Sunday 17th March,200210762العددالأحد 3 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

تشيني وزيني في المنطقة بين البحث عن سلام عادل ودعم إسرائيلتشيني وزيني في المنطقة بين البحث عن سلام عادل ودعم إسرائيل
د. عبد الله بن سالم الزهراني

نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني يبدو أن زيارته لعدد من الدول في المنطقة وغير المنطقة مبرمجة منذ أكثر من شهر ورائحة أهدافها فائحة منذ الإعلان عن الزيارة للمنطقة، استهلها بزيارة بريطانيا واللقاء مع4 رئيس الوزراء البريطاني توني بلير للبحث في إحياء التحالف ضد العراق وكيفية ضرب العراق وبأي الوسائل يضرب العراق وربما وضع تصورا لكيفية وضع العراق المستقبلي، وما هي وسائل الإقناع والكيفية لإقناع أطراف عربية ودولية لضرب العراق.
بريطانيا حليف قوي للولايات المتحدة في كل المواقف والتوجهات الأمريكية بل إن رئيس وزراء بريطانيا بدأ في الحرب التي تتزعمها الولايات المتحدة ضد الإرهاب وكأنه المتحدث الرسمي باسم الولايات المتحدة حيث بعث البعوث وتحرك بنفسه إلى العديد من الدول لإقناعها بجدوى الحرب ضد طالبان والقاعدة وإعطاء الوعود للعديد من الدول بالرخاء والمستقبل الزاهر والتخفيف عنها مما تعانيه من الضائقة الاقتصادية وبالذات باكستان!!!
كما أن رئيس وزراء بريطانيا في هذه الأيام هو من يؤلب ويدفع الولايات المتحدة إلى الاستمرار في اتخاذ مواقف متشددة ضد العراق بحيث لا يكون هناك مجال واسع للإجراءات الدبلوماسية. رئيس الوزراء البريطاني يصر على تطوير العراق لأسلحة دمار شامل والعراقيون ينفون. الولايات المتحدة يبدو أنها لا ترغب في أن تستمع بل يبدو أنها ترغب أن تكون متحدثة ومملية لما تود أن تفعله بشأن العراق كعادتها في مثل هذه الأزمات.
إن المنطقة العربية تمر بامتحان صعب وبمنعطف خطير يحتاج إلى التعامل معه بحكمة وروية ويحتاج إلى وقفة أمة بشكل أكثر وضوحا وشفافية وصراحة، سواء إزاء السياسات الأمريكية في هذا الشأن أو إزاء السياسات العراقية والخطاب السياسي العراقي.
الولايات المتحدة دعمت الكويت وأسهمت بالجهد الأكبر في تحريره وأسهمت في دفع الخطر من النظام العراقي عن المنطقة ومواقفها مشكورة ومدفوعة الثمن، ولكن يجب أن يوضح للساسة الأمريكان أنه بالإمكان إعطاء الدبلوماسية فرصة لبحث موضوع العراق خاصة وأن القمة العربية ستعقد قريبا وأن الحالة الكويتية العراقية ستكون على جدول الأعمال مما يتيح للزعماء العرب تداول الرأي وتوضيح خطورة الموقف للعراقيين في ضوء تهديد الولايات المتحدة له.
يجب أيضا أن يوضح للولايات المتحدة بأن تقسيم العراق وانتقاص سيادته من خلال الحظر الجوي هو وضع شاذ وضد مبادئ الأمم المتحدة وهو حق أريد به باطل وأن الشعب العراقي وليس النظام العراقي الذي لا يستحق البقاء هو المتضرر الأول والأخير من هذا الحظر.
إن هذا الشعب العراقي هو جزء من الأمتين العربية والإسلامية كما أنه جزء من المجتمع الإنساني الذي من حقه أن يعيش.
لا بد أن تدرك الولايات المتحدة أن ضرب العراق أو أي دولة عربية أو إسلامية لن يفهمه العرب والمسلمون على أنه ضربة وقائية لمنع العراق «مثلا» من امتلاك أسلحة دمار شامل يهدد بها الولايات المتحدة كما تدعي وإنما ضرب العراق سيفهم على أنه من أجل دعم وتكريس التواجد الصهيوني والاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية وهكذا مع بقية الدول وأن المستفيد بالدرجة الأولى هو رئيس الوزراء الدموي شارون.
إن الخطورة في الموقف هو أن ضرب العراق في هذه المرة سيكون بطريقة مختلفة ومن الممكن أن تقود إلى تقسيم العراق وتقزيمه وهذا فيه زعزعة لأمن الخليج.
تركيا تعترض على الضرب ومن المؤكد أنها ستعرض على تشيني لائحة خسائرها وطلباتها من الولايات المتحدة في مقابل تأييدها لضرب العراق لأن مصائب قوم عند قوم فوائد.
ويمكن للولايات المتحدة أن تغض الطرف عن دخول الأتراك إلى شمال العراق والسيطرة على منابع البترول هناك لمدة عشر سنوات أو أكثر وتخلق واقعا جديدا وتحل مشاكلها الاقتصادية . ولا بد أن المبرر سيكون جاهزا ألا وهو الحيلولة دون قيام دولة كردية بالإضافة إلى الادعاء بحماية الأقلية التركمانية شمال العراق ولها تجارب سابقة في هذا الشأن وقبرص والقبارصة الأتراك أكبر دليل. وهي بذلك ستفعل مثل ما فعل الكيان الصهيوني عندما استولى على سيناء واستغل بترولها طيلة فترة الاحتلال.
ليس هناك أي ضمان من حدوث مثل هذا الوضع، إن ضرب العراق وإسقاط حكومته يعني فتح الباب للولايات المتحدة لضرب دول أخرى وأولها جارة العراق الشرقية التي هي جزء من محور الشر الذي اخترعه وأطلقه الرئيس الأمريكي بوش الابن.
وقد لا يقف الأمر عند ذلك فباكستان امتلكت القنبلة النووية ولن تجد الولايات المتحدة مشكلة في إيجاد التبرير حيث إن مصطلح محاربة الإرهاب مصطلح واسع ومطاط وإذا لم تتسع فقريحة اللوبي الصهيوني جاهزة لمصطلحات جديدة يمكن أن تمرر بسهولة للساسة الأمريكان ليعملوا على تبنيها والترويج لها سياسيا وإعلاميا ومن ثم بناء التحالف من أجل هذا المصطلح أو ذاك.
العراق من جهة أخرى بأمس الحاجة إلى العودة إلى وضعه الطبيعي الذي كان عليه قبل عدوانه الغاشم على الكويت، ولذا فقد حان الوقت لأن يغير مواقفه وخطابه السياسي الذي لم يساعده كثيرا طوال العشر سنوات الماضية. لا بد أن يدرك خطورة الموقف ولا بد أن يدرك أن رفض الدول العربية لضرب العراق من قبل الولايات المتحدة لا يعني ضمانا بعدم الضرب، ولكنه يعني تسجيل موقف تاريخي تدرك الدول العربية أن ما تقوم به الولايات المتحدة ظلما وعدواناً وليس في مصلحة العرب والمسلمين عامة وليس في مصلحة المجتمع الدولي ناهيك عن كونه سيلحق الضرر بسيادة العراق وشعب العراق ومقدرات شعب العراق.
يجب أن يتخلى نظام العراق عن فكرة أسلحة الدمار الشامل ويتوجه إلى الناحية الاقتصادية كما فعلت ألمانيا واليابان. يجب أن يوافق على عودة المفتشين. إن سماحه لهم يعني أنه بالفعل لم يعد يملك أسلحة الدمار الشامل. يجب أن يمتنع العراق عن المراوغة والمناورة التي يبدو أن هامشها أصبح ضيقا وأن الوقت يجري وأن الصورة أصبحت واضحة خاصة بعد أن أصبح بإمكان رئيس الولايات المتحدة أن يتخذ قرار الهجوم على العراق دون الرجوع إلى الكونغرس كما أن هذا القرار يمكن أن يتخذ في أي وقت.
الولايات المتحدة في رأيها أن التفويض من الأمم المتحدة بضرب العراق عام 1990م لا يزال مفتوحا ولو أن أغلب دول العالم لها رأي آخر، ولكن لا يعوّل العراق في هذه الأيام كثيرا على الرأي الآخر.
لا بد أن يتعامل العراق مع كل قرارات الأمم المتحدة التي كانت نتيجة لعدوانه على الكويت بشكل واضح ولا لبس فيه لكي يجد آذانا صاغية تتعاطف معه سياسيا.
إن كل القادة العرب الذين سيلتقي بهم ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي سيرفضون مبدأ ضرب العراق ولكنهم في نفس الوقت سيطالبون العراق بتنفيذ قرارات مجلس الأمن وأعتقد أن هذا الموقف سيحملونه معهم إلى قمة بيروت وسيوضحونه بكل جلاء للعراقيين ويتركون القرار للعراقيين.
زيارة تشيني هي في أساسها لحشد التأييد لضرب العراق وما زيارته لفلسطين المحتلة إلا للسلام والاطمئنان على الوضع وأن الحرب ضد الإرهاب تسير في مسارها الصحيح وأن شارون يقوم بدور فاعل في هذا الاتجاه.
إن الولايات المتحدة ونعتها لحركة الجهاد الإسلامية وحركة حماس بأنها منظمات إرهابية ربما كان أحد أسباب صمتها عما يجري في الأراضي المحتلة لأنها مشغولة في هذه الأيام بما تسميه محاربة الإرهاب في العالم وما دام هناك جزء من هذا الإرهاب على الأرض الفلسطينية كما تدعي فلن يكون في مقدورها منع شارون من تنفيذ خططه التي ينفذها تحت مسمى محاربة الإرهاب والدفاع عن النفس.
بماذا نفسر هذه المجازر والاعتقالات بالآلاف وهدم المنازل وترويع الآمنين ومنع وصول سيارات الإسعاف في وقت يتجه فيه تشيني إلى المنطقة؟ أليس دليلا على أن شارون يود أن يظهر لتشيني حسن الأداء في محاربة الإرهاب؟
ما هو تبرير تأخير زيارة زيني للمنطقة؟ هل ستؤدي هذه الزيارة إلى وقف العدوان الشاروني على أراضي السلطة الفلسطينية؟ شارون تخلى عن شرطه وقف إطلاق النار لكي يتم التفاوض، لم يعد يطالب بشهر ولا بأسبوع ولا حتى بيوم واحد أو لنقل حتى ساعة واحدة، وقال بأنه ليس عنده مانع يتفاوض وإطلاق النار مستمر؟ وهو بالفعل يعني ما يقول؟ هو لا يرغب أن يوقف النار ولذلك فإنه منذ إعلانه عن تخليه عن ذلك الشرط قتل من الفلسطينيين أعداداً كبيرة واقتحم المخيمات والمدن وجعل من الصعب على الفلسطينيين أن يتفاوضوا في مثل هذا الوضع.
إن زيارة زيني لن تختلف عن سابقها ولن يستطع زيني أن يزين الوضع لأن شارون لن يوقف إطلاق النار وإذا أوقف إطلاق النار فلن ينسحب من مدن السلطة ومخيماتها وإذا أراد أن ينسحب فسيحول الوضع إلى مفاوضات جديدة حول الانسحاب.
ولكن أصبحت الأمور الآن أكثر وضوحا للفلسطينيين وهو أن لا سبيل إلى إرغام شارون على تخليه عن سياسته سوى الصمود والصبر والتضحيات والتمسك بالأرض.
على كل حال القادة العرب أمامهم فرصة لاتخاذ قرارات تاريخية تجاه الوضع في فلسطين المحتلة والحالة الكويتية العراقية. ولا شك أن الشعوب العربية تتطلع إلى هذه القمة وتأمل أن تخرج عنها قرارات تتناسب ومستوى الأحداث.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.comعناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved