قارئ شدو الخميس..، ذكرت لك في المقالة السابقة تحت العنوان ذاته أعلاه إن لدي «لك» هدية خاصة كفيلة بتخليصك من «تنغيص!» الأصدقاء أو الأقارب..، وهذه الهدية نتاج «لحلم» حدثتك عن تفاصيله في المقالة السابقة، وهنا أقدم لك قبل تقديم الهدية طبقاً من «حكمة!» فحواها ان الانسان يجهل أول ما يجهل نفسه، وأنت إنسان، عليه فأنت وأنا وهو وهي.. كلنا نجهل انفسنا، والدليل على ذلك «أنت!»، فلقد كنت على دراية تامة بمن يمثل مصدر تنغيص في حياتك من أصدقائك، حيث إن المسألة لا تتطلب أشعة «ألتراساوند!» للكشف على موقع «التنغيص» في قائمة الأصدقاء لديك، ومع ذلك فقد انتظرت لتسمع رأيا آخر، وانتظارك هذا دليل على ماذا..؟! بالتأكيد دليل على أنك لم تتخذ «قرارا!» حاسما حيال هذه القضية، فأنت بكل تأكيد تجهل حقيقة مهمة تتمثل في أن «البسيط شأنه التراكم»* فاسمح لي إذن أن أقول إنك لو فقهت هذه الحقيقة لبادرت لعلاج بسيطك قبل ان يصبح البسيط معقدا..
ومرة أخرى السؤال ذاته: هو لماذا لم تفعل ذلك..؟ أقصد ما الذي حال بينك وبين المبادرة للتخلص ممن يمثل لك تغيصا من اصدقائك؟! لماذا كنت تدري ولم تتحرك لفعل شيء.. أي شيء؟.. قل لي بالله عليك.. لماذا انتظرت حتى «أكذب!» عليك كذبة بيضاء «أو اختر لونك المفضل لهذه الكذبة!»، وذلك حين وعدتك في المقالة الأولى بهدية تخلصك من الأصدقاء «المنغصين!».
حسناً دعني أذكرك بأن لديك كل المقومات التشخيصية لعللك الذاتية.. وفي حوزتك القدرة على اتخاذ كل القرارات الفاعلة.. وفي كيانك كل اطباء العالم وصيدلياته..، فقط حين تمسك بزمام ارادتك فتطوعها لكي تسلك بك الطريق الرئيس الفسيح الذي لا يحول بينك وبينه سوى «تحويلة!» البسيط المتعرج من طرقات الحياة..، وهذا أمر بالتأكيد يتأتى بقليل من زاد المران ووقود المصابرة والمثابرة والإصرار.
إن اعتقاد الانسان «الخاطئ» في انه يفهم الاشياء البسيطة في حياته هو ما يدفع به الى تجاهلها فيقف من ثم عاجزا عن فهم المعقد من الحياة، والمعقد هذا فيما لو اختبرناه لتبين لنا انه «توليفة» من الاشياء البسيطة المتراكمة بفعل التجاهل والعزوف، وهذه هي الحياة الاجتماعية حيث ان ما تتسم به من بساطة هو ما يجعلها في الوقت ذاته معقدة عصية على الفهم، فالحياة الاجتماعية بسيطة الى درجة السخافة ومعقدة الى درجة الجسامة، والارباك، وهنا قد يختلط حابلها بنابلها او بسيطها بمعقدها فتضحى بالفعل مجموعة من «العُقد» المزمنة، وفي خضم هذه الحقيقة السرمدية تتجلى حقيقة اخرى تتمثل في ان لدى الانسان ميلا وتوهما الى انه يفهم ويدرك كافة تفاصيل الاشياء التي تقع امام ناظريه ولاسيما الاحداث اليومية المكرورة منها، فيخسر الإفادة مما اطلق عليه احد الفلاسفة الاوائل وأظنه العالم بيكون اسم «الوقائع الممتازة»: ألا وهي الأحداث التي قد تبدو للفرد احداثا جانبية/هامشية غير انها في حقيقتها جوهرية فاعلة مؤثرة.
عليه وفي ضوء ما سبق استعراضه دعنا نناقش بعجالة ما اتفقنا عليه في المقالة الخميسية السابقة..، فلعلك تتذكر ان واجبك قد تمثل في ان تقوم بتعيين الخمسة «الاوائل!» من اصدقائك مصدر التنغيص، ومن ثم تضع امام كل اسم عدد «تنغصاته» ابتداء بصاحب العدد الاكبر منها، وهكذا تنازليا نحو الاصغر، بصيغة اخرى قم بترتيب الاسماء حسب نصيبها من التنغيص من الاكبر الى الاصغر.. اننا لن نخوض هنا في متاهات المعدلات الاحصائية، غير انه يجدر القول ان هناك معادلات احصائية لايمكن التوصل الى «حلها الصحيح» الا بترتيبها وفق هذه الطريقة.. فبكل تبسيط دعنا نفترض ان لديك ثلاثة اصدقاء «ج، س، ن»، وأن نصيب «ج» من التنغيص خمس مرات في اليوم، بينما نصيب «س» هو ثلاث مرات، اما «ن» فنصيبه مرة واحدة يوميا..، هنا فبترتيب «التنغيصات!» حسب كمياتها من الأكبر الى الأصغر تكون النتيجة «531»، غير ان اضافة كل رقم الى مايليه او مايسمى احصائيا «التكرار المجمع او المتجمع» لهذه التنغيصات سوف يسفر عن النتيجة التالية (ج=5)..، (س: 5+3=8)، (ن: 8+1=9)، لاحظ اننا بقليل من «الترتيب والمنهجية» لهذه الأرقام «البسيطة» قد استطعنا ان نتبين ان صاحب أكبر عدد من التنغيصات وأقصد به هنا (ج) قد أصبح صاحب النصيب الأقل (5)، في حين ارتفع نصيب (س) من (3) الى (8)، أما (ن) ذو النصيب الأقل ابتداء فقد نال المجموع الأعلى: (9)، هنا فلعلك قد لاحظت ان تمعننا في البسيط وعدم تجاهلنا لبساطة نصيب (ن) المتمثل في (1) قد اشاح لنا (تراكميا) عن حقيقة مؤداها ان البسيط في ذاته ليس بالضرورة بسيطا في علاقته مع غيره، فالبدهي الضئيل، حين يضاف الى ضئيل مثله قد يصبح جوهريا فاعلا..
..عليك بالتمعن في البسيط من اشيائك، وحينها سوف تتخلص مما هو اعظم من «التنغيص»..، وبالمناسبة فبالأمس القريب فقط تخلصت بهذه الطريقة من (أحدهم)!.. اما قبل امس فقد تخلص مني بهذه الطريقة ايضا اثنان!
* * ملحوظة اجزاء من هذه المقالة تحوي مقتطفات من كتاب لشخصي الضعيف سوف يصدر قريبا ان شاء الله، ويتألف من جزئين: الجزء الأول عبارة عن معالجة نظرية منهجية شاملة للموضوع، اما الجزء الثاني فتطبيقات «من/على/إلى» أرض الواقع المعاش، أما عنوان الكتاب فهو: «في سوسيولوجيا المألوف المبتذل،.. أثبت ذلك هنا حفظا للحقوق الأدبية فقط».
|