Wednesday 13th March,200210758العددالاربعاء 29 ,ذو الحجة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

الإعلام والجريمةالإعلام والجريمة
سلطان بن أحمد الثقفي

هذا العنوان وما تحته من تفاصيل مستل بتصرف من دراسة أجريت لصالح وزارة الداخلية، مركز أبحاث مكافحة الجريمة بعنوان «الإعلام وجنوح الأحداث» للدكتور محمد شومان. ولذلك أقول إنه منذ بدأ التركيز في ميدان الإعلام على دراسة وبحث التأثير الإعلامي على المتلقي زاد الاهتمام بدراسة مدى تأثير مختلف وسائل الإعلام على السلوك المنحرف والجريمة.
مع ظهور التلفزيون كمتغير إعلامي وترفيهي جديد، بدأ يدخل حياة الناس في مختلف المجتمعات وبشكل سريع وواسع، زاد الاهتمام بدراسة العلاقة بين الإعلام والجريمة، وبدأ التركيز على وجه الخصوص على تأثير برامج العنف على الأطفال والناشئة.
وقد اتفقت معظم الدراسات التي ظهرت في الخمسينيات والستينيات من هذا القرن على أن للتلفزيون دوراً مباشراً في تنمية الاتجاهات وزيادة السلوك العنيف خصوصا بين الأطفال والشباب من خلال الإثارة المباشرة أو الآنية قصيرة المدى.
ولكن بعد ذلك تباينت وجهات نظر المهتمين بقضايا الإعلام والجريمة وتنوعت في ضوء الدراسات التي تهتم بهذا الميدان والتي أظهر بعضها تأثيراً إيجابياً للحصانة من الجريمة على المدى الطويل وتعزيز النمو المعرفي واحترام القيم الاجتماعية السائدة. وقد ركزت معظم الدراسات على بعض الاتجاهات النفسية أو الاجتماعية أو الإعلامية لدى الجمهور المتلقي. وفي ضوء هذه الاتجاهات تم صياغة العديد من الفرضيات والنظريات التي تحاول تسليط الأضواء على العلاقة بين الإعلام والجريمة عموماً وانحراف الأحداث على وجه الخصوص ومن هذه النظريات نظرية التعلم الاجتماعي ونظرية التنفيس ونظرية الغرس.
وتقول نظرية التعلم الاجتماعي إن للتلفزيون تأثيراً مباشراً على الاتجاهات والسلوك العدواني لدى صغار السن. وإن التأثير يحدث من خلال تقليد أو محاكاة ما يقدمه التلفزيون من آثاره مباشرة. وهذا التفسير عموماً ينسجم مع أفكار المدرسة السلوكية ومع أفكار نظرية التقليد التي تعزو الفعل الإجرامي إلى عوامل المحاكاة والتقليد. وقد ظهرت الكثير من الدراسات التي تؤكد أن صغار السن والمراهقين الذين يشاهدون أفلام العنف والإثارة تزداد لديهم العدوانية اللفظية والبدنية والسلوكيات المنحرفة.
ولكون التلفزيون وغيره من وسائل الإعلام الأخرى تظل أدوات مهمة لتعليم الأطفال وتوعيتهم وإكسابهم مهارات معرفية واجتماعية مهمة، وفي ظل مفهوم نظرية التعلم الاجتماعي أيضاً فإنه يمكن الإسراع في تطوير آفاق برامج التلفزيون المختلفة والموجهة للأطفال على وجه الخصوص بما يخدم تنمية السلوك الاجتماعي السوي وتنمية الاتجاهات النافعة ومساعدتهم على كيفية التعامل والتصرف ضمن الأطر والمفاهيم الاجتماعية المقبولة.
وقد ظهر في هذا المجال أيضاً العديد من الدراسات التي أثبتت جدوى ونجاح البرامج التعليمية والمضامين الجيدة للمواد الإعلامية المشاهدة والمسموعة والمقروءة على الأطفال والمراهقين عموماً وحتى الأحداث المنحرفين الذين وجهت لهم برامج إصلاحية وتهذيبية والتي تؤكد أيضاً على تطور مفهوم نظرية التعلم الاجتماعي واستمرار صلاحيتها وجدوى ما تنادي به من آليات تتصل بالرسالة الإعلامية وطبيعة مضمونها، من وضوح وفاعلية وتنوع وواقعية وإثارة، وظروف المتلقي، من أسرية وبيئية واهتمامه واستعداده للاستثارة والاستقبال.
أما نظرية التنفيس، على عكس نظرية التعلم الاجتماعي، فهي تفترض أن مشاهدة أفلام العنف أو قراءة مواد تحتوي على عنف تقلل من الدوافع العدوانية لدى المتلقي. وذلك من خلال ما تعمله تلك البرامج كمثير للخيال الذي يحقق نوعاً من الإرضاء وبالتالي التفريغ لبعض مشاعر العدوان لدى المراهقين الذين لديهم سمات عنف.
وقد ظهرت أيضاً بعض الدراسات القليلة في الخمسينيات والستينيات تقول إن تخيل العنف أو مشاهدة أفلام عنف خيالية تساعد على التخلص من المشاعر العدوانية وتقلل من السلوكيات العنيفة. كما وجدت هذه الدراسات الكثير من المؤيدين لها خصوصا المرتبطين بإنتاج وبث الأفلام المتسمة بالعنف. ولذا فقد تبنوها وروجوا لها بما يحقق أهدافهم في زيادة إنتاج تلك البرامج والرد على خصومهم ممن يقول بإن بث برامج الإثارة والعنف تشجع المتلقي على تبني تلك السلوكيات العدوانية وممارستها.
وعموماً فإن الدراسات التي ظهرت بعد ذلك، خصوصا منذ السبعينيات، قد نقضت مفهوم نظرية «التنفيس والتفريغ» وأثبتت أن التأثير بأفلام العنف يختلف لدى المتلقي حسب نوعية المادة المعروضة أو المشاهدة. فأفلام العنف الخيالية أو التي تركز على العقوبة أو على عواقب الفعل العنيف قد تحد من السلوكيات العنيفة لدى المتلقي وخصوصا الأطفال والمراهقين، أما أفلام العنف الواقعي كالملاكمة والمصارعة فإنها تزيد منضبطي السلوك. وتتوقف هذه النتائج في مجملها أيضا على الفروق الفردية وسمات الشخصية، فالتنفيس أو التفريغ الذي يتم من خلال التفاعل مع أفلام العنف المعروضة بالتلفزيون يختلف من فرد إلى آخر تبعا لسمات كل واحد منهم.
أما نظرية الغرس فهي تقوم أساساً على القول بإن مشاهدة برامج التلفزيون، وبالأخص المتسمة بالعنف، بصفة مستمرة تساهم في غرس صور غير دقيقة عن الواقع يتأثر بها المشاهدون ويسلمون في النهاية بأن ذلك حقيقة يتصرفون في ضوئها.
وبرغم أن المعرفة عن طريق وسائل الإعلام تتسم بالعمومية وعدم الدقة لما في الواقع الاجتماعي، إلا أن مشاهدي برامج التلفزيون بكثافة تزداد مخاوفهم وتوقعاتهم للجريمة. ولذلك فنظرية الغرس الثقافي تقول إن وسائل الإعلام ومشاهدة التلفزيون تحديداً لا تجعلنا نقوم بفعل شيء بل تساعدنا في إعطاء معنى لما حولنا. وعليه فتفسيرنا للواقع الاجتماعي يتأثر بما نشاهده حول العنف والجريمة، مما يزيد الشعور لدينا بخطورة العالم الذي نعيشه. وقد بنيت هذه النتائج والتصورات في ضوء الدراسات التي أثبتت أنه كلما طالت ساعات مشاهدة التلفزيون كلما زاد الإحساس بخطورة الواقع الاجتماعي.
ولذلك فأنصار هذه النظرية يوصون بعدم إطالة أمد ساعات مشاهدة التلفزيون، لأن الدراسات التي تؤيد هذه النظرية أثبتت أيضاً، أن الذين يشاهدون التلفزيون لفترات محددة يدركون الواقع على حقيقته ولا يتأثرون بما يغرسه التلفزيون كما هو الحال لمن يشاهده لفترات طويلة.
وبرغم ما أثبتته ونفته هذه النظريات وغيرها من تأثيرات على المتلقي وبناء اتجاهات لديه سواء كانت إيجابية أو سلبية فإنها لم تحسم مسألة تأثير وسائل الإعلام في السلوكيات العدوانية والجريمة. ولذا فإنه ينبغي على وسائل الإعلام عموماً وما يشاهد منها خصوصاً، أن تتسم بالصدق فيما تعرض بما يعكس الواقع الاجتماعي ويساعد على المراد تحقيقها في ضوء المادة المقدمة دون تهويل أو إثارة، مع التركيز على التوعية الفردية والمجتمعية فيما يتصل بأخطار الجريمة وانعكاساتها على الفرد والمجتمع وفي ضوء المفهوم القيمي والخيري للدور الإعلامي في ضوء المفهوم الإسلامي الشامل لسلامة المجتمع وصلاح الدين والدنيا.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]

توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved