اتخذ الرئيس الأمريكي قراراً حمائياً لصالح صناعة الفولاذ المحلية عندما قرر فرض رسوم جمركية جديدة بقيمة 30% لحماية الصناعة الأمريكية من المنافسة الخارجية، ولقد جاء القرار الأمريكي استجابة للشكاوى المتعددة التي قدمها المستثمرون في صناعة الفولاذ نتيجة لعجزهم عن منافسة المنتج الأجنبي الذي يمتلك ميزة نسبية مكنته من المنافسة في الأسواق الأمريكية على الرغم من تكاليف التصدير العالية التي يأتي في مقدمتها تكلفة النقل وتكلفة سعر الصرف غير المؤمنة،
وعلى الرغم من التهديدات التجارية التي رفع رايتها الاتحاد الأوروبي الذي هدد برفع شكوى إلى منظمة التجارة العالمية، إلا ان صانع القرار الأمريكي أعلن مضيه في القرار دون اكتراث بالتهديدات الخارجية يدفعه في ذلك الرغبة في حماية الصناعة المحلية من المنافسة الخارجية، السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو لماذا لم نلجأ إلى حماية عنصر العمل المحلي من المنافسة الخارجية ونحن نعلم بعدم قدرته على مقارعة عنصر العمل الأجنبي في ميدان العمل؟ ثم لماذا لم يلق الرئيس الأمريكي اللوم على المستثمرين في صناعة الفولاذ لعدم قدرتهم على المنافسة الخارجية ويطالبهم تبعاً لذلك بتطوير الذات والمنافسة أو البقاء في منازلهم؟ أسئلة عديدة نحتاج إلى ان نتعامل معها ونجيب عليها عاجلاً خصوصاً بعد ان أصبحنا نعاني من سياسة التهميش العلنية لعنصر العمل المحلي وبعد ان أصبحنا نعاني من النتائج السلبية لهذه السياسة، لقد ملّ الجميع سياسة القطاع الخاص القائمة على حماية مصالحه الخاصة من خلال القاء اللوم العلني على شباب الوطن لعجزه عن منافسة العامل الأجنبي،
نعم وبالصوت العالي سيظل عنصر العمل المحلي عاجزا عن منافسة العامل الأجنبي لعدة عوامل اهمها تمتع العامل الأجنبي بميزة نسبية أساسها انخفاض تكلفة المعيشة في بلده وعامل الخبرة المكتسبة عبر ميدان العمل الذي ظل مغلقاً أمام الشباب السعودي، ومن هذا المنطلق فإننا لم نعد بحاجة إلى قرار اقتصادي يقوم على أساس مقارنة العائد الاقتصادي بالتكلفة الاقتصادية ولكننا بحاجة إلى قرار سياسي على غرار قرار الرئيس الأمريكي يقوم على أساس مقارنة العائد الكلي للمجتمع بالتكلفة الكلية التي يتحملها المجتمع من جراء بقاء الشاب السعودي عاطلاً عن العمل ومن جراء تحوّل سوق العمل السعودي إلى سوق عمل دولية، وإذا كنا لا نختلف على العائد المادي المباشر للاستعانة بالعامل الأجنبي، فإننا بالضرورة نختلف مع القطاع الخاص حول تقدير تكلفة الاستعانة بهذا العامل الأجنبي التي لا تقتصر على ما يتحمله المستثمر في سبيل احضاره وتوظيفه،
يجب علينا عندما نتخذ قرار تهميش العامل السعودي ان نكون على قدر كاف من العدالة الذي يمكننا من ابراز مكونات التكلفة الكلية التي يتحملها المجتمع والتي يأتي في مقدمتها التكلفة الأمنية والفكرية والاجتماعية والسياسية وأخيراً الاقتصادية،
وفي اعتقادي اننا إذا استطعنا ان نصل بالفعل إلى هذه المكونات الخطيرة فإننا لا محالة سنكون جريئين في اتخاذ القرار السياسي وليس الاقتصادي الذي يحمي عنصر العمل المحلي من المنافسة الخارجية ويحمي مجتمعنا من تبعات الاستمرار في الاعتماد على العامل الأجنبي، المطلوب فقط هو ان تجتهد الجهات الحكومية المعنية في توضيح الصورة الحقيقية لصاحب القرار وعندها فقط سنستطيع الوصول إلى الحل المثالي لمشاكلنا الكامنة في دهاليز سوق العمل السعودي،
أستاذ الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الأمنية drmofa@yahoo، com |