إن ارتباط التاريخ بالصراع من وجهة النظر الفلسفية، هو الذي أعطى للتاريخ معنى وديناميكية، بل هو الذي أعطاه صفته المأساوية وطعمه المتميز، ولذا فإن الفلاسفة والمؤرخين يرون أنه لو لم تكن هناك صراعات، لما وجد التاريخ، غير أن جدلية الصراع والتاريخ هذه، لا تكسب الصراع في بعده التراجيدي البحت صفة الأهلية من أجل أن يكون حدثاً تاريخياً مهما ومؤثراً، بل إنه لا بد من وجود مسوغ جوهري يحمل رغبة في الفعل الحضاري، أي يحمل معنى الصراع الحضاري أو الثقافي، ولو كان ذلك بدوافع مصلحية حتى يمكن أن يوصف ذلك الصراع بأنه من أنواع «صراع الحضارات» الذي يمد التاريخ بنفس تراجيدي أو مأساوي خلاق، كما هو الحال في الصراعات التاريخية الني نشأت بين الثقافات والحضارات شرقاً وغرباً. بيد أن الصراع الذي عقب انتصار الثورة الشيوعية في روسيا سنة 1917، والذي نشب بين النظرية الاقتصادية الماركسية الصاعدة آنذاك، وغريمتها الليبرالية المهيمنة، يعتبر آخر أنواع الصراع بمعناه الفكري القائم على التضارب المطلق في التوجهات والتنافر التام في المصالح.
ولذا لم تكن الحربان العالميتان الأولى والثانية اللتان سبقت إحداهما قيام الشيوعية وعقبت الأخرى انطلاق الصراع معها سوى جذوتين مترسبتين في بقايا الصراع القومي الداخلي في أوروبا الليبرالية، وعليه، فإن الليبرالية لم تر مانعاً من التحالف مع غريمتها الشيوعية إلى حين يتم القضاء على عدوهما المشترك المتمثل في بقايا الأفكار القومية الخطيرة في أوروبا، تلك الأفكار التي تعطي الأولوية لتميز عنصر أوروبي على غيره أكثر مما تعطي الأولوية للمصالح الاقتصادية وتطبيقاتها شيوعية كانت أم ليبرالية مما يعد آخر بقايا أسباب الصراع الداخلي التقليدي في أوروبا.
ومنذ أن حسمت مسألة الصراعات القومية في أوروبا بانتهاء الحرب العالمية الثانية فإن الصراع بين المنظومتين الليبرالية والشيوعية قد اتخذ شكله النهائي وظل يمد كل الأحداث في العالم بالديناميكية الضرورية لنشوئها وتطورها طيلة ما يقرب من الخمسين عاماً، وقد سعى الفريقان المتصارعان إلى تجنيد ما استطاعوا من ألوان الطيف الثقافية والدينية والقومية والعقائدية المدعمة لكل منهما.
ولم يكد الصراع بين الشيوعية والليبرالية ينتهي بسقوط الاتحاد السوفيتي رأس الحربة في المعسكر الشيوعي حتى بدأ أصحاب المعسكر الليبرالي يبحثون عن عدو جديد يسمح لهم بمزيد تطوير مسلكهم الإنتاجي والاستهلاكي، فوجدوا ضالتهم في الإسلام الأمر الذي يحقق لهم ثلاثة أهداف أساسية في نظرنا: الهدف الأول اقتصادي: ويتلخص في إحكام السيطرة على مصادر الطاقة في العالم العربي وبحر قزوين، ومن ثم التحكم في عصب الاقتصاد انتاجاً وتسويقاً، أما الهدف الثاني، فهو الثأر التاريخي من الإسلام بسبب فشل الحروب الصليبية التاريخية في القضاء عليه، وذلك بالاعتماد على ميزة التفوق التكنولوجي، والهدف الثالث ينحصر في تصفية القضية الفلسطينية من خلال ترسيخ مشروع إسرائيل الكبرى إلى الأبد، وذلك باعتبار إسرائيل تمثل أقوى دليل على التصالح اليهودي المسيحي أو ما يعرف بالمسيحية اليهودية الجديدة.
ومن هنا، طفق إعلاميو الغرب ومثقفوه من أصحاب الميولات المختلطة بين المسيحية واليهودية ينظرون لمسلمتهم في صراع الحضارات ويرون في الإسلام عدوهم الأوحد ويدعون بكل وقاحة إلى ضرورة القضاء عليه قبل أن يقضي على الحضارة الغربية، ومن ثم اختلقوا مسألة الإرهاب ومكافحته كيافطة تدبج تحتها أصناف المخططات التآمرية ضد الإسلام وقيمه وحضارته، وقد جندوا في سبيل ذلك كل ما أوتوا من وسائل إعلامية وتكنولوجية حربية جبارة، واتخذوا من تصرفات بعض العناصر المتطرفة التي هم من أنشأها في الأصل، ذريعة للانقضاض على الإسلام، وبدأوا حملتهم الأولى في أفغانستان التي كانت إلى عهد قريب ثغرهم المتقدم في محاربة الشيوعية.
ومن أجل إظهار عداوتهم للإسلام والمسلمين عامة، فقد ترافقت الحملة العسكرية على أفغانستان مع حملة إعلامية شعواء سلطت على الإسلام وثقافته ورموزه الحضارية، وقد كانت المملكة العربية السعودية هي أحد الأهداف البارزة لهذه الحملة العنصرية الصهيونية للأقلام الغربية المسعورة بكراهية للإسلام وحضارته على نحو لا مثيل له، الأمر الذي ترافق مع ممارسات عنصرية ولا إنسانية تعرض لها العنصر العربي والإسلامي المقيم في الغرب بسبب وحيد هو انتماؤه للإسلام.
إن هذا المنحى الظالم والأعمى في الحملة الغربية ضد ما تسميه «الارهاب»، إنما يعيد إلى الأذهان مسألة العداوة الدفينة في الغرب المسيحي للإسلام وحضارته كما يعيد إلى الأذهان الطبيعة الصدامية للثقافة الغربية، تلك الطبيعة التي ميزت تاريخ الدولة الرومانية وامتدت عبر القرون الوسطى حتى قيام النهضة الأوروبية الحديثة، وما صاحب ذلك من صراعات غربية داخلية وحملات غزو واستعمار كلها بدافع المصالح وحب التسلط والتوسع على نحو من «غريزية» الصراع الذي يسمح لنا بالقول إن الحضارة الغربية كانت قائمة دائماً على الصراع والتوسع كما ذكرنا، وإن هذه الصفة قد ازدادت مع الثورة الصناعية وما نجم عنها من دوافع اقتصادية ترمي إلى البحث عن مواد أولية للصناعة وعن أسواق جديدة لبيع المنتجات الصناعية، مما نتج عنه صراع شديد بين القوة الغربية الصناعية الصاعدة ذاتها.
ولم يتوقف نفس هذا الصراع إلا بقيام الحرب العالمية الثانية وما نتج عنها من دمار وويلات اكتوى الغربيون قبل غيرهم بنارها، الأمر الذي اضطرهم إلى التفكير في إضفاء نوع من الأخلاقية على لهاثهم المحموم خلف المصالح الاقتصادية الضيقة، إضافة إلى ما تحقق عقب انتهاء الحرب من ثنائية قطبية تقوم على توازن الرعب من أسلحة الدمار الشامل النووية التي أصبح القطبان يملكانها وفاحشا في السباق في إنتاجها وتطويرها، وبعد أن سقط القطب الشرقي تحت تأثير الاقتصادي لهذا السباق، وتحكم القطب الغربي المنتصر في العالم، وأنهى التاريخ وعولم العالم، فإن الأخلاقية المفتعلة لدى الغرب قد بدأ زمامها ينفلت، بل وتهاوت تحت تأثير مصالح الشركات الكبرى والمؤسسات النقدية التي تعود في الغالب للوبي الصهيوني العالمي، ومن ثم بدأت تصرفات القوة الغربية المنفردة تجاه العرب والمسلمين خاصة، تخضع لخليط من تأثير المصالح وحب الهيمنة والكراهية للدين والحضارة الإسلاميين.
وهكدا ابتدع ما عرف بصراع الحضارات الذي دخلنا عملياً في دوامة وقائعه الفعلية ابتداء من يوم 11 سبتمبر وأحداثه المشؤومة وما عقب ذلك من حرب على الإرهاب إضافة إلى حملات الكراهية ضد كل ما هو عربي وإسلامي في العالم عامة وفي الغرب بالخصوص.
ومن المؤسف أن من بين العرب والمسلمين من انساق وراء الطروحات الغربية الصهيونية وصدق فكرة صراع الحضارات وحمّل الإسلام وثقافته المسؤولية، وذلك لحسن نية حينا، ولرغبة في النفوس أحياناً أخرى وإلا فإن الإسلام بحضارته وثقافته، لم يكن يوماً دين صراع ولا تصادم، بل إنه قائم على الحوار والتبليغ الرصين والعقلاني {\دًعٍ إلّى" سّبٌيلٌ رّبٌَكّ بٌالًحٌكًمّةٌ وّالًمّوًعٌظّةٌ پًحّسّنّةٌ وّجّادٌلًهٍم بٌالَّتٌي هٌيّ أّحًسّنٍ....} [النحل: 125]، وما قام المسلمون الفاتحون يوما بتدمير بيوت ولا بحرق أشجار ولا بقتل أبرياء ولا بإخراج الناس من اعتقاداتهم الدينية عنوة، ولم تحركهم في فتوحاتهم مصالح اقتصادية ولا ثقافية ضيقة، وإنما كان دافعهم هو نشر الدين الحق، والفضيلة والأخلاق السامية بالتي هي أحسن.
والحضارة الغربية وتوسعاتها تاريخياً هي التي كانت دائماً مدفوعة بحب التوسع والصراع والسعي وراء المصالح مع حب الإقصاء، بل والاستئصال لكل غريم يقف في وجهها، وقد تجلى ذلك أول ما تجلى في داخل أوروبا لقرون عديدة، وصدّر كثيراً إلى خارجها، الأمر الذي يجعلنا نطرح سؤالنا الذي اخترناه عنواناً لمقالتنا هذه وهو: هل إن ما يحدث الآن هو صراع حضارات أم تجليات حضارة صراع؟.
* نائب مدير عام المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم |