Thursday 14th March,200210759العددالخميس 1 ,ذو الحجة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

لما هو آتلما هو آت
لكِ وحدكِ 83
د. خيرية إبراهيم السقاف

وأنتِ تبسطين مدى المسافة، وتلملمين تفاصيل الثقوب، وتردمين نتوءات الخبايا، دوماً تكونين القويَّة البهيَّة...
منذ زمن لم أستمع إلى نقر العصافير، ذلك لأنَّها عندما لم تُطْعَم لا تأوي إلى زوايا النَّوافذ، ولا حوافَّ الرُّدهات...، لكنَّها يا سيِّدتي لا تغادر أطراف الأسوار، وأقبية الرِّفوف، وأغصان الشَّجر...، وهذه شجرة اللَّوز عن اليمين، وشجرة اللِّيمون عن اليسار، وبقايا شجرة الرُّمان تطلُّ جرداء على حافة سور الجيران، لكنَّ العصافير تُعمِّرها... تذهب، وتؤوب كي ترسل لي أصواتها أكتب عليها، وأفكِّر معها... وأنتِ تطعمين هذه العصافير وتلقمينها أبجدية البوح...
جاءتني منكِ أصداء...
ولأول مرَّة أشبِّه لقاءكِ بي... بلقاء النَّاس على شاشات الحاسوب وهم ينقرون بأصابعهم، ولا تلتقي عيونهم إلاَّ بالحروف...، أتملَّى حروفكِ، وأقرأ أبجديتكِ دون أن أسمعكِ... لكنَّكِ تشكِّلين في سمعي قدرته على احتراف الإصغاء إليكِ... وتشكِّلين في بصري قدرته على اقتحام مواقع وجودكِ، وتمثُّلِ وجهكِ...
آه لقد تشوَّقت إليكِ...، شوق العَطِش إلى قطرة الماء في ظهيرة زمهريرية... أصطلي بشوقي نياط قلبي، وتصطليني...، متى تكونين أوَّل من يلتقيني؟ ومتى تصبحين آخر من يفعل؟...
هذه المسافات أنتهكُ قدرة الصبر على مواجهتها...
وتلك اللَّحظات أتوق إلى قدرة التمسُّك بها...
وأنتِ يا سيِّدة المواقف تأتين، تروحين، تقفين، تستلقين، تصمتين، تقولين، تنامين، تستيقظين تنثرين في كلِّ حركاتكِ برشفات من الرُّواء تحرثين بها صمت التُّربة في صحرائي الممتدة على خط هواجسي، وتخيُّلاتي...
في الأيام التي مضت، حاولتُ أن أفعل شيئاً لأريكة الزهور، وقرَّرت أن أبدأ مشوار البذر من جديد، لعلَّ موسم الحصاد، تأتي به أجنحة الطيور...
وقلت لكِ: إنَّكِ كلُّ شيء وكفى...، ذلك لأنَّ وجودكِ الانفرادي في كيان بمدى سعة الفضاء وامتداد الثَّرى، وآماد الكون... قضية لا جدال في تفوقها على كلِّ ما لا يُبررها ذلك لأنَّها حجَّة في متاهات غواية النَّاس لمفهوم الوفاء...،
يا سيِّدتي...
هناك كما أنتِ تعلمين من ينتظر أبجديتكِ، كي يلتقط منها، ما يشكِّل به بوحه، ويصنع منها إزميله كي ينحت في المتاهات، ويرسم للنَّاس دروب الصِّدق، وألوان النَّقاء...
أجيئكِ اليوم ببعض بقايا أجنحة العصافير...
غادرتني وتركتُها كي تكون لي قلمي، وإزميلي...
ولسوف أبدأ معكِ اللَّحظة كتابة السُّؤال...، ورسم الجواب...
ترى...
أيُّ بوح سوف يأتي؟
وأيُّ انتهاكِ لقدرة الإصغاء، ولمشارف الرؤية كي ينحت الإزميل دروب الرِّيش، ومدى بوح السُّؤال...، في تكوين الجواب... كي يكون للآخرين فرصة العبور من بوابات الشَّاطئ إلى الشَّاطئ، وبأيديهم مجاديف الموج...، وبارقة الإشارات؟
للّه كم تهطلين في جوف الحروف؟
وكيف تشكِّلين دلالات أبجدية الإحساس، وفوح الكلام؟...
الآن أنتِ هنا...
والآن أنتِ هناك...
وفي كليهما نحن معاً ما لا تصده المسافات، أو يلغيه مدى الخطو في تفاصيل السُّؤال.
فانعمي... وقرِّي عيناً...
لن يقضَّ لكِ مضجعاً، ولا يحرِّك لكِ ساكناً...، ولا يطمس لكِ تربة... من سوف يصطليه الشُّوق إليكِ... أو تنتهكه بارقات التَّوق يا سيِّدتي.
جانب من الاستقبال

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.comعناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved