Sunday 17th March,200210762العددالأحد 3 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

نوافذنوافذ
المشهد
أميمة الخميس

ماذا صنعت بنا ثقافة الصورة؟ أي منقلب أخذتنا؟؟ تلك الثقافة التي تنقل لنا رائحة الدم الطازج والأشلاء والدموع والدخان، وسكين لوعة تقتص من أوقاتنا وهدوئنا وثقتنا في الغد.
لربما نغير القناة الى قناة تختطفنا بعيداً عنهم، أو لربما سنحدق قليلاً وسنطلق بعض التحليلات السياسية والتفسيرات وبعض التحسرات والتعاطف الذي يدثر خجلنا أمام مشهد دمائهم واشلائهم الملتصقة فوق جدران القدس.
هذه الصور الفاضحة اللاطمة المتربصة بنا في كل منعطف، تجعل الكتابة تتوارى، تختار لها كهفاً بعيداً تندس بداخله أمام هذا الطوفان من الصور اليومية اللاهثة بالأحمر والدخان.
لا أحد يستطيع أن يعتقل تلك السحابة العظيمة الساخنة المهرولة فوق رؤوسنا ليحولها الى عقلنة الأبجدية. إنها تتأبى على الأبجدية. ترفض أن تصبح فعلاً فاعلاً أو مضافاً أو لربما مضافاً إليه، تصر على أن تبقى سحابة هادرة تمور من المحيط على الخليج، نتعرف عليها ونصمت مهابة في حضرتها.
فيما لو فكرت يوماً أن أدون قصة قصيرة أقتنص تفاصيلها من وكالات الأنباء والصور، لو اخترت يوماً أن أدس قلمي في شؤون الأبطال وخلودهم وكتبت يوماً قصة عن الشهيدة (وفاء إدريس) هل ستستطيع الكلمات العرجاء أن تحكي تفاصيل الخاتم الوحيد في كفها اللدنة المقطوعة والمتوسدة أسفلت الشارع، تلك الصورة التي نقلتها (رويتر) ووزعتها على العالم بحرص وعناية، وتركتنا نكابد أبجدية معتقلة بقصورها أمام مارد بطولتهم الشاهق.لو قدر لي الكتابة عن سقوط بغداد في يد المغول عام (656) أو سقوط غرناطة عام 1492، لربما استعنت بالمخيلة الماكرة وبعض من التفاصيل وصنعت تراجيديا لها شرطها الخاص، وحقيقتها الخاصة.
ولكن ثقافة الصور المتربصة بنا تفوقت على الأبجدية بل هزمتها، نقلتها إلى المقاعد الخلفية الغامضة، وظللنا نحدق بالجنازات العارمة العامرة بأجساد الشهداء ووجوههم المطمئنة التي غادرها الغضب والحنق والقهر الدنيوي وانفلتت كأقمار وضيئة في ملكوت الرحمن.
كيف ننقل صور صرير أدراج ثلاجات الشهداء التي تحولت إلى أسرة متطابقة يعمها البرد والوحشة؟؟
ما هو لون الستائر في غرفة المعيشة في منزل فجرته جرافات اليهود البارحة؟أين حقيبة الصغير المدرسية والرصاصة تأخذ طريقها إلى دماغ ما برحت أحرف الهجاء فيه ندية نضرة؟؟
أين هي اللغة التي ستهبنا أبجدية معتقلها بقصورها ونقصها، وتركتنا لثقافة الصورة السريعة الحية النابضة والتي يتقنها العالم جميعه؟ تماماً كإتقاننا لأحزاننا.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.comعناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved