* الرياض ابراهيم الماجد:
حين بدأت حمى الذهب في كاليفورنيا تقاطر الناس من كل حدب وصوب بحثا عن المعدن الثمين. وفي غضون أعوام قليلة أنشأ الآلاف معامل التصنيع وحفروا الكهوف وسحبوا الرمل والحصى من الانهار بحثا عن الذهب، وازدهرت مناطق منسية في تلك الارض...
إلى أن بدأ اليأس ينتشر في نفوس الباحثين لأن الذهب لم يكن ليكفي هذا العدد الكبير منهم، فخمدت إرادة البحث وبقي في المناجم بعض الذين عرفوا كيف ينقبون عن الذهب وكيف يتدبرون شؤونهم ويواصلون البحث عن بريق في صخرة ما.
فهل تكون حمى العالم الرقمي مشابهة لحمى الذهب؟
حقائق اليوم
أفلس العديد ويأس أكثر منهم وتوقف دفق الحماسة في أسواق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في العالم. الشركات تعيد رسم سياسات جديدة لها، التقنيات تنزل إلى الأسواق بوتيرة أبطأ، وإنشاء المواقع أصبح أقل زخما...
هذه أوجه قليلة من المشهد العالمي في الكومبيوتر والاتصالات.. فهل هذا يعني أن المرحلة الحالية هي مرحلة تثبيت أقدام من بقي على «قيد الحياة» من الشركات العالمية والمحلية؟
بما أن الحواجز الجغرافية المفترض انها ستختفي مع الانترنت لم تختف فان الشركات المحلية ستحافظ على حياتها، فالانترنت كمؤشر ثقافي رقمي يتأثر مثلا بالحكومات ثبت انها تتأثر بالمسافة والجغرافيا. فإذا آراد مستخدم تركيب خط المشترك الرقمي DSL «خط ينقل المعلومات في الانترنت للمستخدمين أسرع من الخط النحاسي الخاص بالهاتف الثابت»، عليه أن يأخذ في الاعتبار التقارب الجغرافي مع مزود الخدمة ISP لأن هذا النوع من الخطوط لا يعمل سوى من مسافات قريبة.
والامر نفسه ينطبق على من يحاول سحب برامج أو معلومات من الانترنت Download، إذ غالبا ما تظهر قائمة تضم دولا عدة يختار المستخدم منها الأقرب إليه جغرافيا لكي يتم استعمال الخادم Server الموجود فيها في عملية سحب المعلومات.
وعمليا فان اختيار بلد بعيد جدا عن المستخدم يجعل عملية سحب المعلومات بطيئة جدا، وكذلك فان الانترنت تحتاج إلى وسائل نقل سريعة وطاقة كهربائية «للكومبيوتر»، ولذلك فان الجغرافيا استمرت في الاضطلاع بدور أساسي في هذا العالم الذي كان يفترض أن يصبح مثالا للحرية والانطلاق والانفتاح.
لذا فان الاعتبارات المحلية والخصوصيات المناطقية لا تزال موجودة ولم تتمكن الثورة الرقمية من إزالة حواجزها.
العتاد والاجهزة
جهاز الكومبيوتر نفسه شكل مثالا واضحا على القيود التي استمرت في التأثير على «العالم الافتراضي»، والشركات ساهمت في شكل أساسي في هذا الأمر عبر تطورالتكنولوجيا وانتشارها في الأسواق.
فاذا كان مفترضا أن تكون القدرة الشرائية عنوانا للحاق بالتكنولوجيا فان الشركات لم تسهل الامر، لماذا؟
التنافس القائم بين الشركات اتخذ معايير الصراع في السوق الغربي، أي الاوروبي والاميركي، وبالتالي فإن السوق الاقل قدرة تحمل تبعات وضغوطا لم يكن مهيأ لمواجهتها، في حين بدأ التنافس بين شركتي AMD وIntel انخفضت الاسعار، لكن المستخدمين اضطروا لشراء ما ليس ضروريا وتحملت الحكومات أيضا تكاليف لا تستطيع عادة تحملها.
أما القطاع الخاص الذي يعاني دائما مشكلات في البلدان النامية، فاضطر هو أيضا للحاق بالتطور متكبدا أثمانا باهظة، كذلك فان التنافس الذي نشأ بين الشركات في القطاع الخاص بسبب التطور في عالم الأجهزة والشبكات استتبع تكاليف كانت في غنى عنها.
وكان من الطبيعي ان تلتصق الشركات بالمتطلبات التكنولوجية الحيوية عنها وتبتعد عما كان يسمى رفاهيات تكنولوجية.
فمثلا اضطرت الشركات لشراء الخوادم والشبكات الداخلية والأجهزة الأسرع الا انها لم تحاول الحصول على الشبكات اللاسلكية والطابعات والماسحات الضوئية الأكثر تطورا، ولم تربط انظمة اتصالاتها بشبكاتها الداخلية.
أما في مجال التخزين فحصل تراجع نوعي خطر، اذ آثرت الشركات في البلدان النامية تقديم مراكز تخزين أساسية واكتفت بالتخزين على الأقراص المدمجة والاقراص الصلبة الثابتة.
طبعا لا يشمل مثلنا كل الشركات، فالمصارف مثلا كانت رائدة في التجهيز المعلوماتي، واشترى أكثرها الأجهزة التي تعتبر غاية في التقدم.
البرامج
وفي مجال البرامج، أي أنظمة التشغيل والبرامج التطبيقية والبرامج المتخصصة والمفصلة وفق الطلب، يمكن تطبيق الفرضية نفسها التي قدمناها في مجال التجهيزات، فأنظمة التشغيل تعرضت للقرصنة بسبب التكلفة العالية التي على المستخدم تحملها.
ومن جهة أخرى حاصرت الاعتبارات الجغرافية المحلية القانونية وحتى الاقتصادية المبرمجين، وحالت دون تطورهم في اتجاه العالمية.
وعامة فإن الاقتصادات القوية هي تلك صنعت التكنولوجيا وصورتها في شكل تجهيزات وبرامج وحافظت على هيمنة الريادة الصناعية وجعلتها تكنولوجية.
أما البلدان الأخرى فظلت مستهلكة كما في العهد الصناعي وقبله الزراعي، والدور الذي اضطلعت به الجغرافيا في العصر الرقمي تبين أنه شبيه تماما بالدور الذي كان للسياسة في العصر الصناعي.. ولكن هذه المرة كان الاثنان مجتمعين، السياسة والجغرافيا في مواجهة العصر الرقمي.
|