قد تجتمع بعض الصفات العظيمة لأحد من الناس ولكن هل يمكن أن تجتمع صفات مثل البطولة والمغامرة والقيادة والتضحية والحنكة والسياسة لشباب في مقتبل العمر، ما يزال في عشرينات عمره.. لقد اجتمعت تلك الصفات لواحد هذا الزمان.. لعبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود، تكلم الكثيرون عن تلك الصفات ومن يمل الكلام عن قمة تعانق السحاب في سموها ورفعتها ومن يمل النظر الى نجم يتلألأ في سماء الشرف والبطولة.
لقد بدأت رحلة ذلك الفتى في النصف الاخير من رمضان المبارك عام 1308ه حيث كانت القافلة تضرب في اعماق الصحراء خرجت مشرقة من الرياض في ميل قليل إلى الشمال وعلى بعير منها.. فتى ليس ككل الفتيان رغم انه لم يتجاوز الخامسة عشرة بعد.. سألهم عبدالعزيز؟ اين نحن؟ وجاءه الرد اننا نخترق رمال الدهناء.. واخذ الفتى يتمعن في رمال الصحراء.. احبها.. وكيف لا وهو ابنها وقريبا سيصبح فارسها ومجدد بطولاتها.. أناخت القافلة قبيل الليل عند احد الكثبان ابتعد عبدالعزيز عن المخيم وتوسد الرمال وراح يفكر بعمق.. ولم يشعر بنفسه الا وهو في الرياض يتجول فيها يدخل من بواباتها يسلم على اهلها الطيبين الذين احبوه واحبهم كثيرا وجد نفسه في سوقها ومسجدها وسمع اصوات الباعة والبدو الذين يبيعون ويشترون من سوق الرياض.. يكاد يعرفهم واحدا واحدا.. وجاء الصوت ليصحو عبدالعزيز من كل هذا، قال الصوت: هيا يا عبدالعزيز.. ينتظرونك على العشاء.. لم يكن يشعر بالجوع.. طوى تلك الصور في مخيلته ونهض.. وعند الصباح عادوت القافلة المسير.. وذلك الفتى يزداد عشقا للصحراء التي كانت بمثابة المدرسة الثانية التي يتعلم منها الصبر والتحمل، لقد تعلم في مدرسته الأولى وهي مدرسة والده عبدالرحمن بن سعود الذي كان يرى في ابنه الحلم القادم الذي سيفتح ابواب المستقبل لاستعادة ملك الآباء والاجداد.. ويبدأ عبدالعزيز مدرسته الثالثة وهي مدرسة الصراع الدولي في الكويت والتي كانت كفيلة بأن تعده ليكون سياسيا واعيا محنكا.. حيث قربه الشيخ مبارك منه بعد أن رأى منه صفات الألمعي اللبق.. وشاهد عن كثب محاورات واحاديث الشيخ مبارك مع ممثلي الحكومات الانكليزية والروسية والالمانية والتركية.. لقد تخرج عبدالعزيز من مدارس كثيرة منها مدرسة آل الشيخ مدرسة العلم والعلماء والتي اهلته مع غيرها ليكون زعيما عربيا إسلاميا.. وذات ليله.. النوم يقبل على عيونه المفتوحة.. لكنه ينهض.. طاردا النوم من أن يستقر في عينيه.. لقد بدأ عبدالعزيز يفكر في امر خطير.
لعله سمع اصواتا تناديه.. أن هلم.. هلم إلى ملك آبائك واجدادك.. وحِّد وطنك المتنافر المتضاد.. عبدالعزيز ليس لها الا انت. كانت مسؤلية كبيرة.. خطيرة.. مغامرة نسبة فشلها أكبر من نجاحها.. الصحراء القاحلة القبائل.. قطّاع الطرق، السباع، ضيق ذات اليد.. قوة خصمه وتحصنه.
لكنه مؤمن بالله متوكل عليه.. وهذا يكفي.. نعم لقد كان كافيا.. لعبد العزيز أن يكون ايمانه بربه قويا ليبدأ المغامرة.. ستون رجلا.. سلموا قيادتهم للبطل.. اصغرهم سنا ولكنهم يثقون به وهذا يكفي.
على دعوة التوحيد كان لقاؤهم
بأسيافهم عن حوض اسلافهم ذبوا
فمازال سيف للعقيدة ضاربا
ومازال سيف الشرك من ذلة ينبو
تسلح بالايمان بنصر الله ثم بعدة بنادق وبعض الرجال المخلصين.. يفتح ذراعيه للأمل.. يعانق المستقبل.
كان يسمع الكثير من الاصوات التي تقول: إلى اين ياعبد العزيز كل ما هو امامك عدوك.. الصحراء.. وتلك العيون المترقبة؟!
لكنه عبدالعزيز.. الذي امتطى الصحراء.. اطمأن إلى تلك الكثبان الرملية التي استقبلته فرحة بعودته.. لقد تذكرته لقد مر من هنا قبل عشر سنوات، الصحراء تعشق الابطال الذين يجعلون لها تاريخا معهم.. ذلك البطل بدأ يكتب تاريخا جديدا للمنطقة.. هكذا قالت الكثبان لبعضها.
الارض استبشرت به توسدها أمضى بعض لياليه متأملا الصحراء، ثم انقض على المسافات يقطعها حتى وصل مشارف المستقبل.. وصل قرب الرياض..
وهنا برز عبدالعزيز الآخر.. برز القائد العسكري المحنك يضع خطته ويقسم من معه.. ذهب مرتديا ثوب الليل البهيم.. الليل يستر عبدالعزيز.. كي لا تراه العيون المترقبة.. الليل«يفزع» مع عبدالعزيز، الليل والنهار والكثبان الرملية.. والبشر في الرياض يريدون عبدالعزيز.. الكل يريده لقد سخرله الله الاشياء والبشر.. ليتم ربك ما اراد.. وعند ضلع الشقيب قرب الرياض يعسكرون..ويخطط القائد العسكري.. يقسم جماعته.. يسير امامهم.. يقتحم الخطر..
ودارت رحى الايام وللدهر دورة
تدور الرحى والناس فيها هم الحب
فحتى اذا اشتد الظلام وحوقلت
عفاريته من خوف بهم يربو
اتى واحد الدهر فريد زمانه
جزيرتنا«عبدالعزيز» لها طب
فان تكن الاجساد شتى جموعها
«فعبد العزيز» الشهم في شملها قلب
يعتلي عبدالعزيز.. هامة النصر.. يستولي على الرياض.
يصيح المنادي: الملك لله ثم لعبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود.. تتعالى هتافات الفرح.. ويخرج الناس يبايعون زعيمهم المظفر.. بايعوه على السمع والطاعة وبايعهم عبدالعزيز على القضاء على الفتن وعلى توحيد شملهم..
وأسس دولة فتية بناها بتوفيق الله وعزم الابطال.. فرحم الله آخر الموحدين في القرن العشرين.
الأبيات الشعرية: من قصيدة للأستاذ الشاعر/ عبدالعزيز السراء.
|