Tuesday 12th March,200210757العددالثلاثاء 28 ,ذو الحجة 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

لما هو آتلما هو آت
تدافع التَّراجع (1)
د. خيرية إبراهيم السقاف

بعد يومين ننتقل بطريقة الزمن الآلية الطبيعية دون أن نستطيع تحديد حدود الزمن إلاَّ بالأرقام إلى عام هجري جديد، تطوى معه لحظات بمثل ما تطوى في ثانية الثانية في كل ثانية تمر بالإنسان...، لكن هنا عند هذا الحدِّ الرقمي يتبادل الناس التهاني والتبريكات، والآمال والدعوات، من أجل أن ينتهي العام المنصرم بذنب مغفور، وعمل مبرور، ويتحقق في القادم كل أمل ضاع، أو جهد تبدّد... وهكذا...
والناس ليس من اللائق بها أن تكون على مثل هذا الحال من السذاجة والتَّسطح فهناك مسائل كبرى في الحياة من الأجدر بها طالما لديها تحديد رقمي للفصل بين أوقات الزمن، لتزيد تراكميته عداً عداً... أن تقف لتبحث في أمر هذه المسائل الكبرى... وأولها ماذا حقق الإنسان لذاته في منظومة خلق الله من المكانة العلمية، والعملية بما حققه من إنجازاته؟... والسؤال هذا يتطلب الوقوف عند مخطط الإنسان الذي رسمه عند البدء...؟... فهل يوجد التخطيط في حياة الناس؟...
وهل يتعاملون مع زمنهم بوضع أهداف لحياتهم فيه؟ وهل يرسمون لهذه الأهداف أمكنة لتحقيقها، ويخصّصون لها حيِّزاً من أوقاتهم؟، وهل لديهم معرفة مسبقة بما سوف يؤدونه في حياتهم من أدوار وفق ما منحهم خالقهم من القدرات؟ وقبلاً هل فكَّر كلُّ إنسان في أمر كيف يصل إلى اكتشاف ذاته، ومعرفة إمكاناته، ومن ثمَّ التخطيط لحركة سيرورته في حياته، في نطاق زمنه الممنوح له، ضمن ما يُسِّر له من الزمن، فوق الأرض، على مراحل تتناسب مع طبيعته البشرية؟؟...
إن الفرحة أو التأسي على مروق الزمن من بين أيدينا... والتفكر في حجم نهبنا منه سيراً في اتجاه العد التصاعدي لأرقامه، والتنازلي لبقائنا فوق سطح الأرض...، يجب ألا تمر أو يمر في خطفة لمحات عابرة...، ولا في لحظات يتحلق فيها الصحب حول طاولة عشاء، أو أطباق من الكعك...، أو أكواب من عصائر...، ذلك لأن الحياة هي عمر الإنسان، وعمر الإنسان هو هذا الوقت الذي لا يملك الإنسان فيه أن يحدده بلمس «جرمه» المادي، بل هو تكوين غير ملموس وإن كان محسوساً في حركة دأب لاختفاء الشمس وظهورها، وفي تبدُّل الطقس وتغيُّره، وفي نموِّ الأشياء من الأشجار والثمار، والصغار، وفي اقتحام الموت لمن يبصم الزمن على كتفيه بتراكميته الدالة على مروره...، وفي ضعف الرضيع، وقوة الشاب، ووهن الكبير...!، وهكذا هو منطوق الزمن الصامت الصارخ، الهادئ العنيف، الانسيابي القاطع...
والإنسان الذي يتنبَّه إلى ذلك، لعله يقف للحظات، وينظر إلى أين يتجه بزمنه؟
ما هو محتوى وقته، وما هو مكنون عمره؟ فهل تراه سيجد نفسه في مواجهة حقيقة أنه يتدافع إلى التراجع عن كلِّ ما كان لابد له أن يخطط له كي يكون رمزاً جميلاً في هيكل هرم الزمن الذي يبدأه برقم حلَّ فيه فوق الأرض، وسوف يصل إلى نهايته برقم ينتهي فيه عن الظهور فوق سطحها؟

«يتبع»

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved