اعتاد باول سافو الذي يعمل في «معهد المستقبل» أن يقول إن الأمريكيين يضخمون من تأثير التكنولوجيا على المدى القصير، في حين أنهم يقللون من ذلك التأثيرعلى المدى الطويل، وبكل المقاييس، فإننا بالتأكيد قد أدينا عملا لا بأس به فيما يتعلق بتضخيمنا لتأثير الإنترنت في السنوات القليلة الماضية، (أسهم NASDAQ وصلت إلى 5000؟ تمت المهمة بنجاح!) ولكن ما يثير فضولي هو الوجه الآخر لملاحظة سافو، ما الذي قللت أمريكا من تقدير قيمته؟ ما هذا الذي سوف يأتينا من الإنترنت سوف يدهشنا بالخير أو بالشر في السنوات القادمة؟ هناك خدمة جديدة بارعة للغاية تسمى Copytalk يمكنها أن تعطينا تلميحا بشأن هذا، فهذا الجهاز صمم للأفراد المنشغلين دائما الذين هم عادة بعيدون عن الحاسب، وتمكنك من إملاء البريد الإلكتروني للهاتف الجوال ثم بعد ذلك، وفي غضون ساعات تتحول إلى نص وإرسالها إلى من تريد، أو تستطيع أن تقوم بإملاء سلسلة من المواعيد والعناوين والتوقيتات أو أيما تريده، وفي المرة القادمة التي تقوم فيها بتحميل المعلومات من جهاز بالم المحمول إلى حاسبك الشخصي سوف تظهر كل تلك الملاحظات في جدول مواعيد المساعد الرقمي الشخصي، ويتمثل ذكاء جهاز الCopytalk في أنه يستخدم أفضل طريقة معتمدة من تقنيات التعرف على الأصوات البشرية المتاحة في الوقت الحالي، ولكن المدهش في هذا الجهاز أن كل تقنيات الاستماع وتحويل الصوت إلى نص والإرسال بالبريد يقوم به عاملون في مدينة شيناي في جنوب شرق الهند ومن خلال أجهزة عالية التقنية خلال الإنترنت وتقنيات ضغط الصوت المعقدة، وباختصار، أنت الآن واقف على أحد الأرصفة على سبيل المثال في أوكلاهوما سيتي بها تفك الجوال، وتقوم بكتابة رسالة إلى صديقك، وهناك شخص ما في الهند يأخذما تمليه عليه ويرسله بالبريد، إذا كان هذا لا يدهشك، فاعتبر شعور الدهشةعندك قد تدمر بلا رجعة بتأثير أفلام الخيال العلمي، وطبقا للآراء التي امتدحت دقة جهاز Copytalk في التهجي فيبدو أن الهنود يقومون بجهد طيب فيما يختص باستقبال ما تمليه، ربما أفضل من أي أمريكي عادي، ويعد جهاز Copytalk مثال مباشر وغير عادي لاتجاه يتطور سريعا، وهو أن الإنترنت سوف يمكن الوظائف الفنية والعمالة الخلفية من أن ينتقلوا إلى أماكن مثل أيرلندا،الكاريبي، الهند، الصين، روسيا وباكستان، ومن الصعب أن نرى ما يمنع هذا النمط من العمل من الاستمرار، بل ويتسارع طالما أن الإنترنت يتحسن والمستوى التعليمي للعمالة الخارجية يتحسن أيضا،بل سوف يصبحون أكثر تعليما، فمنذ سنوات قليلة مضت شاركت في مشروع كتاب يسمى «24 ساعة في الفضاء الإلكتروني» الذي يعطي لمحات عن كيفية تغيير الإنترنت لحياة بعض الأشخاص حول العالم خلال فترة يوم واحد، وما صدمني حينها هو أنه في الوقت الذي كانت هناك العديد من الطرائف الغريبة في الولايات المتحدةوأوروبا الغربية مثل سائقي التاكسي الذين يظهرون على كاميرات الإنترنت وخلافه، فقد جاءت قصص التحول الحقيقي في حياة الأشخاص من الدول النامية، وأنا أتذكر مصففة شعر من بيرو أصبحت أشهر مصففة في مدينتها باستخدامها الإنترنت لتحميل وطباعة صور عروض الأزياء من مواقع تصميم الأزياء الفرنسية، ثم بعد ذلك طبقت ذلك على زبائنها في اليوم التالي، وذلك قبل شهور من وصول مجلات الأزياء الراقية إلى أمريكا الجنوبية، قد يبدو ذلك تافها بالنسبة لك إلا إذا كنت مصفف شعر!؛ ولكن ذلك مؤشر على اتجاه أكبر: ديموقراطية المعلومات، فعلى سبيل المثال في الثمانينات كانت لغة البرمجة c++ (سي بلس بلس) تعتبر أفضل لغة برمجة، وبها فقط تستطيع الحصول على وظيفة في وادي السليكون، وعندما نشرت بدائيات لغة السي بلس بلس كان المبرمجون يشترون حتى عشر نسخ لإرسالها إلى أصدقائهم في أوروبا، وذلك لأن تلك الكتب لم تكن لتصل إليهم إلا بعد أشهر من صدورها، أما أن تصل تلك الكتب إلى الشرق الأقصى أو إلى شمال الهند، فكان هذا في عداد المستحيل، واليوم وعلى النقيض،تعد لغة جافا البرمجية من اللغات التي يجب معرفتها لأي مبرمج، ولكن الآن يمكن الحصول على نشرات تعليمية لها على الإنترنت من أي مكان من ميلووكي وحتى ماليزيا، وإذا لم تصلح الولايات المتحدة من نظام تدريس مادة الرياضيات الذي تواجهه تحديات كبيرة فسوف يحل الإنترنت مشكلته؛ وذلك بإتاحة الفرصة لملايين العاملين من ذوي الكفاءة الفنية في بلدان أخرى، ويبرز الإنترنت الآن كأفضل وسيلة لتحقيق التوازن في مجال اقتصاديات نظم المعلومات على مستوى العالم، وذلك بإتاحته لكل أنواع الفرص لمئات الملايين من العقول الذكية الذين قد حرموا من ذلك في السابق، وقد رأينا ذلك في مكتبنا، فمنذ سنوات مضت كان فريق مجلة «النيوزويك» الامريكية يطور برنامجا على الشبكة والذي كنا نحتاج أن نكتب له نصا برمجيا محيرا بعض الشيء، ولم يكن أفضل مبرمجينا واثقا من أنه يستطيع القيام به واستأجر مبرمجا حرا ليقوم بعمله، وبعد أسبوعين جاء الكود، وكان مصنوعا بمهارة ومختصرا وعمل بصورة كاملة، وعندما سألته إذا كنت أستطيع مقابلة هذا الرجل الموهوب، عندها بدا زميلي متضايقا بعض الشيء، وقال: «لا أدري، إنه،، يعيش في موسكو»، وقد قام هذاالمبرمج صغير السن بعمل ما يبدو طبيعيا بالنسبة له؛ ذهب إلى الشبكة، تسوق قليلا، ثم اختار أفضل العقود وبأرخص الأسعار، وبالطبع ربما يأتي اليوم الذي تكون القضية ليست مجرد أرخص الأسعار، ولكن ان الولايات المتحدة لن يكون لديها الفنيون الموهوبون داخل حدودها لإشباع حاجاتها، وقد حذر جون باولوس من جامعة تيمبل في كتاب مثل «الأمية الرياضية» من أن الولايات المتحدة سوف تضع نفسها في مأزق اقتصادي صعب بتجاهلها لتعليم الرياضيات، فعادة ما يسمح نظام الولايات المتحدة للأطفال أن يتوقفوا عن دراسة الرياضيات في سن مبكرة إذا لم يرغبوا في ذلك، وبهذا فإن كثيرا من الطلاب يسقطون من حساباتهم بدون أن يشعروا وظائف التقنية، أما بالنسبة للمجتمع ككل، فإن الولايات المتحدة صار فيها العديد من رجال الأعمال، ولكن القليل نسبيا من المهندسين الذين يستطيعون أن يطوروا منتجات متطورة أو يكتبوا نصوصا برمجية معقدة، ولذلك فهذا أثر من آثار الإنترنت ربما قد قللنا من تقدير آثاره؛ فإذا لم تصلح الولايات المتحدة من نظام تدريس الرياضيات الذي يواجه تحديات كبيرة، فإن الإنترنت سوف يحل هذه المشكلة بإتاحة الفرصة للملايين من العمال الموهوبين تقنيا في البلدان الأخرى، وفي النهاية سوف تكون النتيجة أن الطريق السريع للمعلومات الذي اخترعته أمريكا سوف يكون وسيلة إلى تسريب أفضل الوظائف وكذلك الأموال إلى الخارج، ومن يدري، ربما يحدث في يوم من الأيام أن يقوم عمال أوكلاهوما سيتي بأخذ الإملاء لصالح مدينة شيناي؟
* نيوز ويك الأمريكية |