عزيزتي الجزيرة
السلام عليكم ورحمة الله
يبدو أن الزحف العمراني والسكاني على القرى والمدن الصغيرة قد بدأ يحرمها من عدد من العادات القديمة الجميلة التي بات يفتقدها كثير من الناس وبالأخص كبار السن عندما كان الترابط الاجتماعي بين الأسر داخل الحي الواحد في أوجه وكذلك بين سائر الأحياء المجاورة مما كان يجعل النظرة للحي الواحد على أنه عبارة عن أسرة كبيرة يحتضنها الحي، لكن اليوم يبدو أن عادات المدن الكبيرة وتصرفات بعض سكانها قد بدأت تنتقل شيئاً فشيئاً إلى المجتمعات الصغيرة فاصبح الجار الآن لا يعرف جاره ولا يهتم لأمره وذلك على العكس من السابق حينما كان الرجل عندما ينزل منزلاً جديداً فإن جيرانه في الحي يتسابقون إلى تكريمه ودعوته للغداء أو للعشاء حيث يقيمون له الولائم يومياً هو وأسرته على شكل ما يسمى عند أهل الشمال«النزاله» ولا أدري عن تسميتها في بقية المناطق، فكان الضيف الجديد لا يمضي عليه أسبوع حتى يتكيّف بسرعة مع بقية سكان الحي ويصبح جزءاً منهم حيث يلعب الأطفال مع بعضهم وتتبادل النساء الزيارات بينهن ويجلس الرجال مع بعضهم يتبادلون أطراف الحديث ويتناقشون فيما بينهم في أمور حياتهم العملية والأسرية، بل حتى ان بعض النساء حينما تتشاجر مع زوجها وتكون أسرتها في مدينة بعيدة فإنها تلجأ وأطفالها إلى منزل جارها الذي يتدخل فوراً بما يقدر عليه للإصلاح بينهم وحل المشكلة بأية طريقة حيث كان الجار في السابق«يمون» على جيرانه إلى درجة أنه يعاقب أحياناً أطفالهم اذا بدر منهم سلوك مرفوض لكن اليوم لو قام بذلك فإنه لن يسلم أبداً من لسان المرأة قبل زوجها، وقد تصل الأمور إلى أقسام الشرطة بسبب مشاجرة أطفال أو نساء بينهن دون مراعاة لحقوق الجار، لقد حدثني ذات مرة أحد الأصدقاء بأن جاراً له قد نزل بقربه فأراد أخونا العزيز أن يقوم بواجب الضيافة معه حيث ذهب لدعوته للعشاء فكان رد جاره الجديد متسائلاً بقوله ومن متى المعرفة يا أبا الشباب، نعم هذه الحقيقة التي أضحينا عليها اليوم حيث أصبح كل منا يقفل الباب على نفسه ولسان حاله يقول«يا جاري أنت بدارك وأنا بداري» دون أن يتدخل كل منهما بشؤون الآخر حتى لو رأى جاره في معضلة ما فانه يدير ظهره له ويقول و«أنا ايش عليّ منه»، وهذا بالتأكيد ليس من خلق الفرد المسلم فالرسول صلى الله عليه وسلم«أوصى بسابع جار» وهو الذي قال«مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».
محمد بن راكد العنزي -طريف |