مع نشوة الأنوف برائحة الأمطار وتفتح الأزهار في هذه الأيام التي نعيشها مع ماتبقى من فصل الشتاء هذه دعوة للتذكير مع اقتراب حلول فصل الصيف فانه سوف يعاد السيناريو المعتاد في المجالس بين الناس بان هذا الصيف هو اشد حرا من سابقه من الفصول، إلا أن هذا غير صحيح ففي كل سنه نعيش اجواءنا الصحراوية ومناخنا القاسي نفسه دون تغيير ربما وأقول ربما يكون هناك تفاوت او اختلاف اما بزيادة أو نقص بنصف درجة أو حتى درجتين إلا أننا نبقى حول معدل ال49 درجة مئوية كما هو الحال في كل عام.
من المعروف ان زيادة المباني، وكثرة مساحات الإسفلت السوداء والأرصفة الصماء، والعدد الهائل من المكيفات التي تنفث بحرارتها من الخلف والتي لا تهدأ ليلاً ونهاراً، اضافة الى السيارات التي تلفظ بحرارتها الى الخارج، والمطابخ، والمصانع، والمولدات كل هذه عوامل تساعد على ارتفاع درجة حرارة الجو، ولذلك نلمس الفرق بين الريف والمدينة بسبب قلة او انعدام هذه المواد التي تحتفظ بالحرارة او قد تكون هي مصدرا لها، كذلك لاننسى ان هناك عاملاً مهماً جداً يؤدي الى تلطيف الاجواء داخل الأرياف وهو كثرة الاشجار والنباتات والمسطحات الخضراء التي تفوق في مساحتها مساحات المباني او الاراضي الترابية، وهذا هو محور حديثي والذي ارجو ان يلقى الصدى الذي يستحقه.
مدننا قد اصبحت مدنا مزدحمة ولاشك، والتي لم تصل الى هذه المرحلة سوف تصبح كذلك في القريب العاجل شئنا ام ابينا في ظل التنامي المطرد لعدد السكان وزحف اصحاب الارياف والهجر الى المدن طلبا للتعليم او طلبا للعيش فيها.
نسبة المساحات الخضراء تقل يوما بعد يوم خصوصا بعد ما سمع الناس عن اشجار البرسوبس والأثل الامريكي اضافة الى بعض الاشجار التي اشير اليها باصبع الاتهام بالتسبب في امراض الحساسية، هذه السمعة ادت بالناس الى قطع الاشجار من بيوتهم ومن على الأرصفة القريبة من بيوتهم تخوفا من الحساسية بينما الحساسية لاتسببها الاشجار فقط وانما لها مسببات كثيرة جدا قد تصل الى الملابس التي نلبسها او الفرش التي نجلس عليها، اضافة الى بعض المأكولات او المشروبات والروائح العطرية وما الى ذلك من مسببات الحساسية، لكن الناس قد لاذوا بالفرار من الاشجار تخوفا من الحساسية ليقعوا في شرك الغبار والسم السيار من المصانع والسيارات.
السؤال الآن: اين البلدية عن ايجاد البديل في ظل حاجتنا الى كل وريقة خضراء اذا كان قد ثبت فعلاً ان هذه الاشجار تسبب الحساسية؟، وأين هم عن اعادة التشجير والتخضير ولو بالأعشاب الخضراء او مايعرف «بالثيل»؟.. لماذا لايطلب من اصحاب الاراضي تشجيرها ولو بالعشب الى حين استثمارها من قبل اصحابها الذين تركوها اراضي بوراً دون اعمار ولا استثمار داخل المدن قد ملأت انوف الناس بالغبار وصدورهم بالربو والحساسية، وعيونهم بالمناظر القبيحة من كثرة اكوام القمامة التي ترمى فيها وكأنها قد خصصت لذلك بين المنازل والمساجد، والأسواق. إذاً لماذا لاتُنشأ الحدائق بقسميها العوائل والعزاب ولو بالخصخصة؟! إذا كانت البلدية غير قادرة على متابعة مثل هذه المشاريع فلتعطي الفرصة للمواطن لكي يستفيد ويفيد، حتى يكثر عدد الحدائق، لتصبح أكثر من حديقة لكل حي يتم إعدادها إعدادا جيدا واركز على كلمة الاعداد الجيد بحيث يمكن ارتيادها او بمعنى آخر تصلح للاستعمال الآدمي لتشتمل على ملاعب اطفال واماكن للجلوس وللراحة والاستجمام، وجميع الخدمات الممكنة. الكل يعلم ان البلدية تشترط وجود الحدائق اثناء تخطيط الاحياء السكنية الجديدة، إلا ان مصير هذه المساحات يكون اما الاقطاع او قطع المياه عنها ان زرعت او تحويلها الى اسواق حتى كادت ان تفوق بعددها هذه الاسواق عدد السكان. ويكفي بنا هاديا ومبصرا ديننا الحنيف الذي هو اصدق من كل النظريات قد حثنا على غرس الاشجار والزراعة وكلنا يعلم ذلك لما فيها من زيادة للرقعة الخضراء، لتقليل التلوث المنبعث من عوادم السيارات والمصانع والغبار المتطاير، لتقل الحساسية فعلا، كذلك تلطيف للجو، وجذب للسياح، ومتنفس لمرتادي المنطقة، ايضاً لماذا لا تستبدل الارصفة الصماء القاحلة باشجار غناء زاهية تسر الناظر وتنعش المار والمساحات الجرداء التي تكون بين الكباري بدلا من الغطاء البلاستيكي الاخضر الذي يوضع لإيهام المشاهد بالخضرة؟.. هل اصبحت اراضينا بوراً الى هذه الدرجة؟.. ان من يشاهد هذا سواء كان سائحا ام زئرا لايصدق ما يشاهده او يقرؤه في وسائل الاعلام في كل يوم عن التقدم الهائل في الزراعة والذي وصل بنا الى حد التصدير الى الدول الاخرى.. اذا فالتصحر ليس في الغابات فقط، لدينا هذا المصطلح ونحن نعيشه في كل يوم إما بزحف المدن على المزارع او هجرة اصحابها الى المدن، واهمال الحدائق بل تركها بوراً قاحلة داخل الاحياء لم يستفد منها سوى بارتياد المستشفيات او المستوصفات الخاصة لعلاج الحساسية بسبب الغبار، وركام القمامة التي تلقى فيها وكما قيل فان مصائب قوم عند قوم فوائد كذلك الاهمال الذي اصيبت به المنتزهات العامة كما حدث لمنتزه سعد شرقي الرياض في ظل ظروفنا البيئية والاجواء الحارة التي نعيشها، وهناك مشروع كنا قد سمعنا عنه قبل عدة سنوات وهو فتح قناة تمتد من الخليج الى الرياض لجعلها مدينة ساحلية وهذا فعلا ماينقص مدينة الرياض لتصبح من اجمل مدن العالم (الماء والخضرة) إلا ان هذا المشروع لم ير النور بعد، لماذا لا يعاد النظر في مثل هذا المشروع الذي سوف يؤدي الى تلطيف الاجواء الحارة، وزيادة لمنسوب المياه الجوفية على المدى البعيد، ومسرة للناظر المقيم منهم والزائر.
خلاصة القول: للتشجير عدة مزايا منها جمال للمدينة وقتل للسموم وغسل للملوثات التي تسبب السرطان الرئوي، والحساسية، وضعف التفكير كثاني اكسيد الكربون على سبيل المثال لا الحصر، الذي تمتصه الاشجار لتحوله الى اوكسجين، سبحان الله لو ان احدى الشركات العالمية الكبرى عرضت اقامة مصنع ببلايين الدولارات لتنقية هواء المدينة لهببنا مسرعين لاقامته ونحن لدينا هذا المصنع الرباني الذي لا يكلف الشيء الكثير خصوصاً اذا استخدمت طرق الري الحديثة باستخدام المياه غير الصالحة للشرب بعد تكريرها، كذلك للتشجير تلطيف لحرارة الجو في فصل الصيف، ولجيوب الافراد وميزانية الدولة بسبب مانوفره من فواتير الكهرباء وهدر للطاقة ويلاحظ هذا الفرق بين الشتاء والصيف، حقاً انه امر يدعو الى الاستغراب اذا لم نقم نحن بزيادة المساحات الخضراء والحرص عليها فمن ياترى يقوم بذلك!!؟ أهم الذين يعيشون بين الصفر و الخمسة عشرة درجة مئوية ووسط الغابات! لا بل نحن أحوج منهم لذلك والله المستعان وهو المعين.
احمد محمد العييدي - الرياض
|