Sunday 17th March,200210762العددالأحد 3 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

لما هو آتلما هو آت
رحمه الله... هذا الإمام الشاب
د. خيرية إبراهيم السقاف

هذا الموت يزحف في كلَّ لحظة...، ولأسباب عديدة متنوعة...، يحصد الأرواح...، ويخبىء الأجساد تحت الثرى...، ولقد غدت أنباؤه تمرّ بالآذان مروراً عابراً، لكثرة ما تتفاقم الأنباء بما تحمله...، وتفضي بما يختبىء... لكنّ للموت مهابة...، وله على النّفس شدّة، تنزل بالإنسان نزول النّصل...، فتراق آلامه... عندما يحلّ بعزيز... أو ينزل بقريب...
وأشدُّ وطأة للموت، عندما ينزل بالعلماء، والأئمة...، ذلك لأنَّه نذيرٌ...، وليس بشيراً...، ولأنَّه منبِّه وموقظ، وليس فقط للحكمة منه...
فالعالم عندما يموت... يذهب معه ما في صدره من العلم... ولا من يأتي مكانه بمثل ما كان عنده... فنقص العلماء، قارعةٌ على أبواب الغافلين...، على ما فيه من ألم الفقد، ووحشة الغربة...
ولئن كان الموت حقاً، فإنَّ الإيمان به يدعو إلى تقبُّله برضاء ودعاء... وتبقى له سطوة الإيلام... ولئن كان الميت إنساناً، فإنَّ الحقيقة إنَّه من الذين يُبكى لفقدهم، وتوحش النّفس لهذا الفقد، ذلك لأنّه من الأفاضل العلماء النبلاء بأخلاقهم، وسماتهم، وتواضعهم، ووعيهم، فهو ابن إمام، وهو إمام، وهو ابن بيت علم، وفضل، وتواضع، وخلق، وهو العالم الفاضل، المتواضع، ذو الخلق...
وهو في شبابه، حيث يذهب نظراؤه إلى دنيا فانية، يتلقَّون فيها ما يزيدهم فيها موقعاً، ورفعةً، وبهاءً، فذهب هو إلى آخرة، باقية، خالدة، وهو حي يمشي على الأرض بعلمه الذي انتقاه، وبتخصصه الذي ارتضاه، وبفضله الذي للربِّ أسنده، وابتغاه، فكان إماماً للمسجد الحرام، يؤمّ النّاس، ويخطب فيهم، وهو الأخ لهم، وهو الابن لغالبيتهم، وهو الأبّ لصغارهم...
داهمه القدر وهو في فتوة شباب، وفتوة عطاء، فاحتسب أبوه وإخوته وزوجه وكلُّ الذين يعرفونه إماماً لهم هذا القضاء للّه تعالى، نام بين يديه لفترة من الزمن، ثمَّ ما لبث أن ودَّع وغادر، هذا الإمام العزيز هو فضيلة الشيخ عمر السبيل إمام وخطيب المسجد الحرام، الابن البّار لوالديه، ولوطنه، ولكلِّ من على دربه سار...
مات فضيلة الشيخ الدكتور بعد حادث مروري، ولم يكن من أحد عرفه أو لم يعرفه إلاَّ وهو يدعو له، ويسأل عنه، ويتفقَّد حاله، ويسأل اللّه تعالى له النّجاة والأجر، حتى أنَّ النّاس تناقلت هاتفياً في رسائل مختصرة طلب الدعاء له... لكنَّ القضاء نافذ، والأمر للّه تعالى من قبل ومن بعد...
عسى اللّه أن يكتب ما جاءه في ميزان صبره، واحتسابه، وطاعته يوم لا ينفع النَّاس إلاَّ أعمالهم...
وهو وللّه الشهادة، كان من أطيب النّاس، وأفضلهم، وأكثرهم دماثة، وهدوءاً، وحياءً، وعملاً، وصبراً، وصدقاً، وإيماناً، واجه به إن شاء الله ربّاً كريماً غفوراً رحيماً...
مات الدكتور الشيخ عمر السبيل والألسنة لمّا تزل تدعو له، والعيون تدرُّ من أجله الدموع...
وهو لم يهن على النّفس، لكنه ذهب، إلى دنيا أخلد مما ترك، وإلى نعيم أوسع مما رأى، وإلى رحمة أشمل من دنيا فانية، وبقاء زائل...
لقد ترك فضيلته في ذواكر النَّاس عنه، إمامته، وخطبه، وكلماته، وصدقه، فأيَّ صورة أجمل، وأبقى، وأجلَّ، من هذه الصورة الذكرى التي لا ينالها إلاَّ من نهج نهجه، واتبع أثره؟.
رحم اللّه فضيلته رحمة الأبرار...
وجعله من المحتفى بهم في فردوسه الأعلى، مع الأنبياء، والشهداء، والصالحين... وأحسن استقباله، وأكرم نزله، ووسع داره، وجازاه عن كلِّ مسلم ائتمَّ له خير الجزاء، وعن كلِّ كلمة صدق تركها، أجلَّ الأجر، وأعظم العطاء...، وغسله بالماء والثلج والبرد، وخلفه في أهله، وجعل البركة في عقبه، وأنزل السكينة على قلب والده فضيلة الشيخ محمد السبيل عضو هيئة كبار العلماء، وإمام وخطيب المسجد الحرام، وعلى قلب زوجه البّارة الصابرة، وعلى قلوب صغاره الذين أسأل اللّه لهم هداية، يتبعون بها خطى والدهم رحمه الله في أسرتهم أسرة العلم، والإيمان..
وأخصّ بالعزاء أخي وزميلي العزيز الدكتور عبدالعزيز السبيل، وأسأل اللّه أن يذهب حزنهم بسكينة الإيمان، ويبرد ألمهم بعميق الاستسلام، ويلاشي فجيعتهم بما عنده تعالى من البشائر لمثل هذا الفقيد، الذي لايخصّ أسرته فقط، بل المسلمين في كلِّ مكان.
وإنّا للّه تعالى راجعون...
فعسى اللّه أن يحسن لنا الخاتمة...
ولا يفتنّا بعدهم...
ولا يحرمنا من مثل أجرهم...
ويجعله والمسلمين، والمسلمات، من الأموات في أعلى الدرجات، من جنة الخلد، والنعيم، والمسرات.
آمين... آمين... آمين.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.comعناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved