كيف يتم لنا تكوين مفاهيم مفيدة لطرحنا الإنساني..؟!
وكيف نوائم بين ما تنتجه الآلة، وبين ما يصوغه الفكر من قيم ثقافية..؟!
المفاهيم الجديدة وللأسف تأخذ من العقل ومضته الأولى وشرارته المبكرة.. لكنها تبعده وتطلق عليه الرصاص غدراً بجهده، ووأداً لمكانته السامقة.. فهذه المفاهيمية الواردة من ثقافة العولمة تحديداً أخذت مكانها بين معطيات الوعي دون أن يكون لها تعريف خاص بها، بل إنها جاءت على هيئة رؤية ملفقة شأنها شأن بعض الرؤى التي تفرض ذاتها ووجودها بمبدأ القوة، والعظمة، والزعامة والقيادة، وما إلى ذلك من صور الهيمنة.
فإن قال المفكرون من أمثال إدوارد سعيد، وعلي حرب، وعبدالله الغذامي، وإيهاب حسن، والجابري إن مفهوم الثقافة سيأخذ بعده في الذات الإنسانية بعد عدة محطات وتجارب أدبية، وستشكل هذه الثقافة مفهومها الحقيقي لاحقاً.. فمن رؤيتهم هذه ندرك أن الإنتاج العقلي يكون في بعدين متباينين الأول كما أشرنا نجاح العقل في ومضته الأولى والمتمثلة بالفكرة الجريئة، والجادة.. والبعد الآخر دخوله في سياق التراكم الثقافي الذي سيحقق حضوره التاريخي في حقب لاحقة قد تطول أو تقصر.
ومن مزالق اشتعالات العقل أنه يضيء ما حوله ويحترق، ويجسد عظمة الإنسان الواهية ويغفل عن دوره الحقيقي من نقد الذات المصابة في تكوينها النرجسي.. ومن المزالق التي يقع فيها العقل ضحية للهيمنة هو ذلك التباين بين ما يفرزه من فكر قوي ومحدد وموزون، وبين ما تقدمه العاطفة من تدافع في الصور، وتشابك بالرؤى واختلاف بالمفاهيم، وتباين في الطروحات.
بناء الحضارة يحتاج إلى عقل يقابله قليل من العاطفة، لكن الذي يلمسه القارئ.. ولا سيما المشغول في هذا المجال يدرك أن مشروعنا الثقافي يقدم بقليل من العقل «الفكرة»، وكثير من العاطفة «التبريرات، وتدافع الرؤى وتشابكها».. لذلك نجد أن مشروعنا الثقافي يترنح، أو يتهادى بهيئة هرم أثقلته لواعج معضلة العاطفة التي دخلت في كل مجال من مجالات حياتنا.
من هنا لا يمكن لنا أن نؤسس لحضارتنا الثقافيةما دامت العاطفةهي زادنا، وقوت ثقافتنا، لكن جماليات العاطفة لدينا هي بقية باقية من سر وجودنا.. فإن نضبت دون أن يتحرك العقل فقل «علينا السلام».. لكن العقل لن يقف. سيأتي بالفكرة تلو الأخرى حتى تجد طريقها إلى الحياة، والنجاح.. فما تصوغه الآلة من حضارة هو في الأساس ومضة فكر خالدة..وما يقدمه الفكر في هذا السياق هو ذلك الهيكل الذي ستنبني عليه حضارتنا وثقافتنا ووعينا الذي يبحث عن مخرج له من هذه المزالق والمآزق التي وجد ذاته بها.. فلم يعد الوعي مهمَّاً، ولم تعد الثقافة مؤثرة، ولم يأت هذا الطرح الجديد بأي إنجاز يخدم حضارتنا.
الآلة وحدها هي التي سجلت حضورها، وتحاول جاهدة أن تأخذ دور الثقافة، وتهمش الوعي وتلغي مستقبل الحضارة الذي سيكون تاريخنا الذي ستفتشه الأجيال القادمة.
المفاهيم الجديدة حول هيمنة ثقافة الآلة تأخذ بُعدها القوي والذي لا تعرف أسبابه حتى الآن.. بل إن هناك من يحطب في حبل هذه الطروحات التي تشكك فيما يطرحه العقل من نتاج فكري وأدبي إضافة إلى ما يقدمه من فكر يخدم رسالة الثقافة الجديدة المنطوية تحت عباءة الهيمنة والزعامة والتفرد.
للأدب والإبداع رؤيته الخاصة، ومحاولاته المستمرة أن يقدم ذاته من خلال العقل أيضاً.. بل إنه يتفوق على ما سواه من طروحات بما يمتلكه من قدرات على المزاوجة بين العقل كفكرة منتظمة وبين العاطفة كإسهاب في وصف ممدوح أو مذموم. ربما الإجابة على هذه الأسئلة المتعلقة في كيفية تكوين «مفاهيم جديدة».. صادقة ومعبرة تتجاوز حدود هذه الرسالة الغامضة والمجهولة عن كنه هذا الطرح العولمي الجديد.. فما نوائم بينهما اليوم، غداً سيكون لنا رأي آخر بهما.. بل ربما سنفرق بينهما ولن نوائم بين أي عقل وعاطفة لأن المواءمة قد تكون جزءاً بالياً من ثقافة تحتضر وتنتظر من يثكلها بقصيدة، أو نعي مسجوع، أو كتابة تتحلل من قيودها المهترئة.
إننا أمام مشروع الثقافة الجديد صامتون، وهادئون ننتظر المعجزة لعلها تأتي بما يغير حال الواقع الثقافي لدينا..
|