* كولورادو عبد الله بن ربيعان:
لا يتحدث هذا التحليل عن كرة القدم كما قد يوحي به العنوان، وإن كان الحديث عن كرة القدم أو السوكر كما يطلق عليها الأمريكان هنا وفرسانها وبطولاتها أمتع للقلوب وأشهى للنفوس وربما أصح للأبدان من حديث الاقتصاد وجمود أرقامه وعواصف خسائره وأزماته، إلا أن عزائي أنني لست من فرسان المجال الأول ولا أصلح فيه، ولذلك سوف استعرض خلال هذه السطور تاريخ الأزمة الاقتصادية التي ضربت الأرجنتين من حيث أسبابها، بدايتها، آثارها الاقتصادية وكيفية الخروج منها محاولا في نفس الوقت الرجوع لتذكر أزمة جارتها الكبرى البرازيل وكيف استطاعت أن تخرج من عنق الزجاجة سالمة بعدما مرت بأزمة مشابهة في أواخر القرن المنصرم سيما وأن كثيرا من الاقتصاديين يرى أنه يجب ترك الأرجنتين تحاول إخراج نفسها من أزمتها دون أية مساعدة أو دعم خارجي ولعل آخرهم وزير الخزانة الأمريكي في تصريح له الأسبوع الماضي كما فعلت جارتها من قبل، الأرجنتين التي سمحت لتعويم عملتها في نهاية الشهر الماضي بعد ما كانت مربوطة بالدولار رأسا برأس أي أن البيزو الواحد يساوي دولارا أمريكيا واحدا وذلك منذ عام 1991، وهو ما يراه بعض الاقتصاديين الشرارة التي أشعلت فتيل الأزمة بعد حوالي عقد من السنين لأن كل من كان يملك بيزوا سارع لاستبداله بالدولار واحد بآخر أي أن الطلب على العملة الارجنتينية كان طلبا مشتقاً من الطلب على الدولار وليس على البيزو بعينه حيث مثل كل عملات البلاد الآخذة بالنمو تتسم العملة الأرجنتينية بعدم التأكد «uncertainty» أي اليوم بسعر وغدا بعكسه وهذا الربط أضر بالبلاد من حيث غلاء الصادرات الأرجنتينية ورخص الواردات مقدرة بالدولار أو البيزو لا فرق، وحيث لا يعكس هذا الربط السياسي القيمة الحقيقية للعملة في سوق الطلب والعرض، أما في بداية الأزمة فقد كانت السلع التجارية المصدرة من الأرجنتين تخضع لسعر الصرف الثابت بمقدار 40، 1 بيزو مقابل الدولار فيما السلع غير التجارية والمستهلكة محليا تخضع لسعر الصرف السوقي وكان يقدر بحوالي 05، 2 بيزو لكل دولار، والآن وبعد أن سمحت الأرجنتين لعملتها بالتعويم في عهد الرئيس الحالي ادواردو دولادي وهو الرئيس الخامس للبلاد منذ ديسمبر الماضي في أعقاب أزمة أسقطت الرؤساء كأحجار الدومينو فقد اختفت هذه الازدواجية في سعر الصرف للسلع المصدرة أو المستهلكة محليا بعد أن أصبحت القيمة السوقية الحقيقية للبيزو الواحد تساوي سبعة سنتات فقط أو ما يساويها وليس دولارا كما في السابق، وهذا الانخفاض في قيمة العملة سيساعد في زيادة الصادرات الأرجنتينية لرخص أثمانها عقب التعويم ورجوع البيزو إلى قيمته الحقيقية في سوق الصرف الأجنبي حيث من المتوقع أن تصل هذا العام ما يقارب 12 بليون دولار بعد أن كانت 6 بلايين دولار فقط في العام الماضي 2001م حسب توقعات وزير الاقتصاد الأرجنتيني جورج لينكوف، ويبقى السؤال المطروح بقوة وهو هل تستطيع الأرجنتين أن تنفذ بجلدها من هذه الأزمة وتسدد ديونها البالغة 141 بليون دولار دون أي دعم خارجي من الدول الكبرى أو من صندوق النقد الدولي الذي قدم لها فعليا حتى الآن 22 بليون دولار وما زال يتشاور أعضاؤه في هل يجوز للدول أن تعلن إفلاسها أمام دائنيها لتسقط حقوقهم أسوة بالشركات والمؤسسات المدنية الأخرى وإن كان هذا الخيار بعيدا ولكنه ما زال مطروحا وقائما والأقرب أن يقوم صندوق النقد بإعادة جدولة هذه الديون مع فوائدها لتدفع على أقساط تقرر في وقت لاحق، وللإجابة على إمكانية خروج الأرجنتين من أزمتها بلا أي دعم خارجي يجب أن ننظر إلى ما يمتلكه البلد من موارد رئيسية يستطيع من خلال بيعها الحصول على النقد الأجنبي اللازم لتسديد قيم وارداته وتسوية ديونه فإن كانت البرازيل منتجا رئيسيا للقهوة تستطيع أن تحكم سوقها من خلال التحكم في المعروض منها لتحصل على الثمن الذي تراه مناسبا فلا تملك الأرجنتين مثل هذه الميزة بالإضافة إلى أن البرازيل تملك أيضا بعض الصناعات الصالحة للتصدير خارجيا ومنها على سبيل المثال صناعة الطائرات الصغيرة مما يمكنها من الحصول على النقد الأجنبي لتمويل وارداتها ودفع ديونها الخارجية كما حصلت البرازيل أيضا على دعم كبير من صندوق النقد الدولي وبعض الدول الكبرى، أما في حالة الأرجنتين فالبلد يعتمد كليا على الإنتاج الزراعي وخصوصا القمح بالإضافة إلى صادراتها الكبيرة من لحوم البقر وليس عندها أي صناعة يعتد بها حيث لا تتجاوز بعض الحرف البسيطة المخصصة للطلب محليا، وهنا يجب التذكير بأن السلع الزراعية عموما وكذلك اللحوم تعتبر سلعا أولية غير مصنعة تتسم بانخفاض أسعارها يوما بعد آخر، كما أن الأرجنتين ليس هو البلد الرئيسي المنتج لها لتستطيع حكم أسعارها عن طريق خفض العرض وزيادته أي أنها آخذ للسعر المحدد سلفا في السوق «price taker» وليس محددا له كما في حالة البن البرازيلي «price maker» ، الأرجنتين التي استنفذت حقها من حقوق السحب الخاصة «Special drawing rights» وهي صغيرة نسبيا لأنها تعتمد على حجم مساهمة البلد في ميزانية الصندوق، ما زالت تنتظر دوراً أكبر من صندوق النقد لمساعدتها للخروج من أزمتها التي قد تستمر سنين وليس شهورا كما يصرح مسؤولوها ومتى تدخل الصندوق وهو حتما سيتدخل بسياساته الهيكلية «austerity program» فمعناه خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب بما سيزيد الأوضاع سوءاً على المواطن الأرجنتيني الواقع بين سندان الأزمة ومطرقة الصندوق، وبالنظر إلى ما تملكه الأرجنتين من موارد رئيسية تستطيع عن طريق بيعها الحصول على النقد الأجنبي لدعم عملتها المنهارة أصلا كما أشرنا في السابق فإن كثيرا من الاقتصاديين يرى صعوبة إن لم تكن استحالة خروج الأرجنتين من أزمتها دون أي دعم ومساعدة خارجية بجانب القضاء على الفساد الإداري الذي ينخر في جسد الاقتصاد مما زاد أحواله تعاسة وسوءا،
|