليال متتالية من العرض مما يتيح المجال لكل الجمهور لحضوره ومن ثم الحكم على هذه التجربة، لأن الأوبريت كما سبق ان تناولت يحوي عدة فنون تشكيلية، مسرحية، رقصا وغناء فعندما تشاهده يغمرك للحظات احساس بأنك داخل صالة سينمائية متطورة بكل معنى الكلمة فيها الصوت المجسم واللقطات المثيرة، فهذا الخليط من الفنون الذي استطعنا ان نوصله مع العلم بأن النص واللحن كانا جاهزين قبل استلامي للعمل، وهذا يعني أني لم اتدخل لا في النص ولا في اللحن، لكن في المرة القادمة سيكون لنا وجهة نظر فيهما لكي يكون هنالك انسجام اكبر بين كل عناصر الأوبريت.
* هل هذا يعني بأن نص الأوبريت كان مقيداً بالنسبة إليك؟
لا، لم يقيدني يجب ان نعلم ان الجنادرية هي ليست ب«برود واي» التي تقدم أوبرا وموسيقى، فهي لها هدف وغاية لانتاج أوبريت عربي، وهذا الهدف تحقق في النص ثم يأتي دور الفنان الذي يستطيع ان يضيف اضافات بصرية تثري الرؤية الموجودة أصلاً فتدخلت بإطار فني وكما قلت بأن المرة القادمة سيكون لنا وجهة نظر في طريقة كتابة النص وليس في الكلمات فلن اتدخل في عمل الشاعر ولكن على الأقل في الصياغة العامة للعمل وهناك العديد من الأفكار والاطروحات للعمل القادم ستناقش قريباً وسنصل فيها إلى نتيجة أفضل مما قدمنا هذا العام وهذا ليس انتقاصاً مما قُدم، الآن سنتواصل مع الحضور بشكل أو بآخر ولم يعد هناك حواجز حتى الحاجز النفسي.
توظيف مناسب
* هل أنت راض عما قدمته في الأوبريت؟
أنا راض جداً والرسالة التي كان يحملها الأوبريت وصلت للناس وفهموها وخصوصا دخول صلاح الدين على المسرح فقد تعلم الكثيرون من هذه النقطة بالذات كذلك اتاح الأوبريت ان ادخل عنصر من مسلسل «البحث عن صلاح الدين» وتم توظيفه واستثماره لأنه كان يحمل أهمية كبيرة والاوبريت كان يتطلب هذا الشيء لوجود لوحة عن حطين.
* ألم يكن هذا التوظيف بمثابة تسويق ل«البحث عن صلاح الدين؟».
لا، أبداً ليس له علاقة لأنه تسوّق وانتهى وبيع للكثير من المحطات وعاد ريع المسلسل تبرعاً للانتفاضة وشهدائها لكن هذا التوظيف يعد تأكيداً للموقف لوجود تلامس مباشر بين المسلسل والأوبريت.. فلماذا تحدث غازي القصيبي عن حطين الآن والإجابة لكي يقول بأننا نريد حطين أخرى نريد صلاح الدين آخر، أين الخطأ إذا كان لأي شخص عمل يحس انه يلامس عملا سابق ان يعود ويؤكد وجوده مرة أخرى هذه فرصة وأنا قمت باستغلالها والفرصة الأكبر لي هي اني اقوم بعمل مثل هذا لأول مرة فأنا لم أعمل عملاً مسرحياً من قبل.
* هناك من انتقدك وقال انك لم تعمل بجميع إمكاناتك في الأوبريت؟
هذا رأي وأنا لا أصادر آراء الناس ورأي فيه الكثير من الصحة لأنه فعلاً ليست إمكاناتي باعتبارها أول تجربة لي مسرحية كما قلت في السابق، وعموماً انا راض عما قدمت لأن العمل لا يتحمل اكثر من هذا وهو نواة لشيء قد يتفجر لاحقاً.
هجوم
* ما هي قصة الهجوم العنيف عليك من أقرانك من ممثلين ومخرجين هل هو بسبب فلسفتك الإخراجية التي يعتبرونها خارجة عن المألوف أم لأسباب أخرى؟
هذا سؤال ذكي يحمل في طياته جزءا من الجواب لكن لكيلا نفلسف الأمور ونعطيها أكبر من حجمها، أقول لك بتواضع شديد «يمكن ان تشعر انت كصحفي حجم التنافس بينكم كصحفيين، لكن التنافس بين الفنانين اكثر تعقيداً ويصل أحياناً إلى درجة الغاء الآخرين بشن حروب نفسية واقتصادية وجميع الحروب والسبب هو الأخلاق بالدرجة الأولى وكذلك الخوف من المستقبل ولكل هذه الأسباب يتنكر الفنان بعد ما ساهمت في نجاح العمل ونجاح هذا الإنسان وجعلته نجما ويقول أنا نجحت وهو لا يعرف ان النجاح في العالم العربي له سقف بكل معنى الكلمة وهو لا يعرف بأن هنالك عالما آخر اسمه عالمية، أنا كنجدت أنزور هدفي ان أخرج للعالمية وليس هدفي ان أنافس العرب أو أنافس سورياً، انا باحث إشكالي عندي اشكال مع نفسي لا اقتنع بالشيء الذي وصلت له، الآن اعيد تصوير مسلسلاتي السابقة من جديد سوف اعملها أفضل من السابق، ورغم دفاعي الدائم المستميت عن وجهة نظري وفلسفتي التي يغيبها الإعلاميون والنقاد الموجودون خوفا من المستقبل وخوفاً على مكانتهم الدرامية فأنا غير راض عن أعمالي كلها».
* ما هي فلسفتك في الإخراج؟
وجهة نظري هي ان أي عمل درامي له عدة عناصر، وأولى هذه العناصر هي الحس الجمالي الموجود فيه، فهذا العنصر كان مُغفلاً في السابق حيث لم يكن يهمهم الكادر أو اللقطة أو عملية ضبط الكادر من اضاءة وغيرها، وعناصر الابهار لديهم ليست موجودة مع ان مهمتنا في الأساس هي الابهار بالدرجة الأولى فهم يعملون ضد منطق المهنة بشكل أو بآخر وكأنه تصوير إذاعي، انا اريد ان اصور من زاوية مختلفة، وأنا حر في ذلك فأنا تساءلت عن لماذا يتم التصوير من زاوية معينة دون الالتفات للزوايا الأخرى؟ فبدأت أبحث عن نقاط الضعف في الدراما العربية ووجدت فيها الكثير من المشاكل مثل «التمطيط» والتطويل غير المبررين، فالقصة التي تنتهي في حلقة يتم تصويرها في ثلاثين حلقة، لذلك بدأت أغير في هذه التركيبة قدر ما استطيع، ولكني لا اقدر ان امتلك جميع مقومات هذا التغيير، لأن من خلفي جهة انتاجية وميزانية ورأس مال يجب ان يموّل العمل حتى يغطي تكاليفة، فبدأت اعمل بنفس الصيغة ولكن بشكل حرفي أكثر، وبحثت عن الجمال والتشكيل وبدأت عملية التغيير، تظهر للعيان، وهنا اريد ان اوضح نقطة مهمة، أنا لم أبدأ بالفنتازيا، نعم اشتهرت بها اكثر ولكن بدايتي كانت واقعية مائة بالمائة، والأعمال التي نلت منها جوائز عالمية هي واقعية لا تمت للفانتازيا بصلة والفانتازيا هي سلسلة واحدة عملت بناء على رغبة الجمهور الذي يسألني عنها وطالب بأجزاء متتالية، فبدأنا ب«الجوارح» ثم «الكواسر» الذي أخرته ثلاث سنوات ورغم ذلك نجح نجاحا منقطع النظير وبعد ذلك «البواسل»، وسيعرض قريباً على الشاشات عمل اسمه «المسلوب» والعمل الذي أثار ضجة كبيرة هو «الموت القادم من الشرق» لأن فيه اسقاط كان واضحا أكثر من غيره واعتبره انا انضج عمل للسيناريست هاني السعدي من ناحية المضمون والتكثيف وعلاقة الشخصيات كسيناريو، وهذا ما دفع احد الكتّاب الصهاينة بكتابة مقال طويل عني وعن هذا العمل يقول فيه اني أؤسس لنازية عربية جديدة أما العنصر الثاني بعد الحس الجمالي هو عنصر الإنتاج الذي يصرف على المسلسلات، فكل مخرج الآن لديه ثلاثة أو أربعة مساعدين يصور بثلاث أو أربع كاميرات تصرف له وتكلفه اقامة في فنادق واعاشة وغيرها لماذا لا يخفف من هذه الميزانية وتحول امام الكاميرا لكي نراها على الشاشة.
* حتى في التعامل مع المجاميع الكبيرة؟
مع كل شيء ولا يوجد صعوبة في التحكم بعدد كبير مع المجاميع لأن فريق عملي مهني ومحترف وكذلك نتعامل مع المجاميع بأسلوب عسكري لا يوجد فيه مزح، وأود ان اوضح نقطة مهمة وهي انه قمة الكوارث ألا يعرف المخرج ماذا يريد إذا جلس في موقع التصوير فالمفروض ان يفكر ماذا يريد وان يضع الكاميرا ولا بد له ان يرى اللقطة قبل ان يصورها.
* تقصد عملية المونتاج الذهني؟
نعم، هذا بالضبط ما أقصده فإنك عندما ترى المشهد وتمنتجه يكون الموضوع منتهياً يبقى عليك فقط عملية التنفيذ فأنا دائماً اتخيل 90% من مشاهدي ممنتجا واحيانا مع الموسيقى التصويرية كذلك فأنا اشبه عملي بالفن التشكيلي لذلك فقد كسرت قواعد الإضاءة والديكور ولدي شغف كبير بكسر هذه القواعد حتى في مسلسل «البحث عن صلاح الدين» مثلاً أدخلت عنصر تجديد الكاتب الذي معه جهاز كمبيوتر وأصبح عنصراً من عناصر التاريخ ولم يكن فجاً، بل في سياق السيناريو كذلك غيّرت الكثير من المواقف التاريخية فالذي كان في الداخل جعلته في الخارج والذي كان في الخارج جعلته في الداخل لأني لا استطيع ان اوثق كل شيء ولا استطيع ان أذهب للقدس واصورها داخل الأراضي المحتلة.
* هذا يدل على انك مخرج متمرد على التقليدية؟
طبعاء لأن المشاهد نفسه متمرد لأنه لو لم يكن متمرداً لم تعجبه هذه الأعمال ولأصابه الملل والكلل من الأعمال الكلاسيكية فمنذ أيام نور الدمرداش إلى الآن لم تتغير صيغة المسلسل العربي «طيب جددوا شوي، كلهم يلا.. يلا بدهم السهل ما بدهم يتعبوا».
* هل ما زالوا يتعاملون بهذا الشكل حتى الآن؟
نعم، طبعاً.
* حتى المخرج المصري محمد فاضل؟
محمد فاضل أمامه معوقات ولا تنس أنه كان مخرجاً مهماً لفترة طويلة قدم مجموعة من الأعمال تميزت واختلفت عن الأعمال الموجودة، لكن أين هو الآن.
عصابة!
* حتى مسلسله الأخير «للعدالة وجوه كثيرة»؟
طبعا لا يوجد فرق بينه وبين المسلسلات الأخرى لأنهم تحكموا في قطاع الإنتاج في مصر فهم عصابة وأهم شيء لديهم هو التسويق والربح بغض النظر عن أي شيء آخر مع اني شبهت الفن في مصر بالمارد النائم إذا استيقظ يوما ما سوف يدمر كل شيء واعتقد بأن أحد أسباب الهبوط الفني هو البيروقراطية، فالدولة لا تستطيع ان تصنع فن ووظيفتها الرعاية والتشجيع أما الأفراد الموهوبون هم الذين يوجدون الفن ويجعلون له صيت وسمعة في كل أصقاع العالم، فمثلاً في أمريكا توجد مؤسسات حكومية ترعى وتشجع وتضع جوائز أوسكار تحفز البنوك، فسيتي بنك مثلا يستطيع ان يصنع فنا فهو يريد موهوبا يحول الأموال إلى فن، لذلك يجب ان يكون لدينا بالدرجة الأولى ثقة في أنفسنا، اننا نستطيع البروز بأقل الإمكانات فكيف إذا اتيحت لنا إمكانات أكبر، ولنأخذ مثلاً مسلسلي «آخر الفرسان» فقد ذهبت لفرنسا في كان وعرضت «Promotion» على خمسة آلاف شخص في قاعة ضخمة فيها عدة شاشات ضخمة وكان هذا حفل كبير على شرف «آخر الفرسان» فاكتشفت منذ 22 عاما بأننا كعرب يمكن ان نبيع وكنا دائماً نشتري الدراما، فالناس توافدوا على القاعة ليروا هذا الشيء العجيب الغريب والحمد لله بعنا المسلسل على 42 محطة اجنبية وهو يترجم الآن إلى ست لغات، فينبغي ان نشتري أهم التقنيات في العالم ونوظفها مثلما عملنا في أوبريت الجنادرية لما أتينا بالشاشات الضخمة والتقنيين الأجانب الذين يستطيعون ان يعطوك عملا كاملاً 100% بدون مشاكل، فقط اضفنا له العمق العربي.
تقليد أعمى!
* هناك من يقلدك في رؤيتك الاخراجية؟
نعم، يوجد في الساحة «أعمال تايوانية» وهذا شيء طبيعي لأنهم يستسهلون الموضوع «فلان عمل هيك نجح خلينا نعمل مثله» العمل الذي لا يوجد فيه شخصية للمخرج هو عمل غير ناجح بغض النظر عن نجاحه لفترة بسيطة أو لاقى جزءا من النجاح».
* يلاحظ عليك في أعمالك اختصار الحوار؟
«أنا تبع شغل مو حكي تبع صورة» انا أؤمن بوجود لغة بصرية لها مفردات مثل لغتنا التي نتكلم بها، وتتشكل عناصر الصورة أو اللغة البصرية من إطار أو كادر ويوجد في هذا «الإطار» عنصر مكاني وعنصر زمني وإضاءة ولحظة تصوير وممثل وديكور واكسسوار كيف تجمع هذه التوليفة وتوجد منها حالة، أنا فنان تشكيلي أولاً وأخيراً أما غيري فيعزل هذه العناصر ويتعامل مع المضمون ويقول بأن هذا الموضوع تقدمي، أنا أفضِّل ان أقرأ المسلسل في كتاب مائة مرة من ان أراه مع ممثلين معاقين ومخرج متواضع وإمكانات هزيلة إما ان اقدم فنا راقيا او انسحب من هذه المهنة هذه مهنة خيال ليست مهنة كتابة وقراءة لذلك فالنص يجب ان يتراجع في مهنتنا إلى الدرجة الثالثة أو الرابعة وان لا يكون درجة أولى وهذا لا يعني أن النص يفقد أهميته لكن منطق عملنا وادواتنا هي العدسة والصورة نحن نقول «يصور المسلسل» وهذا يعني بأن هناك تصويراً إذاً فاللقطة هي الأساس وهؤلاء يتعاملون مع الكلمة قبل ان يتعاملوا مع اللقطة فهم يستخدمون أدوات التعبير بشكل خاطئ.
* لماذا دائماً تهاجم العاملين في الدراما العربية؟
أنا لم أهاجمهم، بل بالعكس هم الذين هاجموني.
* لماذا هاجموك؟
قلت لك في السابق هذا مرض.
* هل لأن أعمالك كشفت حقيقة أعمالهم المتواضعة؟
لا، بالعكس أعمالي جعلت منهم نجوما ولكن كما قلت في السابق انهم مريضون يخافون من المستقبل.
نحن نعيش في العالم العربي الذي لا يوجد فيه أفق واضح ولا تعرف ماذا يحمل المستقبل فهذا ينعكس ويؤثر على الممثل والفنان سلبياً، وإذا توفرت لدينا منافسة شريفة في العمل فلن تجد هذه الآراء المسطحة والأشخاص المعقدين الذين يتكلمون. لا أنكر أن لدى الفنان نرجسية لكن لحد معين ولا تصل لمرحلة الغرور.
وعن نفسي فأنا متواضع لم أتكبر واتغطرس على أي شخص.
* هم يتهمونك بالغرور بسبب آرائك؟
لأني صريح وواضح لا أجامل من الذي جابه كل المصريين؟ هل هناك أحد غيري تجرأ وتكلم عنهم؟ انا الوحيد الذي تكلمت بصراحة وتحملت النتائج.
* لماذا لا تحضر المهرجانات التي تقام في مصر؟
لا نريد مهرجانتهم ولا جوائزهم طالما لا يوجد تمييز بين الجيد والرديء، الجميع يأخذ جوائز لا بد ان يكون للجائزة قيمة لأنك تعمل طوال السنة على عمل ثم تذهب لمهرجان لتشعر بأن هذا المهرجان قد قيَّم عملك بشكل صحيح وتأخذ فيه جائزة تستحقها لكن من الذي يقيِّم في مهرجان القاهرة؟! أنصاف المخرجين وأنصاف الفنانين وأشباه الفنانين هؤلاء هم الذين يقيمون لك عملك وأنا شخصياً لا يشرفني ان يحكموا على عملي لذلك أخذت موقفاً واضحاً من هذه المهرجانات. مهرجان البحرين كان جيداً فذهب إليه المصريون وأفسدوه وأصبحوا يضعون في لجنة التحكيم كل من هب ودب.
* هل يستفزك نجاح أي عمل لمخرج آخر؟
لا، أبداً وأود ان أقول لك سراً أفصح عنه لأول مرة وهو انني لا أشاهد أعمالا عربية اطلاقاً.
* لماذا؟
لأنه باختصار «بيخرب فسفور مخك» قالها ضاحكا .
حاتم علي
* ما هي مشكلتك مع حاتم علي؟
لا يوجد لي مشكلة معه فأنا الذي صنعته ونسيت الدور الذي وضعته له في مسلسل «الجوارح» وكان ممثلاً معي في العمل.
* ما الذي يجعله يضع نفسه مقارنة بك؟
يريد ان يجعل لنفسه قيمة وهذا أمر عادي.
* ألم يلفت نظرك العمل الذي أخرجه «الزير سالم»؟
نعم لفت انتباهي تشويهه لسيرة الزير سالم هذه السيرة الشعبية الجميلة التي يعشقها الجميع ومخزونة في ذاكرتنا من خلال الروايات المكتوبة ولكن حاتم علي اظهره لنا بشكل تقدمي قليلاً.
* كيف؟
أظهره بشكل خاطئ هل هذا هو الزير سالم هل هذا بستانه هل هذه ناقته، لماذا نكذب على أنفسنا ولانتعامل مع الواقع كواقع 100% أين البستان الجميل المليء بالورود؟ حاتم علي صور لنا خف جمل يطأ على زهرة يابسة فأين الخيال في ذلك وهل هذا شكل اخراجي ناجح بالنسبة لمخرج يتشدق أمام الكل بعبقريته؟ واعتقد ان هذا الحاتم مخرج عديم الخيال وليس لديه احساس اخراجي نهائياً.
* ربما يكون هذا المتاح لديه؟
لا يوجد شيء اسمه متاح لماذا تغفرون لهؤلاء المتخلفين اخراجيا وتهاجمون أي غلطة تجدونها في آخر مسلسلاتي.
* لماذا عمل مسلسل صلاح الدين هل يحاول منافستك؟
هذا شأنه، صلاح الدين ليس حكراً عليّ فهذا تاريخ وأقول لك من يعيش في الذاكرة أكثر ومن يكون مؤثر وله علاقة بالواقع انا معه انا لست مع التاريخ اطلاقا وناقم عليه وأعمل فنتازيا حيث لا مكان ولا زمان فمثلاً ابن الوهاج في «البواسل» لن تجده في الطبيعة ان بحثت عنه، ما يهمني الحكاية الجميلة التي نحبها ونتمسك فيها اقوم فيها بعمل بعض الاسقاطات فنحن مهمتنا توعوية وتنويرية فهل رأيت عملاً فنيا يحرر فلسطين او يحقق لدولة ما استقلالها فمثلا هل تلزم بيكاسو بأن يوجه رسوماته لفلسطين؟ طبعا لا، ألا يكفي الأطفال الشهداء الذين يسقطون يومياً في فلسطين، هؤلاء أكبر من أي فنان في العالم يريد ان يعبر عن لحظة خوف يعيشونها فهم عمالقة ونحن اقزام فهل يستطيع القزم ان يعبر عن العملاق؟، فلندع الانتفاضة كما هي ولا نشوهها اتركوها في حالها إذا استطعنا ان ندعمها سوف نفعل وهذا الذي عملته كموقف وطني وإنساني في مسلسل «صلاح الدين» تبرعنا بكامل دخله للهلال الأحمر الفلسطيني وأسر الشهداء في انتفاضة الأقصى، وهذا يحدث لأول مرة عربياً، فأين الصحافة عن هذا الموضوع؟ نحن تعودنا الحديث عن المانشيتات وبتنا لا نتدخل في التفاصيل.
* ما هي قصة الضجة التي صاحبت عملك «اخوة التراب»؟
هذا العمل أحدث ضجة وكتب عنه في الصحافة مئات المقالات ثم أوقف عند الحلقة الثالثة عشرة في التلفزيون الكويتي لاعتبارات سياسية وكذلك لاحتجاج السفارة التركية في الكويت على عرضه وفي اعتقادي يجب ان تسقط الكثير من حساباتك إذا أردت العمل في الفن لكي تصل، والفنتازيا لن تفهم قيمتها ومعناها الآن بل سيعرف قيمتها ومعناها الأجيال القادمة، أنا لن أتناول التاريخ في أعمالي لأنه مكتوب من وجهات نظر متعددة فتحتار أي وجهة نظر سوف تتبناها ولذلك فلندع التاريخ في كتبه وللباحثين، أنا مخرج فنان لا علاقة لي بالتاريخ سوف آتي بابن الوهاج والغنضفر والقعقاع وغيرها من هذه الشخصيات لكي تعيش مع الناس وتحبها ولأوصل أهدافا معينة كأن ارفع الحس الجمالي لدى المشاهد سوف اجعله يعشق الصورة وينقم على أي عمل يشاهده داخل الاستديو.
* من أجل ذلك تعتمد على الرمز في أعمالك؟
الرمز أهم شيء في العمل الفني، وأرقى شيء في الفن ألا يكون مباشراً لأنه حينها يعيش طويلاً فعندما يكون الهدف من العمل سياسيا ينتهي بانتهاء هذا الموقف السياسي الذي يتكلم عنه العمل، لماذا عاش شارلي شابلن مائة سنة وسيعيش مائة سنة أخرى لأنه اعتمد على الرمز ولأن أفلامه كانت بدون صوت، بل بصورة فقط ولغة بصرية.. أنا أقول يجب ان نعود لشارلي شابلن لكي نتعلم منه كيف نستطيع ان نعبّر بدون حوار عن أهم قضايا العالم، الكاميرا تعلمنا كيف نتحدث وكما قلت سابقا نحن نستخدم أدوات التعبير بشكل خاطئ لذلك لا بد ان تكون النتيجة في الأخيرة خاطئة.
كشف العيوب
* ما هي الرموز التي استخدمتها في مسلسل «البحث عن صلاح الدين»؟
لم استخدم رموزاً في هذا المسلسل بل أخذت من التاريخ ما يفيدنا في هذه اللحظة ويرفع روحنا المعنوية ويكشف العيوب الموجودة فينا، وتعاملت مع المعاصرة من خلال كاتب آخر لأن في هذا العمل كاتبين كاتب للمادة التاريخية وهو محمود عبدالكريم وللمادة المعاصرة حسنين يوسف فوضعت في العمل حواراً مع الغرب من خلال الإنترنت عربي يحاور أمريكيا.. وإذا رجعت لجمل هذا الحوار تجدها خطيرة وعميقة ولا تنس الحجج التي كانت قوية، وأردت ان أقول اننا كعرب قادرون على التواصل مع الغرب، وان توصل رسالة من خلال هذا العمل وهي اننا لسنا ارهابيين، الغرب هم الإرهابيون نحن العرب منفتحين ولدينا رصيد هائل من الحضارة لا يخشى المستقبل، فقط نحن نمر بظروف صعبة وواجبنا كفنانين ان نسلط الضوء على هذه النقاط.
* هل أنت تراهن على عملك القادم «آخر الفرسان»؟
أنا لا أراهن إلا على الأجيال القادمة.
* ما رأيك في الصحافة الفنية؟
لدينا مشكلة في وطننا العربي هو ان كل فنان يدافع عن عمله بنفسه، أين النقاد الذين يدافعون عن هذا العمل هذا دليل على ان الساحة خالية من النقاد، الصحفيون الموجودون ينقلون الأخبار ويكتبون بعض المقالات لكن أين المقالة التي تحلل العمل الفني وتبين ما له وما عليه بإنصاف فأقلامهم تجدها دائماً تطعنك وتلغي جهدك وجهد كل العاملين في العمل وتسطح الأشياء لنزوات شخصية.
تخلف
* برأيك متى تتطور الدراما العربية؟
الدراما لم تهبط من المريخ هي نتاج المجتمع وللأسف مجتمعنا مجني عليه وخرج الفنان من هذا المجتمع فاصطدم بمعوقات وأشخاص معقدين في الوزارات والمديريات، المجتمع يفرز للخارج ليس للداخل والدراما افراز المجتمع ومجتمعنا دعني اسميه مجازاً متخلف وبالتالي لا بد ان تكون الدراما فيه متخلفة.
* ما قصة خلافاتك مع الممثلين؟
في حياتي لم أختلف مع ممثل عمل معي وأتفاجأ في الصحف ان هناك خلافا وأنا لا أعرف السبب.
* هل خلافك مع أيمن زيدان بدون سبب؟
لا يوجد خلاف بيني وبينه وكل ما حدث اني ابحث عن وجوه جديدة ولا يُعقل ان اربط مصيري بمصير ممثل، فهل أيمن سيظل بطلاً لأعمالي طول عمره، لا بد من التجديد.
* أيمن زيدان دخل الإخراج؟
عادي جداً الآن أي شخص يمكنه ان يخرج في هذا الزمن الكل اصبح مخرجاً لا يوجد مشكلة فهم يستسهلون الأشياء بائعي الخضار أصبحوا منتجين والساحة مليئة بهذه الأشكال.
* هل أصبح الفن مهنة من لا مهنة له؟
نعم، لأن معايير المجتمع تتغير وتسقط، وهذه الفترة هي فترة اللا وعي المجتمع الآن يعيش في حالة غياب عن الوعي لا يعرف ماذا حدث أو ماذا سيحدث يؤرقه كثيراً الخوف من المجهول والمستقبل وهذا ينعكس على أفراد المجتمع لذلك تجدهم يتمسكون بالمادة يبحثون عنها بأي طريقة كانت.
* من لفت نظرك من المخرجين العرب؟
لم يلفت نظري أحد الآن لكنهم جيدون وربما يوما يخرج لنا أحدهم بعمل ينسفنا فيه وهذا ما أتمناه ولكن إلى الآن لم أر أحدا متميزا.
* ما رأيك بصديقك المخرج البحريني أحمد المقلة؟
هذا صديق عزيز وقد عمل معي في مسلسل «العوسج» وأنا أراقب كل أعماله تقريباً واهتم بما يقدم ولكن الإمكانات الموجودة لا تساعده فاليد الواحدة لا تصفق ولو سألته عن أعماله سوف يقول بأنه غير راض عما قدمه وحقيقة اعتبره أهم مخرج في الخليج.
* ما هي آخر أخبار «آخر الفرسان»؟
هذا العمل اتعبنا كثيراً فقد صورنا في 19 دولة منها الصين وتنزانيا وسوريا ولبنان وجزر المالديف والإمارات والمغرب وسوف ننتهي منه بعد شهر من الآن بإذن الله.
* ما رأيك في الدراما السعودية؟
الاخوان في السعودية لديهم «عطش» للفن نتيجة لظروف المجتمع، وأعجبتني كثيراً تجربة ناصر القصبي وعبدالله السدحان في «طاش ما طاش» انا اعتبرها من أهم التجارب العربية ليس لأهمية التجربة بحد ذاتها، بل بأهمية المكان الذي خرجت منه واعتقد أنهم يحفرون نفقا في صخر الأعمال السعودية الأولى التي سبقت هذه التجربة وهي رائدة ومهمة جداً، وأناشد القصبي والسدحان بأن يطوروا أنفسهم أكثر.. وأنا عندما كنت عضواً في لجنة التحكيم في مهرجان البحرين ورشحتهم للجائزة الأولى ويعجبني مخرج هذا العمل عبدالخالق الغانم فهو يملك خيالاً واسعاً وهو فنان بمعنى الكلمة.
|