بلى ! إن فتح الأبواب أجدى من اغلاقها، لأن فتحها شجاعة، وإن اغلاقها تقوقع و هروب، ونحن لا نرضى لانفسنا الانعزال، لأنا ننتسب إلى أمة جادة، الشجاعة رداؤها، والعزيمة عنوانها، أمة ذات ارادة وهدف وحزم وأيد..! حين قرأت كلمة أخي الدكتور/ حمود أبي طالب، يوم 9/12/1422ه، في عكاط، قلت: ذلك ما كنا نبغ.!
الحديث كان حول «توماس فريدمان»، الكاتب الصحافي، الذي زار بلادنا، وقابل رجالا من أصحاب القرار، وآخرين من سادة الكلمة، فتحاوروا معه، سمعهم وسمعوه، في لقاء أقامته مؤسسة عكاظ، تحاور امتد ساعات.. ومن خلال ما قرأت عنه، أنه كان فيه إلقاء ما عند من حاوره، وما يحمل هذا الكاتب الصحافي من أفكار عنا وعن الوطن العربي، وهو الذي قد برز بعد 11 من سبتمبر 2001. وقبل ذلك كان له حضور في ساحات خطيرة، تتابعها الصحافة الجادة القوية الحرة، والصحافة الحقة، متابعة للاحداث في العالم، وانغماس فيها، بقدرة واعية، وتناول صادق وكفاءة وشجاعة.
إن هذا الكاتب الصحافي، كان قد هاجم الإسلام وثقافته، كما انتقد بعنف التربية الاسلامية، وكذلك فقد خلط بين الارهاب ومناهج التعليم عندنا.. وهذه تعتبر زلة، لا تغتفر لكاتب بارز، أن يهرف دون أن يتوصل إلى مصادر حقة مؤكدة، لأن الذي يتعجل الحكم بلا دليل، يحسب عليه سقطة، وهو قد برز واشتهر، وحقق مكاسب لنفسه، بما شارك فيه من أحداث، حضورا ودراسة ورأيا، لقيت اصداء، مردها الشجاعة والطرح والصراحة وقوة الشخصية.
إننا نؤيد التحاور مع الذين يختلفون معنا بعلم أو جهل، وأنا لا أعني هنا: التحاور بين الاديان، فتلك قضية لا سبيل إليها، لأن فيها استحالة، ودستورنا يعلن :«لكم دينكم ولي دين». وانما اريد الاختلاف في الرأي، والملتقيات الجيدة الجادة، تصحح الافهام.. ونحن أمة الاسلام المعتدل الواضح الحق، ليس أمامنا ما نخاف منه، وليس لدينا مما نخاف عليه، فلماذا نوصد أبوابنا دون آراء الآخرين!؟ إننا بهذه الممارسة، نقول للأخرين، أن ليس لدينا ما نقول، واننا لا نقبل الرأي الآخر، ولا نقبل التحاور في القضايا السياسية والاجتماعية والتربوية، ونحن بهذا المسلك غير السليم، نعطي الفرصة للآخر أن يصمنا بما نحن براء منه، لا لشيء، سوى أننا اغلقنا ابوابنا، وقبل ذلك وضعنا اصابعنا في آذاننا، وقلنا لأنفسنا، أو لبعضنا: إننا على حق، ودعوا الآخرين أن يقولوا أو يزعموا وشأنهم.!
وهذا الزائر المدعو، لا يكفي أن يقول لنا قناعاته، وتصحيح اخطائه ومواقفه المغلوطة، وانما ينبغي عليه أن يعلنها لقومه في بلاده، إذا كان ينشد الحق ويسعى إليه.
إن الكتاب العزيز يقول لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون» آية 6، من سورة التوبة.. ان كثيرا من الناس يحسبون علينا مآخذ مردها، أننا لا نريد ان نسمع الرأي الآخر، ولا نأبه له في أكثر الأحيان، ونحن المسؤولون عن انعزالنا وبعدنا، ورفضنا أن تكون ابوابنا مشرعة، دون التحاور وسماع الرأي الآخر.
لقد قلت من قبل ان كثيرا من المثقفين العرب يظنون أننا منغلقون ومنعزلون، وحين دعونا بعضهم، وجاءوا إلينا، فسمعناهم وسمعونا، ويوم عادوا إلى بلادهم، قابل بعضهم صحافيين من بلادهم، وبادروهم بقولهم: كيف تذهبون إلى السعودية، ذلك البلد المنغلق المنعزل، فكان رد الضيف، وهذه حال أو شهادة، لو أنفق عليها الملايين، حين تأتي من قبلنا لما كان لها قيمة، لكن أن يقولها واحد منهم :«حسبكم! لقد ذهبت إلى السعودية ثلاث مرات، حاضرت، وشاركت في ندوة، وطبع لي كتاب، فلم أر شيئا مما تقولون».
هذا هو المردود لفتح الابواب، فإنها تزهق الباطل، وتنير الطريق، وتفضي إلى كلمة سواء. أما إغلاقها، فانكماش وانعزال وهروب، لا يليق بنا.!
|