في كثير من الأحيان تَعْقِد فجأةُ الفقدِ اللسانَ، ويخون البيان الإنسان، فلا يدري ما يقول! وهذا ما حدث لي عندما تلقيت نبأ وفاة: أخي، وصديقي، وصهري، أبي مازن، عبد العزيز بن عبد الله الدوخي، رحمه الله، وأكرم مثواه، وأغدق عليه عفوه ورضاه. فأمليت كلمات في وداعه، وجدتها بعد أن عدت ثانية إليها قاصرة عما كنت أريد أن أقول!
بعد مغرب يوم الثلاثاء، الحادي والعشرين من ذي الحجة 1422ه صلى أبو مازن صلاة الجنازة على أحد أصدقائه في جامع من جوامع مدينة الرياض، وبعد أقل من ست ساعات لحق أبو مازن بصديقه إلى العالم الآخر، وصُلي عليه في الجامع نفسه بعد عصر يوم الأربعاء!! ترى لو همس هامس في أذن أبي مازن في ذلك الحين قائلاً: «سوف يصلى عليك بعد عصر غد في هذا الجامع» بماذا كان يجيبه؟!
هذه هي الدنيا!! وهذه هي حقيقة الحياة فيها، ولكننا قوم غافلون!!
صحوت من فجأة الفقد على التسليم لقضاء الله، والرضا بقدره، لتتكشف لي أمور خفيت عني للوهلة الأولى:
* تعمق في نفسي معنى أن «الغنى ليس عن كثرة العرض، إنما هو غنى النفس» وكان أبو مازن رحمه الله غني النفس.
* وتعمق في نفسي قول الشاعر: «إنما المرء حديث بعده» وقد كان أبو مازن «أطيب حديث» بعد رحيله من دنيا الفناء إلى دار البقاء.
* وتعمق في نفسي معنى «الاستعداد الدائم للقاء الله»، ما دام المرء لا يدري متى سينتقل، وكيف؟ وما دام الحاجز الذي يفصله عن مستقبله أقل من ثانية واحدة بالحساب الزمني للأرض.
* وتعمق في نفسي أن إخوان الصدق والوفاء بعد الإيمان بالله يخففون عن المرء أحزانه، ويهونون عليه مصابه، وأنهم نعمة من الله على العبد في الشدة والرخاء. وما أكثر اخوان الصدق والوفاء الذين أكرم الله بهم أبا مازن لصدقه ووفائه!
لما علمت بالنبأ صباح الأربعاء رأيت من واجبي أن أسعى للقاء صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبد العزيز الذي سعد أبو مازن بالعمل مستشاراً له ومشرفاً عاماً على مكتب سموه لأبلغه الخبر. فذهبت مع شقيق الفقيد، الأخ محمد، وكم كانت دهشتنا كبيرة لما رأيناه من حزنه، وألمه، وتأثره، الذي فاضت له عيناه، لقد قال لنا: إن خسارتي بأبي مازن أكبر من خسارتكم. لقد صحبته (26) سنة، كنت أراه فيها أكثر مما يراه أهله وأولاده، وأقرباؤه وأصدقاؤه، وقد كان نعم الرجل: لم أره يغضب قط، ورأيت من كفايته، واخلاصه، ودأبه على العمل، ومن مزاياه العديدة ما جعلني شديد الضن به، لا أوثر به أحداً، وقال: إني أتعجب كيف كان يجد الوقت ليكون باراً بأقربائه وأصدقائه، وقال: وإني أعرف الناس الذين يحبهم، وهم كثيرون، لأنه كان يذكرهم لي دائماً، ويتابع آخر أخبارهم، ويتعهدهم بالبر والصلة، فكيف كان يجد الوقت لذلك كله؟!
وحتى حادث السيارة الذي قضى فيه نحبه، كان سببه كما ذكرتُ سابقاً أنه ذهب إلى مزرعة له قريبة من الرياض ليدفع للعاملين فيها راتب شهرين مقدما، كما هي عادته قبل أي سفرة يصحبه فيها معه سمو الأمير، «احتياطاً لحقهم، لأن الأعمار بيد الله»!! فما أكرم هذه النفس، وما أسماها، تلك التي أدركت أن «الدين المعاملة»!
وذهبنا مع سمو الأمير متعب إلى منزل الفقيد ليواسي أبناءه ثم رافقنا سموه للصلاة على الفقيد، فقبّله قبل أن يلحد، وجلس على قبره إلى أن انتهى دفنه، ثم توجه الى داره ليتقبل التعزية فيه، وكرر زيارته لمنزل الفقيد، وفي كل مرة كان يتحدث عن مناقبه.
وفي اليوم التالي شرف صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز، وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز بيت الفقيد لتعزية أهله فيه. وقال سمو الأمير سلمان للحاضرين: كنت كلما قابلت عبد العزيز شعرت بشيء من الفرح والسرور، لما أراه فيه من لطف، وخفة ظل، ودعابة محببة، وسرعة بديهة، لقد كان التصاقه بالأمير متعب كالتصاق جبل كميت ببلدة مرات، مشيراً الى المثل الشعبي: «أضمن لي كميت، وأضمن لك مرات».
بكاه جمع كبير وكان من أكثر الناس حزناً عليه جلساء سمو الأمير متعب، الذين عددوا الكثير من المناقب لأبي مازن وأنه كان يذكرهم في سفره مهما قصرت مدته ويصلهم بالهدايا الرمزية، ولا يكون لأحد منهم حاجة إلا سعى لقضائها.
وحين أستعيد صلتي الخاصة مع الراحل العزيز، يمر أمام خيالي شريط مشرق من الذكريات العذبة لتلك الروح العذبة: الكرم، والهدوء، والصفاء، والتواضع، وما أذكر أني ناديته مرة إلا وقال لي: لبيك، ولا أذكر أنه زارني مرة إلا وكان هو الذي يكرمني في بيتي، ويصر على خدمتي.
لقد لقيت في مناسبة التعزية بأبي مازن وهي بالطبع مناسبة غير سعيدة عدداً كبيراً من كرام الناس، والأصدقاء، والزملاء، من الوزراء، والأدباء، والمثقفين الذين بعد عهدي بلقائهم، ولا أذكر أن واحداً منهم عزاني، ولم يذكر منقبة لأبي مازن رآها، أو سمع عنها، فهنيئاً لفقيدنا بهذه المنزلة عند الناس التي نتفاءل له بها، لتكون منزلته عند الله أكبر وأرفع، كما يليق بكرم الله وعفوه ورحمته.
|