قرأت رواية الكاتب الأمريكي (أرنست همنغواي) العجوز والبحر في البداية مترجمة الى العربية، ومن ثم أعدت قراءتها بلغتها الأصلية (الانجليزية) لعلّي أحاول ترميم الخيبة التي صادفتني عند قراءتها لأول مر وأنا مثقلة بالسمعة العالمية للكاتب همنغواي.
ولكن في المرتين لم أستطع ان أتخلص من الشعور الذي تملّكني بين صفحات الرواية، وهو احساسي بأنني أتابع فيلما أمريكيا طويلا ومملاً نوعاً ما، حيث البطل الوحيد (السوبر) يصارع الحياة ومظاهر الطبيعة وكائناتها من أجل تحقيق حلمه الخاص.
وهذه الرواية العالمية الشهيرة قد نالت شهرتها الكبيرة على مستوى العالم لا سيما بعد فوز كاتبها بجائزة (نوبل) للآداب عام 1954، وهي تلخص قصة صياد عجوز وبسيط عاكسه حظه فلم يحظ بأي صيد لفترة طويلة، الى أن يتهيأ له سمكة كبيرة عظيمة استطاع ان يصطادها بعد صراع طويل في قلب البحر، ولكن بعد أن يربطها الى قاربه ويسحبها الى الشاطئ، تحدق به أسماك القرش، وتتناهش السمكة بعد معارك طاحنة بينه وبينها ليعود الى الشاطئ خالي الوفاض إلا من هيكلها العظمي.
والقصة في تفاصيلها وأحداثها بسيطة ومباشرة، ولكن الكاتب يوظف هذه الأحداث ويسخرها لإبراز البعد الرمزي في صراع الانسان الكوني مع محيطة خلال رحلته القدرية في الحياة.
انها ببساطة الحلم البشري المؤزل بين الحلم و.. الممكن المتاح، بين أفق المستحيل.. وأجنحة البشر المكبلة بمصيرهم وواقعهم.
هي رحلة (أوديسيوس) و(السندباد) والضياع الذي حدق بهما في بحور وجزر التيه، وهو المحور الذي دارت حوله الكثير من الأعمال الخالدة التي كانت تنحو الى تصوير حياة الإنسان بالرحلة الشاقة والباهظة الأثمان التي يدفعها بعض البشر المتفوقين بغرض الوصول الى الكمال أو الاكتشاف.
وهي باختصار محور (الفيلم الأمريكي) التقليدي الذي كانت مقاطعه تسيطر على ذهني وأنا أقرأ رواية العجوز والبحر، ولربما قد وصلت صناعة السينما الأمريكية قدرا من التفوق والاتقان بالشكل الذي يجعلها قادرة على اقتحام خلوتنا مع كتاب وإعادة صياغة هذا الكتاب وفق الشروط (الهوليودية) الخاضعة للإبهار والتشويق وحالة التقمص والاستغراق الكاملة التي تنشأ بيننا وبين أبطال افلامها.
ولكن تبقى رواية (العجوز والبحر) مخلصة للمرجعية الثقافية التي تقدمها، تلك المرجعية التي تقدم البطل الأمريكي (السوبر) أعزل أمام أهوال الحياة لا يمتلك سوى ذكائه البشرية مع ارادة وتصميم عاليين على التفوق والوصول.
ولعلها (الشيفرة السرية) التي يتناقلها سكان أمريكا جيلا بعد جيل تنتقل اليهم من جدهم المهاجر الأول الذي قدم الى البلاد الجديدة محملاً بالحلم الأمريكي الكبير الذي يؤمن بالقدرات الكامنة والخارقة لدى الأفراد، وقدرتهم على مقارعة مصائرهم بقلوب ثابتة ومذللة للصعاب.
ولولا أن رواية (العجوز والبحر) موسومة بجائزة نوبل، ولولا اللغط النقدي الكثير الذي يدور حولها، لم اقرأها مرتين محاولة لتوسل مصادر الجمال الإبداعي بداخلها، فلم أنل سوى فيلم (أمريكي طويل) مليء بالتفاصيل المشوقة والمبهرة لكن المعروفة سلفاً.
|