Thursday 14th March,200210759العددالخميس 1 ,ذو الحجة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

الأمير عبد المجيد .. «زاد الكيل والميزان»الأمير عبد المجيد .. «زاد الكيل والميزان»

عندما تتشتت الأفكار ويغيب الذهن عن الوجود ويفتقد التركيز ترفض الذاكرة أن تتجاوب مع صاحبها فيعيش في شبه غيبوبة وهو يدرك ما حوله من أحداث ووقائع دون ان يميزها التميز المقرون بالتدقيق أو مجاراة الحدث في وقته.. حقيقة هذا ما حدث لي وأنا أستمع إلى الفاجعة الكبرى والحدث الجلل الذي اصاب بناتنا في المتوسطة (31) للبنات بحي الهنداوية بمكة المكرمة يوم الاثنين القريب، عندما سرت في اوساط الرئاسة العامة لتعليم البنات هذه الحادثة بحذافيرها أصبح الجو السائد فيها معتما وقرأت من أفكار ومنطق الزملاء فيها نبرات الحزن الوجوم الذي خيم ولف هذه المنشأة التعليمية التي تعنى بشؤون البنات ويردد الجميع (اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه).. ولكن هذه إرادة الله سبحانه وتعالى ونحن نؤمن بهذه المشيئة الإلهية ولا مرد لقضائه وقدره.
وتابعت التوضيح الذي صدر من الرئاسة والذي يوضح الحالة التي حدثت ويوضح الحقائق والأسباب والمسببات التي أدت إلى وقوع هذه الفاجعة الكبرى لنا ولأهل الطالبات على حد سواء.. وعندما ظهرت الصحافة وهي تحمل نبأ الفاجعة الكبيرة وبين ثناياها تلك الصور المعبرة التي تجسد وتنقل تلك المأساة وأحداثها عشت في تلك اللحظة وأنا أرى ما تبقى من عباءات وأحذية وأغطية في صراع داخلي حمل عنوان الأبوة وذرفت العين الدمع حسرة وحزنا وأنا أتخيل تلك الزهرات البريئات اللاتي قضين نحبهن نتيجة التدافع والتزاحم والاختناق على درج المدرسة وأبوابها الداخلية فكانت الصور معبرة وهي صامتة مؤثرة وهي جامدة حزينة وهي باكية.. فكيف يكون التأثر والتأثير على من كان أول من باشر الحادث بعد وقوعه وتفقد الموقع ليرى تلك الآثار التي ينفطر لها القلب وتختلط مشاعر الحزن وعبارات الترحم على الفقيدات والدعاء بالشفاء للمصابات.
أدرك يقينا أن الموقف مؤثر جدا على صاحب السمو الملكي الامير عبدالمجيد بن عبدالعزيز آل سعود أمير منطقة مكة المكرمة حفظه الله الذي وقف على الفور على الحادث ورأى بنفسه الحدث الجلل وصعد درجات السلم الذي شهد موت تلك الفتيات فكان الموقف صعبا والحدث جللاً والصورة مفزعة ومحزنة في وقت واحد وهو يرى تلك البقايا الباقية من المدرسة المنكوبة، وأظهرت صورة الكارثة بتفاصيلها والتي تناقلتها الصحف اليومية المختلفة ايضا، ذلك التأثر الواضح على سموه الكريم من خلال جولته داخل أروقة المستشفى وعنابر المصابات ليطمئن على الخدمات الطبية والصحية المقدمة لهن فوصلت درجة التأثر في نفس ووجدان سموه أنه حاول ان يخفي مظاهر الحزن عن عينيه بالنظارة الشمسية التي ارتداها في جولة داخل المستشفى والتي عادة ما تكون هذه المناطق إضاءتها إضاءة طبيعية لا تؤثر على العيون فتأثر سموه واضح للجميع وإن حاول أن يخفي تلك اللحظات التي أجزم انه يعيش لحظة عصيبة وموقفاً إنسانياً مؤثراً في نفسه لكن هذا هو المكتوب ونحن مؤمنون ومسلمون بالقضاء والقدر.
إن إخفاء تلك الدموع المترقرقة في محاجرها حق مشروع لسموك حتى وان كانت دموع الرحمة والعطف والتواضع والتي حباك الله بها والصفة التي أنعم الله عليك بها ويغبطك عليها الكثير فهنيئا لك بهذه الصفة التي يتمنى أن يتصف بها غيرك لكن الله سبحانه وتعالى هو الواهب والمعطي فتبارك العاطي والواهب في علوه وجلاله وكبريائه ونعم الموهوب.. لكنها بعد إذن سموك هي حق مشروع لي ولغيري من أبناء وطني أن أقول بصوت عال جهوري لمنظمة حقوق الإنسان العالمية ولمن يتحدث عن الإنسانية وحماية الحقوق وأصحاب النظريات الحقوقية وفلسفة الرحمة وأصحاب الجمعيات التعاونية أن هذه هي حقوق الإنسان العظيمة الحقيقية التي لم تدونوها في قوانينكم الوضعية..هذه حقوق الإنسان الإلهية التي تنبع من ضمير حي ونفس وديعة وهبها الباري عز وجل لمن يشاء من عباده الصالحين، هذه خصلة الرحمة التي غرسها الله سبحانه وتعالى في أولي الأمر في بلادي والساهرين على راحة مواطنيه..
لقد وقف القلم عن الكتابة قسراً وتعطلت كل اصابعي التي تحمله ليسقط فوق الورقة البيضاء التي أسجل فيها هذه الخواطر وسارت في جسدي رعشة أحسبها أنها لحظة من لحظات الفخر والاعتزاز بسموه الكريم لحظة أدركت أن أبناء هذه المنطقة كغيرها من مناطق مملكتنا الحبيبة الغالية هم الثروة الحقيقية التي يحرص سموه الكريم على الحفاظ عليها بناء على توجه أولي الأمر في بلادي الكريمة.. كيف ان الحزن هذا يا سيدي الذي تعيشه وتتأسف عليه ما هو إلا القضاء والقدر الذي أراد الله سبحانه وتعالى ان يمتحن فيه المسلم بصدق الإيمان وقوة التحمل على الشدائد ونحن نشاطرك هذا الحزن فكلنا على هذه الزهرات البريئات حزينون.. فسموك الكريم تأثرت من موقع الحدث فتفاعلت معك الخصلة التي هي من خصال الرحمن سبحانه وتعالى وهي (الرحمة والعطف وحب الغير) التي ملكت قلبك هذا القلب الرقيق فكان قلبا حنونا عطوفا رقيقا صافيا تربى على مخافة الله وحب الآخرين فأحبوك كما أحببتهم وكانت مواساتك لهم واجب المسلم على أخيه المسلم والبلسم الذي يداوي الجروح النازفة التي تؤمن بقوله تعالى في القرآن العظيم: (كل نفس ذائقة الموت).. ولكن سموك الكريم (زاد الكيل والميزان) في كل موقف ولحظة يحتاج المرء فيها الوقوف الى جانبه يشدد من أزره ويخفف وطأة الحدث وهول المصيبة.. فلك أيادٍ بيضاء ناصعة ووقفات شامخة كشموخ (جبال السراة) في مثل هذه المواقف دون الحاجة الى سردها فالتاريخ شاهد على ذلك والحقائق تؤكد هذه الثوابت.
دعواتنا بالمغفرة والرحمة للفقيدات وأن يلهم أهلهن الصبر والسلوان وأن يجعلهم ممن قال الله فيهم: {وّبّشٌَرٌ پصَّابٌرٌينّ پَّذٌينّ إذّا أّّصّابّتًهٍم مٍَصٌيبّةِ قّالٍوا إنَّا لٌلَّهٌ وّإنَّا إلّيًهٌ رّاجٌعٍونّ} وأن يسكنهن فسيح جناته وأن يمن الله بالشفاء العاجل على المصابات إنه سميع مجيب الدعاء واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

محمد بن غازي العنزي
مدير عام مكتب وكيل الرئيس العام للشؤون التنفيذية الرئاسة العامة لتعليم البنات

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.comعناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved