انقضى عام كامل، وها نحن نعيش ايام عام جديد جعله الله عام خير وبركة، ونصراً للإسلام والمسلمين.
في مثل هذه الايام من كل عام، يتذكر المسلمون حدثاً عظيماً، كان له الأثر بعد الله سبحانه وتعالى في انتصار الإسلام، وارتفاع رايته، ونقل للإسلام من الإقليمية الضيقة الى عالم ارحب وأوسع، إنه حدث الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وهذا الحدث ينبغي ألا يمر حتى نستروح منه العبر، ونشنف بطيب ذكره الأسماع، كيف لا ونحن مدينون له بعد الله سبحانه وتعالى بوجودنا، وهذه المكانة التي بوأنا إياها بين أمم العالم، وهذه الحضارة كانت ولا زالت مصدر إشعاع للراغبين في سلوك سبل الهداية والرشاد.
هذا الحدث، ما كان له ان يكون دون تضحية، وبذل، ودون ان يعبد طريقه بالأشلاء والدماء، وهكذا كان.
ولا بد أن ندرك أنه إذا اشتد الظلام فالفجر قريب، وإذا طال العناء فالفرج قريب، ولن يغلب عسر يسرين، وهكذا كان حال المسلمين في مكة في اول الاسلام، وقبل الهجرة، يعانون من العذاب صنوفاً، ولكن لم يزدهم ذلك إلا ثباتاً، وتضحية.
أجلبت قريش بكل ما أوتيت من قوة لتقوض الاسلام، وتجتثه من جذوره، فعقدت لذلك مؤتمراً ضم عِلْيَةَ أهل مكة كفراً، وبحضور المسوق الأول للكفر والفسق إبليس لعنة الله في صورة شيخ نجدي، تآمر المؤتمرون، فقائل بحبسه، وقائل: بقتله، وقائل بإخراجه، ولكن كل هذه الآراء لم تَرُق لهم، لأنها ستضرم نار العداوة بين عشائر قريش وقبائلها، وفي غمرة تفكيرهم وتقديرهم، انقدحت شرارة مؤامرة دنيئة منسقها الأول ابو جهل، وفحواه ومحتواها ان يؤخذ من كل قبيلة من قبائل قريش شاب جلد، فيضربوا محمد صلى الله عليه وسلم عند خروجه الى مهاجره ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه بين القبائل، فيقنع بنو هاشم بالدية، لأنهم لا طاقة لهم بحرب قريش كلها، عند ذلك افتر ثغر كل واحد منهم عن ابتسامة تكن عن اعجاب واستحسان، تردف بمقولة نعم ما رأيت يا فتى، قالها إمام الكفر ودهقانه إبليس لعنة الله.
طفق المتآمرون يعدون العدة، لتنفيذ ماهموا به، اجتمع النفر على باب الرسول، قد أخذوا للأمر أهبته، وأعدوا له عدته، ومنتهى آمالهم ألا تشرق شمس يوم آخر، إلا وقد أزاحوا عن صدورهم هماً طالما أقض منهم المضاجع، ولكن أنى لهم ذلك والعناية الإلهية تحرسه، والمعية تحفظه، إنه ولا شك الجهل بقدرة رب الأرباب سبحانه، ليعلَّم مَنْ هناك درساً عملياً فيه ذكرى لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، ليخرج من بينهم يتلو قول الله {وّجّعّلًنّا مٌنً بّيًنٌ أّيًدٌيهٌمً سّدَْا وّمٌنً خّلًفٌهٌمً سّدَْا فّأّغًشّيًنّاهٍمً فّهٍمً لا يٍبًصٌرٍونّ(9)} ويترك لهم أثراً على مكر الله بهم، تراباً يعلو جباهم، إيحاء لهم بأنهم قد مُرغت وجوههم بالتراب، وأن مكرهم وكيدهم سيكون هباء منثوراً، كما هو حال التراب الذي يعلو رؤوسهم، عندها أتى كبيرهم الذي علمهم طرق الكفر وسبل الضلال، ليقرِّع أسماعهم بكلمات لعلهم يستدركون بها ما فاتهم، ويبث الحمية في قلوبهم، ويؤجج نار الحقد في نفوسهم، ليقول لهم: ماذا تنتظرون؟! وهو سؤال يشعر بمرارة الهزيمة، قالوا: محمداً، قال: مازاد محمد على ان سخر بكم، ودليل ذلك فوق رؤوسكم.
خرج النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه صلى الله عليه وسلم، يغذون السير للإفلات من المكر القرشي الذي يتربص به، وسلكوا لذلك سبل الحيطة والحذر، فاتجه الركب الميمون جنوباً تمويهاً للرَّصَد، ولجأ إلى غار ثور، وهنا تتجلى العظمة الربانية، وتتناغم الكائنات في سبيل نصرة الدين، فتنسج العنكبوت نسجها على فم الغار، وتبيض الحمامة على بابه، إمعاناً في التمويه على أولئك القوم، وهذا ما جعل القرشيين يقفون على باب الغار، حيث انتهى بهم الأثر، مستبعدين ان يكون قد دخل الغار، ويقول قائلون: ان العنكبوت قد نسجت غزلها قبل ان يولد محمد، فأنى له الدخول، وفي خضم هذه الجلبة يلقي الحزن بظلة على أبي بكر فيقول: لو نظر أحدهم لموضع قدميه لرآنا، عندها يهدئ الرسول صلى الله عليه وسلم من روعه، ويقول له بلغة الواثق بنصر ربه: ماظنك باثنين الله ثالثهما، ولا شك انها كلمات تهز المشاعر، وتنفخ في نفس المؤمن العزة والطمأنينة.
وقبل دخول الغار تتجلى لنا الفدائية الحقة في شخص أبي بكر، عندما طلب من النبي أن يستبرئ له الغار، خوفاً على شخص الحبيب من كل مؤذٍ، فأخذ يدس الجحور بثوبه، فنفذ ثوبه دون اثنين منها، فأذن للرسول، ثم قام بإلقام الجحرين قدميه، وبينم الرسول متوسد فخذه بأبي هو وأمي أحس ببلل، ففتح عينيه فإذا هو من عيني أبي بكر، حيث أخبر النبي أنه قد لدغ، وتحامل على نفسه، خشية إزعاجه، فلم يوقظه، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فزال عنه ما يجد، الله اكبر ما اعظمها من فدائية، وما أصدقه من حب.
انقضت أيام الغار الثلاثة، لتبدأ رحلة بناء الأمة، وتشييد عزها، ولكن ما أشقها من رحلة في طياتها العبر، وتصاغ في دروبها التضحيات، ورغم مرور ايام الغار الثلاثة لم يهدأ الطلب، جراء الجائزة التي جعلتها قريش لمن يأتي بمحمد صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً، وهي من القيمة بمكان، ولا شك ان مائة ناقة في ذلك الوقت، تجعل المرء من سروات القوم وأغنيائهم، وهذا ما زادهم إلحاحاً في طلب الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه صلى الله عليه وسلم.
انطلق الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه تكلؤهم عناية الله، وتحرسهم إحاطته، يترقبون مفاجآت الطريق، وتقلقهم عثراته، وأبو بكر في خضم ذلك يتقدم الرسول تارة، ويتأخر عنه أخرى، يتذكر الرصد فيتقدمه، ويذكر الطلب فيكون خلفه، لأن موته إنما هو موت نفس واحدة، وأما موت الرسول صلى الله عليه وسلم، فموت أمة، وموت الرسالة التي يحملها، وشتان بينهما.
يقطع الموكب الإيماني الفيافي، وتنهب مطاياه الأرض، ولكنها في عرف الخائف الوجل كمن يسير في مكانه، وكلما أحدق بهم الخطر كان أشد بطأ، حتى كأنما شدت أقدام مطاياه إلى الأرض، ويتجلى هذا ظاهراً جلياً عندما دهم هذا الموكب أحد من أشرأبت أعناقهم لنيل تلك الجائزة، وهو سراقة بن مالك، الذي كاد يظفر بهم لولا معية الله بعبده ولطفه به، ليتولى النصرة في هذا الموقف جند من جنود الله سبحانه وتعالى، وما يعلم جنود ربك إلا هو، وكان هذه المرة الأرض تلك الأم الرؤوم، التي طالما حملتك على ظهرها، واحتملت منك الخطيئة، لتقوم بجذبه إليها، وتقول له بلسانه الحال أتريد أن تهلك رحمة الله للعالمين، محال ان تدرك ذلك، عندها أدرك عظم الخطيئة التي اجترمها، وعلم ان المخلص منها بطلب الصفح، معاهداً ألا يعود لمثلها، وهنا تتجلى أريحية هذا النبي وعظم خلقه، فيدعو الله ان يطلق له فرسه، فيقوم كأنما نشط من عقال، قد اكتسى قلبه سربال اليقين والايمان، معطى عهداً ووعداً، عهداً بالأمان
عند ارتفاع راية الاسلام، ووعداً بلبس تاج كسرى وسواريه، وكان له ذلك.
ولا زال الموكب الايماني يسير تحفه العناية الإلهية، وتغشاه السكينة، تنهل الأرض من بركاته وتتفيأ الكائنات عَلاِته، وكلها حبور بمرآه، وأنس بملاقاته.
حطت مطايا الركب بخيمة ام معبد، فوجدوا حالاً بائسة، شكت منها الحال، لتعذر المقال، فما كان من النبي إلا أن دعا بشاة في كسر البيت، أتت عليها السنون، وهدها الهزال، حتى بدا من هزالها كلاها والعظام، فما ان صافحت يداه الكريمتان ضرعها حتى تفجر لبناً سائغ شرابه، فسقوا وشربوا وأفضلوا، ثم رده بَعْدُ كأن لم يكن،
آية معجزة من لدن حكيم خبير.
طال المسير، ومل المسافر،
ولكن لكل شيء نهاية، ونهاية هذا الموكب الميمون خير البلاد ومأزر الإسلام، إنها طيبة الطيبة، التي خرجت ولثلاثة أيام متتالية، لاستقبال الرسول وصاحبه، لتكتحل البصائر قبل الأبصار بلقياه بأبي هو وأمي، مرددين نشيدهم الخالد، الذي لا يزال عبق ذكراه يشنف الآذان:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع
وبون شاسع بين قوم طردوه وبين قوم يتمنى كل واحد منهم شرف نزوله عنده، نعم احبتي في الله، بون شاسع، ولكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
قد كانت الهجرة النبوية حداً فاصلاً بين العهد المكي، والعهد النبوي، بين مرحلة الضعف ومرحلة القوة، فبالهجرة قامت دولة الاسلام، وعلت منارته، حيث شرع النبي ببناء المسجد، واظهار شرائع الاسلام، واقامة حدوده، وارسال السرايا وبعث البعوث، ومراسلة ملوك العالم لإبلاغهم بشريعة الله ليدخلوا في السلم كافة، فكانت الهجرة بحق هي البداية لظهور شريعة الاسلام، لذا نرى الفاروق يجعل منها بداية لتاريخ الاسلام، وهو ماتعورف عليه بالتأريخ الهجري.
ولكن نرى وللأسف الشديد كثيراً من دول الاسلام قد تنكبت السبيل لهذا التاريخ، ولم ترفع به رأساً، فلم تعد تعمل به، وآثرت بفضل الاستعمار التأريخ الميلادي، ولم يبق على العهد الا هذه الدولة أعزها الله، وحفظ القائمين عليها، التي تراعي هذا التاريخ في معاملاتها، ولذا ترى أبناء هذه البلاد صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وانثاهم، على علم بهذا التأريخ وأشهره، وهذا فيه ربط للجيل بأيامه الخالدة وامجاده الغابرة، بينما تغيب تلك المفاهيم عن غيرهم من ابناء الاسلام في الدول الاسلامية الاخرى بسبب تغيب هذا التأريخ، وهذه حلقة في سلسلة تغريب الامة، والأخذ بها الى مهاوي العلمنة ودركاتها، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى.
وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
كلية الملك خالد العسكرية |