Sunday 17th March,200210762العددالأحد 3 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

شدوشدو
الاستشراق: قراءة غائرة مغايرة.. (4 - 5)
د.فارس محمد الغزي

لماذا لم نتمكن حينما كنا أصحاب الريادة من وضع علومنا موضع التطبيق كما فعل الغربيون..؟!، بصيغة أخرى لماذا ونحن الأساتذة لم نقدر على استيعاب (المعاني التطبيقية) للعلم، فنعلن ثورتنا الصناعية في حين استطاع الغربيون (التلاميذ) فعل كل ذلك بنجاح تام..؟! حسنا إن الغرب النصراني لم يهزم الشرق الإسلامي عسكريا إلا بعد أن تمكن أولا من هزيمته حضاريا، والمؤسف أن سلاح الغرب في تحقيق انتصاره الحضاري هذا هو ذاته بإقرارنا (العلم) الذي أنتجته الحضارة الإسلامية، فقد سارع الغرب إلى الأخذ بمبدأ (اعرف عدوك) وذلك بمجرد أن وضعته الحروب الصليبية وجها لوجه مع الشرق الاسلامي المتحضر وقتذاك، فترجم من علومه ما ترجم، ونهل من معينها ما نهل، فاستطاع من خلال ذلك أن يفك قيود وأغلال قرونه الوسطى، ليُمسك بزمام هذه العلوم، ويضفي عليها هويته الذاتية.
ومع كل هذه الحقائق التي نُقر بها (زهواً!) فلم نقترب قط ولن نقترب أبدا من دائرة الأسباب الحقيقية (لتوقفنا فجائيا) عن الإنتاج الحضاري، ولاسيما أن هذا التوقف المؤسف يمثل حدثا جوهريا حاسما على إثره تغير وجه التاريخ الإنساني حتى وقتنا الحاضر. إنه من الصحيح أن مُنجَز علماء المسلمين الأوائل هو ما أنقذ الغربيين وأخرجهم من ظلامات قرونهم الوسطى، ومن الصحيح أيضا أن احتكاك الغرب بالشرق خلال الحروب الصليبية هو ما أشعل لدى الغربيين فتيل (النور) العلمي الذي لا يزال مضيئا متوهجا لديهم حتى لحظتنا هذه، بل قد يكون من الصحيح أن العالم (روجر بيكون) قد تأثر بابن سينا، والعالم (ديكارت) أبرز علماء الغرب وصاحب التأثير الأكبر في تاريخ الحضارة الغربية (بجانب نيوتن) قد يكون أيضا قد تأثر بمنهج (الشك المنهجي) الذي أورده الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال)..وقد يكون.. ويكون ويكون..، غير أن مثل هذه (المعلِلات) النفسية تُخدِّر ولاتُبصِّر، بل تُعطِّل (وكيل الله عند الإنسان!) وذلك هو (العقل) كما وصفه الجاحظ، عليه فالسؤال العقلاني هو: لماذا لا نجد أي جهد من شأنه معرفة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى انحطاطنا، والتي على إثرها تخلقت حسب توصيف مالك بن نبي عصور انحطاطنا..؟!
ومجمل القول إن لنا ذاتا نجهلها كل الجهل، وحقيقة كهذه أحسبها السبب الذي دفع بأحد المفكرين العرب الى التساؤل بحرقة عن السر في أننا نملك أعظم المبادىء ومع ذلك فلدينا أسوأ الأوضاع..؟ وهذه هي الحقيقة المؤسفة التي لا مناص لنا إلا الاعتراف بها، (والاعتراف يهدم الاقتراف)، فلعل وعسى أن يدفعنا هذا الى الإقرار بالحقيقة.. فالعودة إلى مواجهة هذه الذات بكل أسلحة العزم والتصميم والاصرار على غربلة وعلاج واقع نحن أول من يُقر بشذوذه ويعترف بسقمه..

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.comعناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved