تعود علاقتي بالأستاذ فهد العلي العريفي إلى ما قبل خمسة وعشرين عاماً، فقد فاجأني بزيارة بمكتب رعاية الشباب بحائل في نهاية عام 1397ه مشجعاً ومؤازراً لنشاط المكتب الذي كان ينفذ بعض النشاطات الثقافية والاجتماعية ويستضيف بعض المثقفين من مختلف المناطق، ثم تطورت علاقتنا إلى صداقة فأصبح يزور المكتب عندما يزور حائل ويطلب المزيد من الأنشطة الثقافية، وكنت كذلك عندما أزور الرياض أسكن عنده بالمنزل، بل ويسهل لي المواصلات داخل الرياض من خلال إعارتي سيارة كنت عند انتهاء مهمتي وذهابي للمطار للسفر أتركها في مكان معين وأضع المفتاح في مكان آخر فيذهب ليحضرها هو أو أحد أبنائه.
عدت للرياض وأصبحت لقاءاتنا حسب الظروف إلا أن النادي الأدبي مكان للقاءات وفق ما ينظمه من برامج منبرية وغيرها. فطبع له النادي كتاب «من وراء الحدود» مشاهدات، خواطر، ذكريات، عام 1401ه 1981م يقول في مقدمته: «... والذي حملني على تأليفه هو أن بعض القادمين إلى بريطانيا من العرب يجهلون الكثير عنها، عن مساجدها التي تزيد عن خمسين مسجداً وعن نواديها ومسارحها وميادين السباق، وأماكن التسلية، وفرق الرياضة، وقاعات الموسيقى وعن متاحفها العديدة المهمة، فيصل العربي إلى بريطانيا ويخرج منها بعد شهرين أو ثلاثة هو لا يعرف سوى (الهايدبارك) و(البيكادلي سيركس) ولهذا فقد دونت أسماء هذه الأماكن المهمة وأشرت إلى مواقعها في هذه المدينة الكبيرة.. إلخ... » وبدأ يعدد معالم ومناطق ومميزات بريطانيا، ويشيد ببعض مظاهر النهضة وينتقد بعض السلبيات وبعض الأخطاء التي يرتكبها السواح من العرب.
وبدأ من الطائرة التي أقلته من الرياض إلى لندن فهو يقول: (.. أتلفت يميناً وشمالاً لأرى العجب بعض الناس في الطائرة أو بعض النساء على الأصح كانت تلفهن أثواب الحياء والحشمة، فما أن أقلعت الطائرة حتى تجردن منها، واستبدلنها بالملابس القصيرة!! التي تتمشى أو (تتمخطر) مع الموضة!!.. تحولت في نظري بعد (الميني جيب) التي ارتدته إلى (شكل ثاني) إلى فتاة عادية كتلك الفتيات التي رأيت الكثير منهن على أرصفة (كوينزوي) و(ماربل أرش) وشوارع (أجوردرود) في لندن وفي الشانزليزيه بباريس، فخف إعجابي بها أو تلاشى، وشكراً للموضة التي (تحول الشربات إلى فسيخ) كما يقول المثل.)
ويقول في موضع آخر (الإنجليز يكرهون العرب!! لماذا؟ يقدس الإنجليز بلادهم ويندفعون في سبيل حمايتها ورعايتها إلى أبعد حدود الاندفاع، ويكرهون كل من يستهتر بنظامها ونظافتها وقوانينها وأعرافها، وتجد البعض منهم ينحني بملابسه الأنيقة ويلملم الأوراق الملقاة على الرصيف ويضعها في صناديق النفايات، وبعضهم يترك عمله ليرشد تائهاً أو يساعد كفيفاً أو طفلاً لكي يحافظ على سمعة البريطانيين.. وقد تحدث هفوات من بعض العرب فتستغلها المنظمات الصهيونية التي تحاول بشتى الطرق وبمختلف الوسائل تشويه سمعة العرب... إن الجهود الصهيونية الآثمة لبذر كراهية العرب في نفوس البريطانيين يساعد عليها بعض الطائشين والجهلة من العرب الذين يقومون بأعمال يستحقون عليها كل كره وإهانة..»
وعدد بعد ذلك عدة نماذج من تلك التصرفات على سبيل المثال:
1 يدخل بعضهم نوادي القمار الصهيونية فيغرق (الطاولات) بفيض من النقود لا ينقطع، ويلعب دون وعي أو اكتراث فتنتشر أخباره. فينال العرب كلهم الذكر السيىء ويعتبرون كل مصطاف (مقامر)..
2 يذهب بعض العرب إلى المراقص ويتصرفون تصرفاً سيئاً ويضيعون عقولهم وسمعتهم وأموالهم تحت أقدام الساقطات وتنتشر أخبارهم وأخبار (النقوط) الذي يطوقون به أعناق الراقصات والمطربات، وتنعكس هذه الأنباء الكريهة على العرب كلهم وتتضاعف الكراهية والاحتقار للعرب جميعاً.
3 بعض العرب إذا سكن شقة أو فندقاً لا يهتم بنظافته ونظافة أولاده وأسرته، وقد رأيت في أحد الفنادق بلندن مجموعة من الأطفال العرب يسكنون في الدور الأرضي من الفندق، ويسرحون ويمرحون عراة ويوزعون قذارتهم ورجيعهم لا على (دورات المياه) المخصصة ولكن في الممرات والطرقات المؤدية لها، والأم في برقعها حافية، والأب يسير في حذائه البلاستيكي المختلف الألوان يتضاحكان إعجاباً بحركات الأطفال الهستيرية دون أن يلتفتا إلى ما خلفوه من قاذورات في جوانب الفندق وكأنهما في الصحراء لا يعنيهم الأمر من قريب أو بعيد!!
هذا العمل يثير غضب الإنجليز واحتقارهم للعرب.
4 يحاول بعض السكارى والطائشين من العرب التعدي على نساء الآخرين متوهمين أن كل (بيضاء شحمة) وظانين أن هناك حرية مطلقة لا تحد بحدود أو تقيد بقيود! وهذا وهم ساذج تكون نتائجه الإهانة والتوقيف.
وتطرق أيضاً لتسويد الجدران بالكتابات والشعارات يعيش (الزعيم) أو (الفريق) الفلاني.. وكذلك لما يقوم به ضعاف النفوس من سرقة يتهم بها كل عربي، وكذا الاستعراض بالسيارات ومخالفة تعليمات المرور وغيرها... إلخ.. إلخ
واختتم الكتاب بموضوع (أين الإعلام العربي؟) قائلاً: (الإعلام العربي في الخارج يغط في سبات عميق!! الإعلام العربي في الخارج لا وجود له أصلاً وإذا كان موجوداً فإنه قد فارق الحياة مات و(إكرام الميت دفنه) المواطن العربي يهان في بريطانيا.
المواطن العربي يسرق ويسجن بحق وبغير حق.
التلفاز البريطاني بقنواته الثلاث يتهجم على العرب ويصفهم بشتى النعوت والصفات الحقيرة ويصور العربي بأنه فارغ سخيف لا يهتم إلا ببطنه وشهواته.. أما وسائل الإعلام العربي كلها والسفارات العربية فهي كالزوج المخدوع (آخر من يعلم) ويهمها أن توصد أبوابها عن المواطنين العرب ولا تفتح الأبواب إلا إذا سبقتهم (الواسطة)..
وفي كتابه الآخر (حائل) الذي أصدرته الرئاسة العامة لرعاية الشباب 1403ه ضمن سلسلة «هذه بلادنا» والذي قال عنه الشيخ حمد الجاسر رحمه الله في تقديمه له: «... أمضيت فترات قصيرة من الزمن وتحت تأثير ضعف في صحتي.. بمطالعة كتابك «لمحات من مدينة حائل» فوجدت فيه من المعلومات الشيقة عن هذا الجزء الحبيب من بلادنا ما يجعله جديراً بالنشر..
وتمنيت لو أن كل كاتب في بلادنا يتصدى للتأليف عن منطقته بما يحيط به علماً مما يتعلق بمختلف أحوالها، إذ بمثل هذا العمل تتكامل لدى الباحث ما يحتاج إلى معرفته عند دراسة أية ناحية من نواحي الحياة في هذه البلاد التي لا تزال جوانب كثيرة من مظاهر حياتها قديمها وحديثها مجهولة، أو بحاجة إلى ما يضيف إلى ما عرف عنها من معلومات ما هو أوفى وأكمل.
وحمدت لك في كتابك عدم طغيان العاطفة فيما تحدثت به من محاسن هذا القطر الكريم الذي هو جزء من بلاد طويلة عريضة تتشابه كل أقطارها في جميع أحوالها. زادك الله قوة ونشاطاً، ووفقك لما فيه النفع لأمتك وبلادك..»
وقد قدّم هذا الكتاب كباكورة لهذه السلسلة مستعرضاً تاريخ وأمجاد وآثار ومعالم وقرى وألعاب وجبال وطرق وعادات وتقاليد المنطقة بأسلوب سهل ممتع جذاب واختتمه ببعض الصور والخرائط.
لقد كان أبو عبدالعزيز يزاول الكتابة والمطالبة بتطوير المنطقة وتوفير الخدمات ومعالجة أوجه النقص والتقصير وفضح المتخاذلين والمقصرين من المسؤولين، فقد بدأ منذ مطلع السبعينات الهجرية بجريدة المدينة حيث كان مراسلها بحائل فكان بعض المسؤولين يضيقون ذرعاً بانتقاداته فيهددونه بالسجن والضرب فلا يكترث بذلك بل يتحايل بنقل الكتابة إلى الضفة الشرقية من المملكة من خلال صحف (أخبار الظهران) و(الاشعاع) و(الخليج العربي). فنجده مثلاً يقول في العدد السادس عشر من جريدة (الخليج العربي) الصادر يوم الأربعاء 29/5/1378ه( معلقاً على مقال نشر في العدد الثامن بقلم عبدالعزيز العبدالله الربيص بصدد الخدمات والإصلاحات المبذولة لسكان القرى.. فيقول معلقاً عليه ما نصه: (أما أنا فأقول بأن الخدمات التي تبذل لسكان القرى هي عبارة عن مخصصات سنوية (شرهات) لا ترفع من مستوى أبناء القرى إطلاقاً، بل قد تكون من العوامل التي تشجع على الكسل وتجعل من مستلمها عالة يعتمد على الغير، وحبذا لو توجه هذه المبالغ توجيهاً صحيحاً فترصد كميزانية سنوية لوزارة تتولى إصلاح القرية أو بالأحرى انتشالها من الجهل والفقر والمرض وتسمى (وزارة الشؤون القروية)..
وهكذا فبعد أكثر من عشر سنوات تحقق طلبه وأنشئت فعلاً وزارة الشؤون البلدية والقروية.
وهكذا استمر في كفاحه بالكلمة الصادقة والهدف السامي البناء من أجل الوطن فكل جريدة تحاول أن تحذف من كتاباته أو تلطف بعض عباراته نجده يتركها ليذهب لأخرى، وعلى سبيل المثال في السنوات الأخيرة، فقد تنقل بين أكثر من خمس مطبوعات فمن الجزيرة إلى البلاد، فعكاظ فاليوم وأخيراً استقر به المقام في مجلة اليمامة بالرياض تحت عنوان (في حدود المحبة)، فقبل ست سنوات عندما ترك إدارة مؤسسة اليمامة الصحفية كتب الأستاذ عاشق الهذال بجريدة الرياض في 21/5/1416ه العدد 10193 قائلاً: (ليعذرني القارىء العزيز في كياننا الكبير مملكتنا الحبيبة.. أن أقول ما بنفسي تجاه استاذ وأخ وصديق عرفناه جميعاً أعطى من خلال حرفه الكثير الكثير.. بلا منة.. وبسماحة خلق متناهية.. أي مشكلة لأي إنسان يجد لديه جاهرتي القرار والتنفيذ.. يهاتف أو يكتب.. لم يماطل أو يعد كما يفعل الكثير من الناس.. فالناس.. في طول البلاد وعرضها.. وخاصة من يستحقون الوقوف معهم هم هاجسه.. لم يفرق بينهم فكلهم أهل الوطن الذي وعى حقوقه وواجباته...»
ويقول الأستاذ علي محمد حسون عنه في جريدة البلاد العدد 14565 ليوم الثلاثاء 27/12/1416ه «... ذلك الرجل النبيل في خلقه.. النظيف في مظهره ومخبره المسكون وطنية.. واخلاصاً لتراب هذه الأرض.. العاشق لإنسان هذه الأرض.. عندما تقرأه تشعر بعفوية ابن الصحراء.. وبصدق ابن الصحراء.. وبعنف ابن الصحراء...».
كما يقول عنه الأستاذ فهد السلمان (... هذا الرجل الذي ما انفك يوماً عن مساعدة الناس وبذل كل ما في وسعه.. من أجل مريض هده الألم.. أو يتيم ضاقت به سبل العيش.. أو أرملة وجدت نفسها في العراء.. أو مسن داهمته الشيخوخة والعقوق.. أو طالب حاجة.. أفقدته أدواته القدرة على ايصال همومه للمسؤولين!!
لقد وجد (أبو عبدالعزيز) دائماً.. الوقت الكافي لممارسة إنسانيته.. وبكثير من الحب.. حتى صدق فيه قول الشاعر: (كأنك تعطيه الذي أنت سائله!!).. فبقي حاضراً في هموم الناس.. كل الناس.. مثل شاطىء الأمان.. القريب المنال.. ينفق جهده ومجهوده ومشاعره وقدراته.. فقط ليجد ذاته في ابتسامة رضى.. أو في دعاء حار!!..)
والآن وقد دعي للتكريم على ضفاف البحر في جدة من قبل الوجيه عبدالمقصود خوجة يوم الاثنين 4/1/1423ه ورغم أنه لم يوافق بسهولة إلا أن المحاولات الجادة جعلته يرضخ لرغبتهم فأبو عبدالعزيز عندما يعمل ما يعمل فهو لا يرجو أو يتسول التكريم، بل على طريقة المثل العراقي (اعمل معروف وارمه في البحر) تحية إجلال وتقدير للمكرم وللمكرم.
|