الأديب والروائي الدكتور عبدالفتاح صبري يطل على القارئ بعمل روائي جديد وسمه بعنوان «الغربان لا تختفي أبداً..» صادر عن «مركز الحضارة العربية بالقاهرة العام 2000م ويقع العمل في أقل من «100» صفحة من القطع المتوسط.
يحاول عبدالفتاح صبري فتح جراح التاريخ من جديد، لعله يجد من بين أنقاض تلك الهزائم والخيبات ما يمكن أن يتداعى في وصفه، والحديث عن أبرز نقاط هذا الالتقاء بين الكاتب وهمومه.. فالجرح الجديد لدى «الراوي/الكاتب» هو ذلك الحزن الذي يلف القرينين».. تلك القرية النائية في أحزانها وترابها وطينها وأحزانها وذكرياتها التي وجد فيها الكاتب ضالته المنشودة فبات يعد القارئ منذ السطور الأولى لأن يقتفي معه حساسية هذا الخطاب الإنساني في ظاهرة الذكريات التي تأتي على لسانه على هيئة ومضات استرجاعية تحقق في المنقول من الأحداث والقصص والحكايات التي يوردها البطل المهزوم في هذه القصة الطويلة..
سيرة القص.. رؤية الذكرى الفاتنة:
انتهج الروائي عبدالفتاح صبري في روايته أسلوب الاسترجاع وكأنه يحكي سيرة رجل هرب من منغصات المادة في قريته على النيل إلى ضفاف الخليج ليتم في هذا السياق قيام القصة الكبرى والتي تتمثل في حالة صبحي عثمان وقصص أخرى أقل توهجاً وحضوراً مثل «حميدة شعبان» و «بديعة» المجنونة والعمدة الطيب، ومتولي بقر، وزكريا وآخرين.. لتأتي هذه القصص على هيئة منظومات متوالية تصب في نهر القصة الكبرى حالة عبدالقادر الذي هرب من قريته «القرينين» في ظل عدد من الضغوط الحياتية التي لم يستطع التعامل معها بحزم وعقلانية.
جاءت سيرة الرجل حالة قصة مدركة الحواس والأبعاد منتهية التفاصيل ومثبتة في سجل التاريخ القروي.. إلا أن الكاتب حاول التشبث في جماليات «السيرة/الذكرى» الفاتنة تلك التي بقيت لديه في حالة الهرب من منغصه الأول والأخير «حميدة شعبان»، فالذكرى هي زاده وعزاؤه في ظل تنامي هذا المد المادي الذي أخذ يستولي على كل شيء ليقتلع العديد من البراءات التي يقول عنها الراوي بأنها سر تميز «القرينين» وقرى أخرى.
المشهد الدائم في الرواية يتمثل في العودة إلى أعماق الماضي ومحاولة إغفال الحاضر وإخفاء بعض حسناته.. فلم يعد الراوي يذكر غير ذلك الماضي الذي أحرقه «حميدة شعبان» ومن هم على شاكلته ليحل محله هذا الهياج المادي العارم.. وكأن الأحداث في هذا العمل جاءت أحادية النظر، مستبعدة إشكالية الحاضر الذي يحاول أن يجد طريقه إلينا.. إلا أنه ظل في سياق هذا التوافد، فلم يجد في طريقه إلا هذه العينة من البشر والذين لا هم لهم إلا جمع المادة، والعبث في أحلام وتطلعات جيل كامل.. فكان قدر الحضارة أن يكون في أيدي هؤلاء الشياطين الذين يصفهم الكاتب عبدالفتاح صبري بأنهم غربان هذا الزمان.. هؤلاء الذين يداومون النعيق.. ولا يختفون مثل جموعه السوداء عن فضاء حياتنا رغم تأكيد الكاتب على لسان الراوي بأنه تم القضاء على «الغربان» في حقبة الستينيات.. إلا أنه ظل يسقط على هذه المقولة العديد من الرؤى التي تسيطر هذه الجموع «الغربانية» المجازية والتي أخذت ما يراه أنه زاد المستقبل، وحلم البسطاء ورزق الكادحين.. حتى أنه زاوج بين الصورتين وربط صورة سرقة الغراب للحلي والصابون، وقطع الذهب والأشياء الثمينة وبين ما يسوقه «حميدة» بوصفه «غراب البين» الناعق من محاصيل ينعت ونضجت تحت أيدي أهلها البسطاء لتجد من يستولي عليها دون وجه حق.. بل إن الاستيلاء لم يتوقف على هذا القليل من الإنتاج إنما تجاوزه إلى الأرض والدور والدواب.. وإلى ما إلى ذلك من صنوف الهيمنة والتملك الفاحش بحجة الانفتاح والتداخل والحرية في البيع والشراء والامتلاك.. ليظل البطل يبكي على الماضي.. ولا شيء غير البكاء، وحثو الطين والجري في كل طريق حتى تتلاشى تماماً وتغيب في راحة العدم.
نقد الواقع المزيف:
الواقع المزيف هو الحقيقة التي أيقظت في الراوي رغبة الحديث والبوح.. فما كان منه إزاء فعل كهذا إلا أن تجرد وانبرى لهذه المكاشفة التي جاءت بواعثها ومسبباتها خفية ليختار هذا الوقت للحديث عن هذا الماضي الذي تركه ينتحر وعاد إليه جثة هامدة تنهشه طيور المادة، وتحوم فوقه الغربان العصرية التي لا تختفي أبداً..
الواقع في فضاء السرد مكشوف وتلقائي. بل أنه لا يغادر هذه الرؤية التي أطل منها الراوي.. لكن إمكانية العلاج، ومحاولات الانعتاق ضرب من المستحيل.. فلا يمكن لنا أن نقر هذا النقد للواقع لاسيما وأن الواقع أصبح في حيزين زمانيين متباينين الأول واقع الماضي والآخر واقع الحاضر فأيهما الأصلي أو المزيف؟! ربما تأتي الاجابة على هذا التساؤل بما لدى الكاتب من يقينيات بأن الحاضر فقد صوابه وأن أهله أو سادته أصبحوا بشؤم الغربان، وحذر الذئاب، وغدر الأفاعي، وتسلط الوحوش فلم يعد هناك بد من خروج هذا الصوت الذي ينتقد الواقع الملفق والمزيف ولو على هذه الشاكلة من البوح الوجداني، والتذكر العفوي لجملة من المشاهد التي تؤكد العبث في تاريخنا وحياتنا وأحلامنا في مستقبل ممكن.
على عجل نرتوي من سراء الوعد
مال الكاتب في سياق استعادات شهادته المطولة ضد الواقع إلى أن يكون هذا الإدلاء على نحو من التلقائية والصدق، والعفوية.. ليكون بمقدور القارئ أن يبني رؤية مستقلة حول هذه القضية المدوية في عقل ووجدان كل ريفي ينظر إلى براءته وهدوئه بأنها هي التكوين المهم في الحياة.
«الحياة الجديدة» سراب فاتن، وعد يطلقه المأجورون والمرابون للبسطاء بأنهم سيكونون على قارب واحد إلا أنه سرعان ما تتهاوى أحلامهم ليصلوا إلى العالم هنا لكن بلا أحلام، وبلا مقومات فالحياة الموعودة مثل سراب الوعد.. ذلك الذي يرى في لحظات التأمل ويهرب في لحظة المواجهة الأولى للحياة.. وحدها رواية «الغربان» وبصفحاتها المحدودة تطلق شرارة التحذير من مغبة الإفراط في التفاؤل بمن يدير عجلة هذه «الدنيا الجديدة».. فالقائمون عليها تنقصهم كما يقول الراوي القدرة على فهم بساطة الحياة وهدوئها.. بل أنهم لا يمتون بأي صلة إلى هذا العالم الوادع.. فهم حطب الحياة الجديدة ووقودها بل أنهم وقودها الذي سيأتي على كل شيء حتى على هذه الذكريات والقصص التي يستعيدها «صبحي عثمان» وينقلها إلينا بكل أمانة ووعي بخطورة الواقع وفداحة الآتي.
تحولات البطل المحبط
تحولات «صبحي عثمان» لم تكن مقنعة بما فيه الكفاية حتى وإن حاول الكاتب إضفاء شيء من اللغة الانتقائية والترادف اللفظي من أجل أن تصبح الجملة المكتوبة ذات بعد توضيحي خالص.. فالكاتب لم يعد يملك من اليقين ما يفيد بأن جرأة «صبحي عثمان» ستقضي على المشكلة التي سببها «حميدة شعبان» وإنما جعلها رسالة قصيرة على لسان البطل يستشف القارئ مغزاها ومفادها العميق في وجدان الإنسان البسيط.. ذلك الذي يعاني دائما من قهر «القوة».. وتعالى الآخر المشبع بالأنا المتضخمة، ليصبح البطل في هذا السياق شخصية محبطة قانطة ليحاول وبكل ما يملك أن يقدم تبريراً لهزيمته، وإنكساره ومحاولة أخرى لإضفاء شيء من الواقعية الممكنة على ما يزمع القيام به من عمل انتقامي يظهر في سياق السرد وكأنه لحظة تنوير هامة تفك عزلة الحكاية الطويلة لتحولها إلى منجز إنسانية يبين أوجه قصوره وفشله، وعدم قدرته على تبني بعض الأفكار الراشدة التي قد تصنع من البطل أو شخصية العمل الرئيسة كان يفكر بحكمة، ويصوغ من القهر سلماً نحو تحقيق شيء من الوفاق مع الذات أولاً ومع من حوله ثانياً ليكون هذا التحول في العلاقة بينه وبين المجتمع الذي عاد إليه مبنياً على رؤية استقرائية واعية.. قد لا يغيب عنه أن قل من يراه مجرماً هو انتصار للذات المقهورة، وخلاص من هذا المارد الذي يتجسد في صورة المرابي الجشع «حميدة» لكنه سيكتشف أن هناك شخوصاً آخرين يشبهون هذا الرجل لأن الإشكالية تكمن في تغلغل الظاهرة في كل مكان من الأرض، وبماأن «القرينين» جزء من هذه الأرض فإنها بحاجة إلى علاج جذري يجتث هذا الأذى الذي صوره الكاتب ونجح في إيصاله إلى القارئ على لسان «صبحي عثمان» المحبط، والمشوش والقانط والمهزوم. لكنه ذلك الرجل الذي يمتلك كل أوراق الإدانة، وأسرار هذا التهاون في القيم والوعي والانقياد وراء شهوة عابرة ولامعة. من خلال هذه المساحة الهائلة من المشاعر المتناقضة والمتضاربة والمتعارضة في ذات الشخصية الراوية للأحداث ندرك أن المنتصر الحقيقي في هذه المعركة هو التاريخ الذي يسجل تراجع الإنسان وقيمه، وتخليه عن مبدأ الجمال، وتحوله إلى حياة المادة واستخدمها بطريقة توحي للرائي بأنه ينتقم من واقعه وماضيه على حد سواء.
حركة السرد الدائرية
تدور الأحداث في هذه الرواية حول نفسها وكأنه بداية متاهة تنتهي دورتها الأولى بقتل ما يراه الراوي أساس المشكلة، ورمزها القوي لكنه يعترف وقبل نهاية الرواية بخمس صفحات بأن رموز هذه المعضلة كثر يصعب علينا حصرهم. لتبدأ في هذا المضمار جولة أخرى من جولات تفتيش جيوب الماضي عن آخر يملك مواصفات «حميدة».
حركة السرد في راوية «الغربان» متاهة معاندة يستطيع الإنسان من خلالها على الأقل البوح بما لديه من هموم ولواعج، بل أنها شهادة صادقة وواضحة تكشف جزءاً من إشكالية عالمنا العربي ولاسيما المجتمع الريفي الذي يتمتع ببعض القدرات الإنسانية المميزة.. تلك القدرات التي تحاول أن تبقيه في دائرة النقاء والبهاء المفقود.
للروائي عبدالفتاح صبري رؤية خاصة في هذا العمل الذي قدمه للقارئ.. ربما تتمثل بأنها ورقة كتبها للتاريخ.. وجاءت فيها العديد من الرؤى أهمها وأبرزها أن عالمنا العربي موعود بالمزيد من العثرات والكبوات والخيبات التي يعدها لنا الآخر وبمزيد من الدراية والثبات على طريق تدمير القيم الحقيقية للإنسان.. تلك التي تكون بائنة ومزدهرة لدى أهل الريف وهي إضمامة تلك الوجوه التي أطلت مع البطل مثل جمال عوض، وأبو خضرة، وبيومي، وآخرين رافقوا الوجه الآخر للمعاناة لتنسج القصة وجودها من خيوط أفكارهم جميعاً ليسجل السرد حضوره الهادئ وتحظر الرواية على هيئة سيرة ذاتية استطاع الكاتب أن يقدمها بأسلوب مناسب تترك أثرها المفيد في نفس القارئ.
الغربان لا تختفي أبداً «رواية» / د. عبدالفتاح صبري
مركز الحضارة العربي القاهرة الطبعة الأولى 2000م
تقع الرواية في نحو 80 صفحة
لوحة الغلاف للفنان عمر جهان
|