Thursday 14th March,200210759العددالخميس 1 ,ذو الحجة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

حتى لا نفاجأ ب (جلاجل) ثالثة..؟!حتى لا نفاجأ ب (جلاجل) ثالثة..؟!
حماد بن حامد السالمي

حملت إلينا صحف الثلاثاء الفارط؛ تفاصيل الحادث المأساوي؛ الذي أصاب «800» من بناتنا؛ هن طالبات ومعلمات في المدرسة رقم «31»!! المتوسطة للبنات بحي الهنداوية بمكة المكرمة، ونتج عنه وفاة «14» طالبة، وإصابة «50» منهن بإصابات بالغة.
.. نسأل الله العلي القدير؛ أن يجعل بناتنا المتوفيات؛ مرحومات مرضيات عنده، خالدات في جنات النعيم. وان يثيب أمهاتهن وآباءهن، ويلهم كافة أسرهن الصبر والسلوان، ويجعل العوض خيرا لهم في الدنيا وفي الآخرة.
.. وفي تفاصيل هذا الحادث المؤسف؛ وتداعياته الفورية؛ جملة من النقاط لافتة، يحسن بنا هنا؛ استعراضها، والوقوف عندها. ومنها:
1 في السياق العام للأخبار الصحافية المنشورة في اليوم التالي للحادث؛ ساد انطباع عام عند كافة الناس؛ بأن الحريق أتى على المدرسة، وان الوفيات والاصابات كانت بسببه، وهذا ينفيه تصريح مدير عام الدفاع المدني اللواء سعد بن عبدالله التويجري الذي قال:«شب حريق محدود في مكان مخصص لعمل شاي، تم اخماده فور وصول فرقة الدفاع المدني القريبة من المدرسة؛ لكن الطالبات؛ شاهدن الدخان المتصاعد، فأصبن بالهلع والخوف الشديد، وأخذن في الاندفاع الشديد لمحاولة الهرب من خلال البوابة الخارجية، فسقط منهن تحت الأقدام أربع عشرة توفين ، وأصيب خمسون».
2 الرئيس العام لتعليم البنات؛ الدكتور علي المرشد؛ قال في موقع الحادث:«سنحقق في الحادث، وسنصدر بيانا في هذا الشأن»!.
3 معلمات في المدرسة أشرن الى ان المبنى مستأجر منذ «13» عاما بمبلغ «250» ألف ريال، وانه غير مهيأ، بحيث انه لا يتوفر على طفايات حريق، ولا جرس انذار، ولا وسائل سلامة، ولا تهوية، ولا تدخله الشمس، ولا ينفذ اليه النور، والموجود فيه؛ «فئران وحشرات»؟!.
4 بعد نشوب الحريق وانتشار الدخان؛ قطع التيار الكهربائي بطبيعة الحال، واختفت معه الاضاءة، فساد الظلام، وعمت الفوضى، وحل الاحساس بالاختناق؛ لعدم وجود نوافذ للتهوية.
5 هذا المبنى سبق وأن تعرض لحريق مماثل قبل ذلك..!
.. هذا بعض مما ورد من اشارات وتداعيات بعد الحادث.. ولنا ان نتذكر في هذا الظرف العصيب، حادث مدرسة «جلاجل» في منطقة الرياض عام «1397ه»؛ حيث انهار المبنى المستأجر على الطالبات الصغيرات، وذهب ضحيته عدد من البريئات، قدمن حياتهن «فداء» لعدم المبالاة، وللفوضى في كثير من الأحيان.
..ان «جلاجل» الرياض؛ هي بشحمها ولحمها «جلاجل» مكة اليوم..! «تسيب لا مبالاة»، ويمكن ان نفاجأ غدا بأكثر من «جلاجل» في أكثر من منطقة ومدينة، سواء في تعليم البنات أو في تعليم البنين، أو حتى في غيرهما من القطاعات العامة والخاصة. هذا ممكن؛ ما دمنا مستسلمين ل«غول الاهمال الاداري» الذي يكبل ارادتنا، فلا نقوى معه على المحاسبة الدقيقة، ولا نجرؤ على انزال العقوبة المستحقة على كل من يستهتر بأرواح الناس، أو يتلاعب في مصلحة عامة أو خاصة. وسوف نظل كذلك؛ نفجع في طلابنا وطالباتنا؛ وفي مصالحنا العامة، حتى يولد في داخلنا؛ الشعور بأهمية المسؤولية، وانها واجب وأمانة عظمى، وعلى من رضي حملها؛ ان يصدع بما تمليه عليه من واجب الأداء على أكمل وجه، فإن أخطأ فيها أو قصر، وجد في نفسه من الشجاعة ما يكفي لكي يعتذر علانية من المتضررين بسببه، ويعلن على الملأ؛ أسفه على ما بدر منه ومن ادارته، ضمن تحمله المسؤولية عن كل ما حدث..!
.. لم تكن الوفيات والاصابات في الحادث الذي شهدته المدرسة «رقم 31» للبنات بمكة، بسبب الحريق؛ بل كانت بسبب التزاحم والتدافع في مبنى متهالك، سلالمه أو سلمه الوحيد ضيق، وأبوابه كذلك، ونوافذه مسيجة بالحديد..! لا ينفذ اليه ضوء ولا هواء..! هل هذا مبنى مدرسي لطالبات صغيرات؛ أم سجن عام؟!. وحتى السجن اليوم؛ يوفر من الشروط الصحية والانسانية ما يحفظ للانسان؛ فرصته الكاملة للنجاة في مثل هذا الظرف العصيب على أقل تقدير. فأين المسؤولون والمسؤولات في الرئاسة العامة من هذا الوضع في مبنى يتخذ مدرسة، ويضم تحت سقوفه مئات من الأنفس؟!.
.. ومن كلام مدير عام الدفاع المدني؛ وافادات المعلمات؛ نصل الى نتيجة مفادها، ان هذا المبنى لا يتوفر على أدنى حد من وسائل السلامة المتوجبة في منشأة «أسمنتية شبه مصمتة»..! وإذا كانت الادارة التعليمية للبنات لم تعر هذا الجانب أي اهتمام طيلة «13» عاما على ما يبدو وهذا وضع كثير من المدارس في المملكة؛ حتى بعض مدارس البنين المستأجرة فما هي مسؤولية الدفاع المدني في هذه الحالة؟.
.. تمنيت على اللواء سعد التويجري؛ الخبير في السلامة العامة؛ وهو يتكلم على حيثيات الحادثة؛ ان يوضح لنا بصراحة طبيعة الخلل الذي أدى الى وقوع هذا العدد الكبير من الوفيات والاصابات؛ مع أنه أمر بين واضح ..! لأن تدافع الطالبات، هو نتيجة وليس سبباً نعلق عليه ما نتج من وفيات وإصابات. ثم على من تقع المسؤوليّة في هذا..؟ وهل كان بالإمكان تفادي هذه المصيبة، أو التقليل من شأنها، فيما لو .. أن الأبواب والسلالم واسعة بما يكفي، والنوافذ غير مسيجة بالحديد لمحاولة الإنقاذ من الخارج والتوصيلات سليمة، والعناصر البشرية كلها من طالبات ومعلمات وإداريات ومستخدمات، لديهن ولو أدنى فكرة معطاة مع بداية العام الدراسي، عن وسائل السلامة العامة، وطرق التعامل مع مثل هذا الحادث والوعي بكل ذلك، بالتطبيق والتدريب وليس بالكلام فقط..؟!!
.. توقفت بألم وحسرة عند تفاصيل كثيرة منشورة عن هذا الحادث، ومن ذلك، تصريحات الرئيس العام لتعليم البنات الذي قال: «سوف نحقق وسوف نصدر بياناً»..! بعد ماذا..؟ بعد أن كسرت الجرة..؟! وهل في كل مرة، «سوف نحقق، وسوف نصدر بياناً».؟! ما فائدة هذه التحقيقات وهذه البيانات بعد ما وقعت الفأس في الرأس.؟! ما الفائدة .. إذا لم نكشف «الفايروس» قبل الإصابة، ثم نقضي عليه قبل انتظار النتائج المؤسفة..! وإذا لم نوقف التسيب والإهمال، ونحدد المسؤولية، ونحاسب المهملين والمقصرين، ونوقف المستهترين عند حدودهم..؟!
.. كم عدد مباني الرئاسة الذي يدخلها الهواء والنور، لأن نوافذها تسمح بذلك، وتتسع أبوابهاوسلالمها لدخول وخروج مئات الطالبات في الظروف العادية، وليس في ظرف طارئ مأساوي مثل ما رأينا في مكة..؟!.
الموت وجلاجل ..
.. في العام 1397ه الموافق للعام 1977م وقعت مأساة جلاجل. انهارت مدرسة للبنات، ومات تحت أنقاضها عدد من الطالبات الصغيرات البريئات. يومها .. صدرت تصريحات وبيانات وانتهى الأمر..!.
.. في «يوم الموت» ذاك في جلاجل، «سكب» الشاعر الإنسان الدكتور غازي القصيبي، دموعه الحرّى على فلذات الأكباد .. ثم «كتب» من هذا «السكب الدافق» هذه الأبيات التي تعيد نفسها في «يوم الموت هذا»:
بسط الموت يا جلاجل كفيه ..
فماذا اعطيته يا جلاجلْ؟
كل هذي الزهور؟ ما أفجع الزهرَ
صريعاً على نيوب المناجلْ
كل هذا العبير من طيب مريولٍ ..
ومن خفقة الصبا في الجدائلْ؟
كل هذا الجمال؟ ما رأت الأحلام
أبهى من الصبايا الغوافِلْ
بسط الموت يا جلاجل كفّيه ..
فكان العطاء من غير باخلْ
قلبَ الموت طرفه فرأى العشّ
دماءً على بقايا بلابلْ
الصغيرات في الحطام ضلوعٌ
ودموعٌ .. وحشرجاتٌ جوافلْ
ذرف الموت دمعتين .. وأغضى
عن ضحاياه .. وهو خزيانُ ذاهلْ
يا صغيراتُ! يلتقي ذات يومٍ
في رحاب الردى جبانٌ وباسلْ
يلتقي السائر المغذ .. ومن سار
وئيداً .. كل الدروب حبائلْ
يلتقي الطفل في الغضير من العمر..
وشيخٌ مغضَن الروح ناحلْ
من ارتوى الطفل بالحليب ولا الشيخ
رواه طوافه بالمناهلْ
تتلاشى الحياة فهي سرابٌ
عند هذا وعند ذاك مُخاتِلْ
يا صغيراتُ .. ليس عند الليالي
بعد طول العناء إلا المقاتِلْ
.. يا صغيرات .. يا صغيرات .. مرحومات إن شاء الله.

ص.ب 30242 الرياض 11477

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.comعناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved