في بلادنا عدد من الصحف التي تصدر من مختلف مناطق المملكة العربية السعودية إلا أن الملحوظ وجود فوارق كبيرة بينها من حيث الإمكانات البشرية والفنية والانتشار وقدراتها التوزيعية، بل واختلاف هذه الفروق بالنسبة للصحيفة الواحدة من منطقة توزيعية إلى منطقة أخرى نتيجة عوامل ليس هذا مجال سردها أو شرحها. وبسبب هذه الفوارق الملحوظة وصل التنافس بين بعض صحفنا المحلية على ادعاء سعة الانتشار في مناطق التوزيع إلى حد التلاسن بين المسؤولين فيها مما اضطر الجهات المسؤولة إلى التدخل لوضع نهاية لهذا التلاسن وهو أمر مخجل جداً بالنسبة لوعاء من أوعية ثقافة المجتمع!!
والموضوع الذي سوف أتناوله في مقالي هذا هو: مدى حضور صحافتنا في نقاط التوزيع خارج المملكة العربية السعودية في دول الخليج والبلاد العربية والبلاد الإسلامية والبلاد الأجنبية التي تكثر فيها الجاليات المسلمة والعربية. حيث توصلت من خلال تجربة شخصية إلى نتيجة مؤداها ضعف حضور صحفنا المحلية في الخارج إلى درجة مخيفة جداً قد تصل إلى حد الانقطاع الكلي.
ونتيجة لهذا الاستنتاج نبتت في ذهني عدة أسئلة اشتد جدلها وزاد إلحاحها حتى آثرت تخصيصها بهذا المقال لعلي أصل معك أخي القاريء الكريم إلى أجوبة حقيقية تسهم في تصحيح هذا الواقع بقدر الإمكان بالتصورات المفيدة والاقتراحات العلمية القابلة للتطبيق ليمكن في ضوئها تيسير سبل انتشار صحافتنا خارج الحدود بما يحقق لها حضوراً متميزاً وأثراً ثقافياً مؤثراً.
في مبتدأ القول لابد من الإشارة إلى أن الصحافة في أي بلد هي مرآة مجتمعه ولسان ثقافته وسجل نهضته وتطوره ومن ثم يمكنني القول: إن صحافتنا المحلية بصورتها الحالية لم تصل بعد إلى مستوى مواكبة نهضة بلادنا الحبيبة في مختلف المجالات ولم تستطع أن تكون ضمير الأمة ولسان ثقافتها. وكان أداؤها ضعيفاً جداً خلال الهجمات الإعلامية التي تعرضت لها بلادنا في الآونة الأخيرة، وربما اقتصر أداؤها على إبراز التصريحات الرسمية دون إبداء أي فعل ثقافي مؤثر أو غير مؤثر. وهذه علامة ضعف خطير في الواجب الإعلامي لهذه الصحف تجاه انتماءاتها الوطنية.
وبالتالي وجب العمل على محاولة تحقيق هذه الطموحات المشروعة واختراع الأساليب والوسائل المعينة على حقيقها ومن أهمها بحث أسباب ضعف الاستفادة من الإعلاميين الأكاديميين في صحافتنا المحلية كما هو حادث في دول العالم المتقدمة المحلية علمياً، ثم البحث بعد ذلك هل ذلك ناشئ عن عدم توافر المناخ الملائم في صحفنا المحلية لمثل هذه الاستفادة، ولماذا؟
والذي يلمسه كل متأمل أن الإعلام ذو تأثير بليغ في فكر الفرد والمجتمع والأمة حيث أتيحت له أسباب ووسائل وعوامل كثيرة سريعة التأثير في الناس نتيجة تعدد أنواعه وتوسع مجالاته.
والصحافة لون من أهم ألوان الإعلام. وفي ظل التطورات التقنية في مجال وسائط الاتصال ولاسيما البث الفضائي والإلكتروني توقع البعض أن تفقد الصحافة أهميتها وتأثيرها الثقافي والفكري والتوجيهي إلا أن الصحافة ظلت محتفظة بأهميتها في كل المجتمعات، لأن المفترض فيها أنها تجمع بين الخبر المجرد والتحليل العميق لذلك الخبر وأبعاده ودلالاته وآثاره مما يجعلها أصدق تعبيراً عن نبض المجتمع من الوسائل الأخرى. كما أن الصحافة ذاتها استطاعت مواكبة التطورات والمتغيرات بالاستفادة من النهضة التقنية في تسريع وتحديث وظيفتها الإعلامية. فكان من أهم عوامل نجاح الصحافة مثلاً قدرتها على توظيف تقنيات الإعلان التجاري للاستئثار بمتابعة القاريء حيث وفرت عليه عناء التنقل بين الأسواق المتباعدة لاختيار السلعة المناسبة فقدمت له الإعلان عن محل بيعها ومواصفاتها وربما سعرها في أكثر من مكان.
والمؤكد عند المختصين وحتى عند القارئى العادي أن السرعة عامل مهم لنجاح الصحيفة وتميزها عن رصيفاتها بحكم التنافس الشرس في الميدان الإعلامي عموماً والصحفي خصوصاً. والسرعة المطلوبة ذات أهمية في مجالين. المجال الأهم هو سرعة الصحيفة التفاعلية مع الأحداث والأخبار لتقدمها للقاريء طرية في وقتها وهذه السرعة لا تستطيع الالتزام بها إلا صحيفة ذات قدرات بشرية متمكنة وإمكانات فنية قوية بحكم طبيعة العملية الصحفية التي تستوجب الطباعة ومايلزم لها من إعداد وتهيئة. والمجال الثاني هو سرعة العملية التوزيعية للصحيفة ولذا أصبحت هذه العملية من اختصاص شركات مستقلة لأهميتها والحاجة الماسة للتفرغ التام للقيام بها على أكمل وجه تنفيذاً ومتابعة.
ومن الطرائف حقاً في مجال البحث عن وسائل عملية لتسريع عملية التوزيع أن شركة ماركا للطباعة والنشر قامت ضمن فعاليات البرنامج الروسي الألماني المسمى t.k.m بإطلاق صاروخ يحمل 1275 رسالة من بحر بارنتسيف في أقصى شمال روسيا فوصلت إلى منطقة كاتشاتكا بألمانيا في غضون عشرين دقيقة. إلا أن هذه التجربة لم يتم تكرارها على نطاق واسع لارتفاع كلفتها ولظهور الطباعة التزامنية التي تتم فيها طباعة الصحيفة من مركز رئيس إلى مراكز متعددة في قارات العالم في الوقت ذاته.
وقد حققت بعض الصحف المغتربة نجاحاً باهراً في الاستفادة من هذه الإمكانات الطباعية حيث زاد الإقبال عليها في نقاط التوزيع المختلفة لقدرتها على تحديث المعلومة برغم فوارق المسافات والتوقيت مما لا يمكن أن يتحقق للصحف التي تنتقل بين تلك البلدان بالطرق التقليدية. إلا أن تجربة إحدى الصحف المحلية لإنشاء مراكز طباعية متزامنة بين مدينتين رئيسيتين فشلت لأن هذه العملية تحتاج إلى طاقم صحفي قادر على التفاعل مع الأحداث في المركز التابع بمثل الموجود في المركز الرئيس وهو مالم يحدث. كما أن تباعد مناطق بلادنا وضعف العائد الاقتصادي وارتفاع التكلفة كلها معوقات لمثل هذه الخطوة. إلا أن السؤال الملح حقاً هو: لماذا لاتكون هناك مراكز طباعة متزامنة لصحفنا في دول الخليج وفي الدول العربية وفي دول العالم الأخرى في المناطق التي يكثر سفر السعوديين إليها لأهمية ربط المواطن بأخبار مجتمعه؟
وأمر آخر مؤثر في تطور الصحافة المحلية هو أن غالب إن لم يكن كل صحفنا المحلية لها مواقع على شبكة المعلومات العالمية lnternet إلا أن المفجع أن صحافة الإنترنت ليست سوى نسخة من الجريدة الورقية مزيتها الوحيدة أن القارئ يمكن أن يصل إلى طبعتها الأولى وليست الثانية قبل وصولها إلى نقاط التوزيع التقليدية بساعة أو ساعتين لاغير وليس فيها أية قيمة معرفية أو تفاعلية تزيد عن الجريدة الورقية. كما تنقصها أشياء كثيرة مهمة في عملية النشر الإلكتروني مثل: تجديد الشكل ومتابعة مستجدات الأخبار والتحليل العميق للأخبار والأحداث والتواصل المباشر مع القارئ للجريدة الإلكترونية مما يتسبب في الإعراض عن متابعتها إلكترونياً في الداخل والخارج. وفي الداخل هناك سبب إضافي هو ارتفاع كلفة استخدام الإنترنت مما يقلل فرص انتشار الصحف الإلكترونية.
وهناك إشكالية يمكن قولبتها في عدة أسئلة مثل: لماذا لا يقبل الآخرون على قراءة صحافتنا المحلية؟ بل لماذا يعرض السعوديون المسافرون إلى الخارج عن قراءة صحفنا هناك؟ ولن أحاول الإجابة على هذه الإسئلة المفترضة ولكني سأكتفي بالإشارة إلى أنه للإجابة على هذه الأسئلة لابد أن تنشأ عدة فرضيات مثل: فرضية إغراق صحفنا في المحلية ولذا كان من الملحوظ أن أكثر الكتاب شهرة ولا أقول تميزاً في صحافتنا المحلية هم المتخصصون في النقد المحلي. وفرضية عدم متابعة صحفنا المحلية لجديد الأخبار وعدم مواكبتها للأحداث والاعتماد على وارد الأخبار ولاسيما ما يرد من وكالة الأنباء المحلية حتى وإن كان الخبر محلياً بحتاً يمكن الوقوف على تطوراته بالمعاينة ذات الحس الصحفي.
ومن الفرضيات: إثقال صحفنا المحلية بالقيود الرسمية فهي في وثائقها صحافة مؤسسات ولكنها في الواقع من خلال التنظيمات والقيود المفروضة عليها والرقابة البعدية عليها هي ليست سوى صحافة حكومية ملزمة بمراعاة ضوابط محددة قبل نشر أي خبر أو نقل أي حدث، بالإضافة إلى التدخل في تعيين كبار المسؤولين فيها.
وتشير فرضية أخرى إلى أن تلك القيود الرسمية فرضت التوجه الرسمي نحو تقديم إعانات مادية مباشرة أو عن طريق الاشتراكات الحكومية في الصحف المحلية مما أسهم في إيجاد صحف هزيلة هذه الإعانات والاشتراكات هي حبل النجاة لها مع لجوئها إلى الاستعانة بغير سعوديين في طاقمها التحريري والفني بشكل ملحوظ لأنه أقل كلفة؟ ويتساءل مطلق هذه الفرضية: ماذا لو ألغيت هذه الاشتراكات والإعانات كيف ستصنع الصحف الضعيفة أداء وإمكانات؟ وهل الدمج حل من الحلول المجدية؟ أم أن الحل الأجدى هو تحرير الصحافة من القيود الرسمية؟
وفي الجانب الآخر يتساءل كثير من العاملين في الوسط الصحفي: مالذي حققه نظام الصحافة الجديد ولاسيما في مجال احتكار الكتاب المتعاونين مع الصحف المحلية وحقوقهم، وفي مجال تعيين كبار مسؤولي الصحف، وفي مجال تفاوت عدد الصفحات، وفي مجالات أخرى ظلت بعيدة عن نظر معدِّي ذلك النظام وعن نظر الذين ناقشوه في مجلس الشورى ولم يوفقوا إلى استطلاع وجهة نظر المتعاونين مع الصحافة من خارج جدرانها لأن هؤلاء أقدر على معرفة الداء ومعرفة دوائه؟
وهناك ملحوظة مهمة جديرة بالتسجيل تلكم هي وجود نشاطات حكومية متميزة لكنها لا تعرف طريق الإعلام ولا الصحف تعرف طريقها لأن غالب محرري صحافتنا يعتمدون على مايردهم معلباً في تقارير خطابية من إدارات العلاقات العامة في الجهات الحكومية غالبها لتلميع الجهاز الحكومي وكبار مسؤوليه أمام الرأي العام دون إعنات المحررين والمندوبين الصحفيين أنفسهم بالبحث عن الخبر في موقعه. ومحاولة تحليل الأحداث المؤثرة وتوسم آثارها في المجتمع على المدى القريب والمدى البعيد. كما لا يمكن إنكار أن إدارات العلاقات العامة في بعض الجهات الحكومية غائبة عن الواقع الإعلامي غيبة أهل الكهف وليست لدى كبار مسؤولي هذه الجهات القدرة على التواصل والجذب الإعلامي للتعريف بنشاطاتها وما تقدمه من فائدة للمجتمع وللوطن. ومن المؤكد أن القيادة العليا لها تأثير كبير في اتخاذ المواقف المناسبة والسياسات الناجحة التي تسهل من عملية تكيف المنشأة مع البيئة المحيطة بها والاستجابة لمتطلبات المجتمع عن طريق حسن التخطيط للعمل، فالمسؤول الأعلى في المنشأة قادر على صناعة القرار وعلى إعادة صياغة طريقة العمل، وعلى تعيين القائمين بالإشراف على مجموعات العمل، وعلى اعتماد الحوافز العادلة للعاملين، وعلى توفير مناخ العمل القادر على حفز همم العاملين وشحذها لصالح الأهداف المتوخاة، وتنمية قدرة وأسلوب ومهارة وكفاءة القيادة المشرفة على مجموعات العمل بما يحقق حسن سير العمل ونجاحه.
وختماً للقيل أقول: إن موضوع ضعف أداء صحافتنا المحلية وضعف توزيعها في الخارج يحتاج إلى ندوات ونقاشات جادة يشترك فيها أكاديميون وممارسون للعملية الصحفية للوصول إلى حلول عملية مثمرة. وبالله التوفيق،،،
ص ب 30242 الرياض 11477 |